كسر الخاطر : «إرهاب القرب» وقرصه الصلب!

عبد الحميد جماهري

 

يوم أمس تزامن تخليد الذكرى 11 لأول دعوة دموية للمغرب للدخول للنادي الدولي لضحايا الإرهاب. مع ذكرى تأسيس جهاز الأمن الوطني.
في مثل هذا اليوم، كنا مصدومين، بعد أن استيقظنا على أشلائنا في الجيران وبين القبور، وفي شاشات التلفزيون!
كنا لا نصدق بأن شبابا مغاربة فرغوا فينا كبتهم وشحناتهم التكفيرية وغضبهم وتدينهم الخام، المصهور في كهوف الشرق البعيدة وفي شاشات الدردشة المكيفة في مقاهي السبرنيتيقا!
في كل جثة كانت هناك رسالة.
هي رسالة، لا شك أنها التقطت في حينها من طرف كل المهتمين «بسيميولوجيا» التزامن، بين الأمن.. وبين الذكرى، في تحوير لكلمات أغنية الست أم كلثوم.
والذي يهم الآن هو المسافة التي قطعناها، كبلد وعموما وكأجهزة وكيانات سياسية، منذ ذلك اليوم الصعب في حياتنا، الذي شكل فطاما حقيقيا في الاستثناء المغربي، الذي مجدناه طويلا.
التلغيم بدأ، في عقول هؤلاء، وغيرهم ،عندما تم تثبيت الكاربون 14 قرنا في أذهانهم، وتم تحميل المادة الرمادية أصابع الديناميت التكفيري، قبل تحول الجثث الى شظايا في الاماكن التي كان عليهم فيها أن يفتتوا أجساد الآخرين.
فأين أصبحت الدعوات التكفيرية التي أنتجت الانتحاريين المبرمجين، من كل عواصم العالم:باكستان، أفغانستان، الخليج، الخارج.. ومن عاصمة الألم .. سيدي مومن؟
لا أحد يمكنه أن يغامر بالقول إن المحيط المحافظ والمتطرف يتراجع أو يلين.لا أحد يمكنه أن يقول إن الإسمنت الفكري للإرهاب قد تحلل، وأنه بالفعل يتفكك. العكس هو الصحيح.
1 – فالملاحظ هو أن المحيط الفكري والإيديولوجي والنفسي يتقوى، والنزعة المحافظة، التي تمهد الطريق الى الانكفاء التكفيري في تزايد ، وبشدة وحدة غير مسبوقة ( دعوات التكفير ).
2 – البنية الجغرافية للإرهاب أصبحت أكثر قربا من بلادنا منها في 2003. فالخلية الأم، أو الخلية الحاضنة لخلايانا النائمة ،كانت توجد على بعد آلاف الكيلومترات، في جبال تورابورا وفي كابول، وأقل بعدا في عراق ما بعد سقوط 2003. وهي اليوم تعيش في جوار ترابي متاخم لنا، في الساحل ، والصحراء بالتحديد.
وهو «إرهاب القرب» يشكل تحولا في الجوار الصعب للمغرب.
والمدة الزمنية التي تفصلنا عن ضربات 16 ماي، تكشف لنا أيضا :
3 – القدرة الدينية، العقدية والتدبيرية على تدبير ما بعد الثورات، كما يتضح من حرص العديد من الدول على استيراد التجربة المغربية (تونس كمثال ) وفي تدبير الاستباق العقدي (من العقيدة)، مع المهاجرين وتطوير الفكر التكفيري لدى أبنائنا (بلجيكا)، فإن المجهودات في الداخل مازالت تتميز بغير قليل من التعثر ، وفي ذلك تعتور التدبير الديني للتطرف نقطتا نقص كبيرتان:
– الإصرار من لدن بعض منظري التيارات السياسية الدينية على التقليل ، وأحيانا التبخيس الممنهج لمحيط إمارة المؤمنين،( العلماء، المؤطرون الدينيون وعلماء السلطان بلغة أحمد الريسوني) ، وإلقاء ظلال الريبة على غير المتخندقين في تيار الإسلام الحزبي.
– عدم تفكيك« القرص الصلب» للفكر المتطرف، والحالم بعودة الخلف الصالح وإقامة دولة الراشدين، وتدمير البناء المادي للحضارة وتطهير الأمة من تأثيرات الغرب والحضارات البشرية منذ بداية الخليقة. ونقصد بذلك الدعوات الى الحاكمية، وإلى بناء دولة الخلافة وتطبيق الشريعة وإقامة الحدود .. الخ. ولم نقم بما يكفي، ككيان قبل أن نتحدث عن أجهزة الأمة، بما يجب لكي يستقر في الأذهان إسلام الأنوار، ويختفي منها تقسيم العالم إلى فسطاطين: واحد للكفر وآخر للإيمان.. وتكفير كل أشكال الحداثة الفكرية منها والمادية..
4 – استطاع المغرب، على مستوى الواجهة الدولية، أن يربط بين الاستقرار في المنطقة (الساحل وجنوب الصحراء) وبين استقرار بلادنا في صحرائها الوطنية، وهو تحول كبير كشف عنه القرار الأممي الأخير بخصوص الصحراء.
ويبدو أن عليه أن يقنع المزيد من دول الجوار والعواصم الحاسمة دوليا، بالربط بين الإرهاب وبين الانفصال، وتقديم الجواب النهائي المناسب لهكذا ربط. فمازالت قضية الإرهاب رهانا استراتيجيا تشتغل عليه دولة الجوار، من أجل أن تحصر بلادنا في زاوية ضيقة ، خدمة لتحالف استراتيجي يخدم مصلحتها..
خاصة وأن التجربة الأمنية المغربية أصبحت قائمة ومطلوبة، وهو ما كانت دولة الجوار تدعيه بعد تجربة 10 سنوات من الحرب الأهلية، وبمعنى آخر كانت تستخدم التجربة في الارهاب لدعم الانفصال. والمغرب مطالب بفك الارتباط بينهما، كما يقتضي المنطق.

عن جريدة .ا.ش

17 ماي 2014