المؤرخ المغربي محمد المغراوي لـ «لاتحاد الاشتراكي» … لا يمكن الحديث عن اكتساح الـتشيع للمجتمع المغربي

حاوره : محمود عبد الغني

عن جريدة .ا.ش

17 ماي 2014

 

محمد المغراوي أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب بالرباط. حاصل على دكتوراه الدولة في التاريخ الوسيط ((2002 . مهتم بالتاريخ الثقافي والاجتماعي والديني، صدر له كتاب : «الموحدون وأزمات المجتمع»، دار جذور للنشر، الرباط، 2007 . مسؤول «فريق البحث حول الشأن الديني» بكلية الآداب بالرباط. نشر عدة بحوث حول تاريخ المذاهب بالمغرب منها على سبيل المثال: الأشعرية بالمغرب في عصر المرابطين، المذهب الظاهري في العصر الموحدي، صمود المذهب المالكي في عصر الموحدين، من الزهد إلى التصوف بالمغرب الوسيط. حرر الفصل المتعلق بالتحولات الدينية والثقافية بالمغرب الوسيط، ضمن كتاب تاريخ المغرب الذي أصدره المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب.

{ بداية أستاذ المغراوي كيف كانت بدايات التغلغل الشيعي في المغرب المعاصر ؟ وما هي أسباب ذلك ؟

> يمكن الحديث عن ظاهرة تعاطي المغاربة مع الشأن الشيعي في مستويين : الأول وهو مستوى التعاطف مع الثورة الإسلامية الإيرانية منذ بداية الثمانينيات، عند قطاع عريض من المغاربة آنذاك، غير أن الأمر ظل في حدود الموقف السياسي الصرف الذي يمكن فهمه في سياق انخراط المغاربة في تبني قضايا العرب والمسلمين ومختلف القضايا الإنسانية العادلة والتعاطف معها، دون أن يصل الأمر إلى حد اعتناق المذهب الشيعي إلا في إطار محدود جدا.
أما المستوى الثاني فيتعلق بظاهرة التحول إلى المذهب الشيعي والتي أحاطت بها عدة ملابسات : فإضافة إلى التأثيرات المبكرة المحدودة لما بعد الثورة الإيرانية، هناك الدور الحاسم لبعض الطلبة الذين درسوا بالخارج وخاصة ببلجيكا، وغيرهم ممن تبنوا الفكر الشيعي في أوربا تحت تأثير دعاة لبنانيين وعراقيين وسوريين، ممن يشتغلون ضمن الآلة الدعوية الإيرانية النشيطة والمتمرسة. وأذكر هنا أن حادثة حصلت في بروكسيل كان لها أثر بالغ في استهداف الدعاية الشيعية الإيرانية للمغاربة، وذلك إبان الحرب العراقية الإيرانية، حينما أرسلت إيران بعض جنودها للعلاج في بلجيكا جراء إصابتهم بالأسلحة الكيماوية التي كان العراق يستعملها في حربه ضد إيران، وبعد وفاة بعضهم رفض أغلب أئمة مساجد بروكسيل الصلاة عليهم من خلفية سلفية طبعا، إلا إماما مغربيا أصله من طنجة يدعى الشيخ الودراسي، فاستغل الإيرانيون هذا التعاطف مباشرة، وبعد مدة يسيرة أعلن الشيخ الودراسي تشيعه وصار بذلك أول إمام شيعي مغربي، ونظرا لمكانته في صفوف المترددين على المسجد الذي يؤم فيه فقد أدى تشيعه إلى تشيع العديد من أتباعه، وحاليا هناك في بروكسيل عدد لا بأس به من الأئمة المغاربة الشيعة. وهذا النشاط تحديدا كان له تأثير مباشر على التحول الى المذهب الشيعي في المغرب وخاصة بمدن الشمال.
ثم جاءت في مطلع الألفية الجديدة موجة التعاطف القوية مع حزب الله اللبناني في صراعه ضد الكيان الصهيوني، والتي ترجمت إعجاب المغاربة بجرأة الحزب وجسارته وصموده، ولابد من الإشارة هنا إلى أن تأثير هذه المرحلة لم يقتصر على المغرب بل عم العديد من الدول العربية.
والنتيجة التي تمخضت عن هذه المسار التطوري الذي استغرق عدة عقود هو ظهور جيل من الشيعة المغاربة يتركزون في بعض المدن الكبرى مثل طنجة ومكناس، لكنهم يتوزعون بأعداد قليلة في مختلف الجهات، لكن لحد الآن لا يمكن الحديث عن اكتساح التشيع للمجتمع المغربي، ولم نصل بعد إلى ما وصلت إليه بعض الدول مثل الجزائر وتونس ومصر والسودان وسوريا. وفي غياب أية معطيات إحصائية ذات مصداقية لا يمكننا الحديث عن عدد محدد للشيعة المغاربة رغم نشر بعض الأعداد في الصحافة المغربية في مناسبات مختلفة.

