الاسلام ضد الارهاب والتطرف …

مصطفى المتوكل / تارودانت

14 ماي 2014

قال  تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾الانبياء

ويقول الله – تعالى -: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء: 93،

قال النبي  صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قتل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة))؛ رواه البخاري … هناك شبه اتفاق على ان الارهاب هو كل الاعمال  التي تثير لدى الانسان الاحساس بالخوف من خطر مفترض باستعمال طرق ووسائل من شانها نشر وزرع الرعب في انفس الافراد او الجماعات وتحفز وتثير وتدعم الاعمال المؤدية للعنف … فهو لغةمن مصدر ارهب ارهابا وهو الخوف والخشية والرعب ..

ولقد جاء في الفقرة الثانية من المادة الأولى للاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب .. أن الإرهاب هو “كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”

…..و ميز فيه  بعض  الفقهاء  بين ارهاب  محرم  شرعا و الذي يستوجب  معاقبة الفاعل والمتسبب فيه – من  سلب  واعتداء على الممتلكات و الحرمات ومن قتل وجرح…-  كان فرادا او مجموعة

و بين “ارهاب ” مشروع وقصدوا به  إلاعداد المادي والمعنوي لاظهار الدولة او المجتمع كقوة تمتلك قدرات دفاعية وهجومية  ” ترهب / تخيف ” المتربصين والاعداء  وفي هذا  قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم )…

……..ويمكن اعتبار الارهاب مظهر من مظاهر التوحش والهمجية المعتمدة منذ القدم في الصراع من اجل البقاء وبسط النفوذ على مناطق الرعي والغذاء والماوى والذي يستعمل فيه القتل والابتزاز والاختطاف والهمجية بمختلف تلاوينها القديمة …وبقيت فلسفته المادية تقريبا في جوهرها هي هي وصبغت الموضوع بتنظير تبريري اما تحت مسميات روحية او عقدية او مذهبية …فتغيرت الياته   القتالية  والعسكرية والقانونية والسياسية التي تشرعن احيانا للارهاب في مواجهة ارهاب مفترض او متوقع او ارهاب حاصل…

…ورغم  الروح  البناءة للديانات السماوية واخرها الاسلام  فان البشرية شهدت و عرفت انواعا وممارسات  من الارهاب تعرفت عليها  امتنا في  عصر الخلفاء الراشدين حيث قتل عمر وعثمان وعلي والحسين  رضي الله عنهم والاف اخرين وعذب وشرد واسر وسبي العديد…تحت مبررات لايمكن  لسيدنا محمد (ص)  الا ان  يرفضها ويدينها  لان الله ما امر بالظلم و الترهيب واراقة الدماء وترويع الناس …وما زلنا  إلى يومنا هذا نرى بعض الفرق والمنظمات  والجماعات والأحزاب, وبعض التيارات التي تنصب نفسها متحدثة باسم الاسلام او بعض المذاهب وهي تنظر للارهاب و تتفنن في اساليبه  معتقدة ادعاء  انها تمارس الوعظ والارشاد او تنصر الدين او تدافع عن الديموقراطية والعدالة …ونجد مثل هذا في العديد من المعتقدات والمذاهب في اوروبا واسيا وغيرهما كانت سماوية او وثنية او مادية …

ان  الصراع على الموارد الطبيعية وعلى المناطق الاستراتيجية وكذا  الصراع  على السلطة  تحت غطاء  ديني / مذهبي …مدخل لاثارة الفتن والاضطرابات لاضعاف الجهة المستهدفة لتسهيل السيطرة على قدراتها واخضاعها لنفوذ جديد تتقوى به مصالح معسكر على حساب معسكرات اخرى بمسميات متعددة تتقاطع فيها وتتكامل احيانا مصالح  تحكمها معتقدات متناقضة  …وفي الحقل الذي يعنينا هنا والمرتبط بالدين في شموليته يرى البعض  تحت مبرر نشر الاسلام وتنزيل الحكم الاسلامي في الارض الدفع باعتماد  ” قاعدة   الضرورات تبيح المحظورات”  التي يخرجونها عن سياقها ليصبح الحلال حراما والحرام حلالا.. وسفك الدماء جهادا ..وسرقة اموال الناس غنائم ..   واختطاف النساء الحرائر واستعبادهن وجعلهن سبايا واستباحة اعراضهن وجعلهن اماء للفراش وبيعهن في اسواق النخاسة امورا مشروعة …

… ان الإسلام جاء ليبني شخصية جديدة متجددة متشبعة  بحس انساني راق.. محبة للمعرفة والعلم ومتحلية  بالاخلاق الفاضلة في علاقاتها مع الانسانية كافة والامة بصفة خاصة .. تقوم على السلم والتسامح والتعاون والتراحم و…مع نبذ الكراهية والحقد والعنف …ومؤمنة  بمبادئ السلام  التي هي جوهر الاسلام …

ان  الإيمان عندنا يفترض انه  يرتكز ويؤدي  إلى..
اولا  .. الانضباط لجوهر  الحديث النبوي الشريف : “و الله لا يومن، و الله لا يومن، قيل من يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه” و الجار  هنا غير مقيد لا بدرجة ونوع القرب المكاني ولا بجنسه هل هو ذكر او انثى ولا بعقيدته ومعتقده ولا بلونه ولا بلغته ولا بمستواه المادي ومركزه الاجتماعي … والجار يمتد من البيت الى الجماعات القبلية التي بالجوار الى الامة و مع الامم الاخرى والى الدولة مع غيرها من الدول …لان الله سبحانه وتعالى جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ونتعاون الخير والله هو الذي يحدد المتقي والصالح من غيره ..