{ هناك من يتحدث عن وجود قديم للتشيع في المغرب فما حقيقة ذلك ؟

> في تاريخ المغرب الوسيط يمكن أن نقف عند عدة محطات تاريخية لها علاقة بالتشيع صراحة أو ضمنا أو تأويلا : أولها ما يتعلق بقدوم المولى إدريس بن عبد الله الكامل من المشرق بعد المذبحة العباسية الرهيبة في موقعة فخ سنة 169 ه والتي ذهب ضحيتها عدد من كبار شخصيات آل البيت. ورغم أننا لا نعثر في تاريخ المولى إدريس على ما يوحي بتشيعه غير أن اعتبار بعض المصادر الزيدية في اليمن للمولى إدريس كإمام من أئمة الزيدية، وكذا وصف بعض المصادر القديمة مثل المقدسي لآل إدريس بالشيعة دفع بعض الباحثين إلى المجازفة بنسبة الأدارسة إلى التشيع بنوع من اليقين.
المحطة الثانية هي تأسيس إمارة شيعية في سوس الأقصى وتحديدا بمدينة إيجلي قاعدة الأمير الإدريسي عبد الله بن إدريس الأزهر الذي وفد على أحد أحفاده داعية شيعي يدعى عبد الله بن ورصند البجلي من أهل قسطيلية بالجنوب التونسي، واستطاع أن يحظى بثقة الأمير الإدريسي وبولاء السكان فتكونت طائفة شيعية مغربية تدعى الشيعة البجلية، وكان ذلك في حدود أواخر القرن الثالث الهجري قبل تأسيس الدولة الفاطمية، وظل الصراع بين شيعة سوس ومالكيتها إلى أن تمكن المرابطون من القضاء على التشيع نهائيا ووحدوا المغرب على أساس المذهب المالكي. ويذكر الرحالة العراقي ابن حوقل الذي زار المغرب في حدود سنة 350 ه أن الصلاة كانت تقام مرتين بمسجد تارودانت، حيث يقيم المالكية صلاتهم، ثم يفسحون المجال للشيعة، وأشار أيضا إلى أن الحروب والصراعات بينهم كانت مستمرة.
أما المحطة الثالثة فهي مبايعة عبيد الله المهدي الشيعي مؤسس الدولة الفاطمية بسجلماسة التي كان مسجونا بها على أيدي أمرائها الصفريين، غير أنه غادرها مباشرة ليقيم دولته بتونس انطلاقا من رقادة ثم المهدية فيما بعد بدعم من طرف قبيلة كتامة الصنهاجية القوية التي ظلت أكبر سند للفاطميين.
ورغم المغادرة السريعة لعبيد الله المهدي نحو إفريقية فإن رغبة الفاطميين في إخضاع المغرب ظلت قائمة، وقد دفعت الخلافة الفاطمية بجيوش جرارة نحو المغرب في حملات متعددة، وخاضت حروبا طاحنة ضد الأدارسة وأمويي الأندلس، فكانت أول حملة لغزو المغرب بقيادة مصالة بن حبوس الكتامي سنة 305هـ، الذي تمكن من إلحاق هزيمة ماحقة بجيش الأمير الإدريسي يحيى الرابع (ت 310ه) قرب مكناسة الزيتون، ثم صالحه على أداء فدية وعلى مبايعة عبيد الله المهدي الفاطمي. وغادر مصالة المغرب سنة 307هـ بعد أن عين موسى بن أبي العافية المكناسي أميرا على مناطق تازة وتسول، وتكرر غزو الفاطميين للمغرب سنة 309ه، وفي عهد الأمير الإدريسي الحسن بن القاسم كنون شن الفاطميون حملة قوية على المغرب سنة 347ه بقيادة جوهر الصقلي الذي الذي استولى على تاهرت وسجلماسة واقتحم فاس. ولما كان الحسن يعادي أمويي الأندلس فقد سارع إلى توجيه ولائه السياسي للفاطميين، لكن الأمويين هزموه ونفوه إلى الأندلس فظل بها إلى سنة 365ه، ثم سمح له بالالتحاق بالمشرق، فحل بمصر واستنجد بالخليفة الفاطمي العزيز لاسترداد ملكه. فوجهه إلى عامل إفريقية بلكين بن زيري وأمده بجيش توجه به إلى المغرب لاسترداد إمارته، لكن الحاجب المنصور بن أبي عامر الذي كان الأمر قد آل إليه سرح إليه جيشا أندلسيا، فالتمس الحسن الرجوع إلى الأندلس، غير أن المنصور بعث من اغتاله سنة 375ه فانتهت بموته دولة الأدارسة.
وقد كان من نتائج الغزو الفاطمي خراب عدة مدن في الشمال منها مدينة البصرة الواقعة قرب وزان، لكن هذا الغزو مع ذلك لم ينجح في إخضاع بعض مناطق المغرب إلا مؤقتا، ولم يتمكن من نشر التشيع حتى في صفوف قبيلة كتامة التي ظلت بعض فروعها بشمال المغرب في الريف وجبالة على سنيتها إلى اليوم.
من جانب آخر لا نقف على ما يؤكد أن الأمراء الأدارسة قد اتخذوا التشيع مذهبا، كما لا نتوفر على أية إشارة لوجود فقهاء على المذهب الشيعي خلال العصر الإدريسي كله، بل كل الفقهاء الذين أشارت إليهم المصادر كانوا مالكيين وأشهرهم عامر بن محمد القيسي الذي هاجر إلى فاس في عهد إدريس الأزهر ضمن الهجرة القيروانية الشهيرة فعينه المولى إدريس قاضيا بفاس، وكان قد رحل إلى المدينة المنورة وأخذ عن الإمام مالك. من هنا فإن التتبع الدقيق لمختلف أخبار وتراجم العصر الإدريسي ينسف بشكل مباشر القول بتشيع الأدارسة الذي يظل رغم تردده لدى بعض الباحثين مجرد تخمين لا يدعمه أي دليل تاريخي.
وهناك محطة أخرى تتعلق بلجوء شخص من مصر ادعى أنه ابن آخر الخلفاء الفاطميين بالقاهرة وهو الخليفة العاضد، وقدم نفسه لقبائل غمارة فبايعوه، لكن تدخل الجيش الموحدي أفشل دعوته. ومنذ ذلك الحين لم يعد ذكر التشيع يتردد في التاريخ المغربي.
ولابد هنا من التذكير ببعض المظاهر التي تعكس ولاء المغاربة لآل البيت، مثل تسميات فاطمة الزهراء وعلي والحسن والحسين وزينب وإدريس بشكل كبير، إضافة إلى بعض الطقوس الخاصة في عاشوراء، مثل التصدق بالماء في صبيحتها للتذكير بمنع الماء عن الإمام الحسين رضي الله عنه بعد محاصرته من طرف جيش الأمويين، وإشعال النيران والقفز عليها كنوع من استدعاء مشهد الحرب التي قتل فيها الإمام الحسين ومن معه. وقد حلل هذه المظاهر تحليلا ضافيا الدكتور عباس الجراري في بحث له بعنوان عاشوراء عند المغاربة. إضافة إلى طقوس الزيارة لأضرحة المولى إدريس الأكبر والأزهر، وغيرهما من الأولياء الأشراف مثل مولاي عبد السلام بن مشيش وغيره، وحتى قوس قزح يسميه المغاربة بحزام للا فاطمة الزهراء. وما نستنتجه من كل هذا هو أن ولاء المغاربة لآ البيت ظل قويا ومستمرا في جميع مراحل التاريخ، دون أن يكون له أي تعبير عقدي شيعي.