…ومن هنا فالإيمان الحقيقي في الحديث اعلاه ينتفي ويتعطل  اذا مال مدعيه الى  ممارسة الإرهاب ضد  غير ه  من الناس  …والاشكال يعظم عندما نجد من يفترض فيهم نصح الناس وتعليمهم الاسلام والايمان الحق هم من ينبري لاباحة الارهاب واستغلال بساطة الناس لجعلهم وقودا للقتل والفتن …لاغراض لم يامر بها   الله و رسله وانبياؤه …

ثانيا ..البلورة السليمة لمقتضيات روح الحديث الشريف   :” كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه”..

وحديث “حدثنا مسدد قال حدثنا بشر قال حدثنا ابن عون عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال أي يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس بذي الحجة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه”

من المؤكد ان استعمال لفظ ” التحريم” في الحديث قطعي لايحتاج الى تفسير او تاويل لان نفس ودم ومال وعرض الافراد يرقى لدرجة التقديس الادبي الاخلاقي مما يفرض وجوبا وقطعا منع المساس بها جزءا وكلا …

…ان الإرهاب الذي يمارسه السياسويون    باسم الإسلام  يهدف الى  اقصاء  الآخر  بالتكفير او التشكيك في ايمان الغير  فيدفعون  بفتاوى ظلامية تعتمد اقصى درجات الترهيب اي القتل والاغتيال للافراد والجماعات احيانا دون تمييز ،…كما هو الشأن بالنسبة للشهداء امثال  عمر بنجلون…

بناء على هذا يمكن لنا أن  نصنفه الى ارهاب  مادي وفكري ونفسي ولفظي…

ان  الإسلام يامر المؤمنين بالابتعاد  عن كل اشكال  الغلو والتعصب والتشدد, و يمنع  العنف والإرهاب , ويدعو الى  الرفق والتراحم والتسامح بوضع منهج تجاوز ردود الافعال السلبية المغدية للانانية والانتقام .. قال  تعالي: ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم, وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم..”

…و قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: “إن الله رفيق يحب الرفق “وقال  ” إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه, ولا ينزع من شيء إلا شانه”

وقال  تعالي:”فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.”

إن للإرهاب  اثارا  خطيرة قد تمتد انعكاساته  و تداعياته  ماديا ومعنويا   لسنوات واحيانا لعقود وقرونفتحصد الأرواح و الأنفس وتدمر الممتلكات و تخرب اثار وماثر  لاتقدر بثمن وقد تنقرض حضارات ويصبح الخوف والرعب متحكما في كل شيئ .. فتنعدم الطمانينة والثقة والاستقرار اللازم للتطور والتقدم وتدور كل العجلات نحو التفكك والتشردم فتضعف  الأمة / الدولة ، وتبدد مكاسبها…فيتجرا علىها  من هب ودب من الاعداء والخصوم  كانوا من الداخل او الخارج فهم على نية واحدة مع اختلاف نوعها.. و الذين لايطمئنون الا باستمرار تخلفنا و  جهلنا وتحجرنا وانتشار الفتن بيننا …فما هكذا تراعى وتحترم المعتقدات السماوية ولا تربى الاجيال ولا تبنى الحضارة  التي وصفها الله بقوله “كنتم خير امة اخرجت للناس تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر ”   .. وما فكر ولاخطط ولاتعامل  الرسول الكريم (ص) الا بروح انه الرحمة المهداة من الله للناس كافة فاحترمه وقدره من عرفه وعاشره من مسلمين وغير مسلمين .. اليس هو  صلى الله عليه وسلم الذي قال بعد فتح مكة  -وليس غزوها  – مخاطبا من حاربه وقتل العديد من المسلمين والمسلمات الاوائل وهو في اوج قوته ونجاحه … : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن » وكان بردا وسلاما على من كان بمكة …

 

فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف ، وما لا يعطي على سواه » .

ان ظاهرة التطرف التي تنتج الارهاب تحتاج الى  تجديد الفهم للرسالة النبوية و للكتاب والسنة .. وحاجتنا للعلم والفقه الغاية منه هو صنع كبار الرجال لينهضوا بالعلم ويطوروا ويجددوا ويوسعوا مجالات الادراك والوعي وليس الاتباع التقليدي غير المدرك لجوهر وموضوع الاتباع  .. اما صغار الرجال كما قال احد المفكرين  لا يرفعهم العلم بل ينحدرون  به اذا لم يحترموا قدسيته وبهاءه  … ولصناعة الانسان  المسلم القادر على مواجهة تحديات مرحلته لابد  له من التكوين العلمي والعقلي و الادبي  ولابد  للعلم  ان يرتبط عنده بالاخلاق  والقيم النبيلة … ان الرسالة  العظيمة للاسلام تفرض علينا ان نعمل من اجل  تاهيل الانسان ليحمل رسالة العلم ويكون في مستوى حمل رسالة الاسلام …فكل جيل مؤتمن على عصره وعليه الاستفادة من تجارب السابقين وان يعتمد على خبرات  وتجارب عصره ومتطلباته …. فالنص هو هو  والانسان والخصوصيات والمعطيات  تتغير باستمرار   والملاءمة  يجب ان تتحقق وتتم  بالتجديد الديني المعاصر وبتحديث اليات اكتساب الفهم الملائم لكل قضية ومسالة في كل مرحلة وحقبة   …  وفي هذا السياق  قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم: : إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها … كل هذا حتى تكون هناك قيادة للناس  قادرة دائما  على السير نحو الافضل لهم في راهنهم ومستقبلهم تدفع باللتي هي احسن حتى نكون كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى»وقال: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»

وقال  صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ))

وقال: (( من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ))…/…