{ هل يمكن لترويج هذا المذهب أن ينجح في بلد تبنى ملوكه ومواطنوه منذ القدم السنة على مستوى العقيدة والسلوك ؟

> لا يمكن لأي إيديولوجية أو مذهب طارئ أن يحدث تحولا كاملا في الهوية الثقافية للمغاربة وطبيعة تدينهم الذي طبع بالعمق والبساطة والنزعة العملية منذ إسلام القبائل الأمازيغية الأولى إبان الفتح الإسلامي سنة 64 ه، ورغم التنوع المذهبي الذي عرفه المجتمع المغربي، حيث نشطت فيه المذاهب الخارجية والنحلة البرغواطية، فإن أغلب القبائل المغربية ظلت وفية للإسلام السني، وتلاشى المذهب الخارجي تلقائيا، وحصل تحول جزئي لدى البرغواطيين إلى المذهب السني قبل أن يقضي عليهم المرابطون.
في الواقع فإن النشاط المذهبي الشيعي وغيره قد ينجح في إحداث بعض الاختراقات، وهذا في حد ذاته أمر قد تكون له تداعيات سلبية على التماسك المجتمعي، بالنظر إلى المحتوى الفكري والإيديولوجي للتشيع الذي يتم التركيز فيه بالأساس على عناصر الاختلاف مع أهل السنة، بينما تحرص فئة قليلة من المعتدلين من أهل السنة ومن الشيعة أيضا على إبراز نقط الالتقاء وهي كثيرة، وذلك ضدا على السياق العام للحركية المذهبية في العالم الإسلامي التي تسير للأسف في اتجاه تأجيج الصراع بين الشيعة والسنة حيث الكلمة الحاسمة هي للمتطرفين من المذهبين على حد سواء، بل إننا بدانا في السنوات الأخيرة نلاحظ انبثاق صراع جديد بين الإباضية والسلفيين في الجزائر مثلا.
من النتائج الطبيعية للاختراق المذهبي أيضا أنه قد يؤدي إلى شيء من الاحتقان الطائفي، خاصة وأن الفكر الشيعي الذي يشتغل في المغرب يعتبر أهل السنة «نواصب»، أي معادين لأهل البيت، وهذا في حد ذاته مغالطة إيديولوجية خطيرة تزيد من التباعد الفكري والعاطفي بين الشيعة والسنة، وللأسف فإن الدعوة الشيعية تركز بالأساس على هذه المسألة وتعتبرها محورية، كما تؤكد على ما يفرق بين الشيعة والسنة بهدف إحداث التميز أو الشرخ الطائفي الذي يؤدي إلى تسريع وتيرة الدعوة على أساس مظلومية آل البيت التي تسببت فيها – حسب تحليلهم دائما – شخصيات يعتبرها أهل السنة ذات قداسة خاصة مثل كبار الصحابة، لذلك نجد مثلا من الأسماء الأكثر قبولا بين الشيعة المغاربة اسم الداعية ياسر الحبيب الذي يتبنى مواقف متعصبة جدا ضد الصحابة وأمهات المؤمنين خاصة عائشة رضي الله عنها.
إضافة إلى هذا نقف أمام تناقضات تزداد اتساعا بين الطرفين، فالشيعة الذين يسمون أهل السنة «العامة» ويجعلونهم مسؤولين عن جميع ما حل بأهل البيت من ظلم واضطهاد، يعتبرونهم بالنتيجة «نواصب»، يجدون في فقههم ما يغذي هذا العداء، حيث ينص فقهاؤهم على أن أهل السنة أنجس من اليهود والنصارى، بل يذهب البعض إلى وصفهم بالحيوانات. وفتاواهم في ذلك مشهورة وصادمة، لكن بعض دعاتهم يتحايلون على هذا التراث بمقتضى التقية والتي تعني ببساطة إنكار أو تأويل هذه المعطيات والتملص منها ظاهريا فقط.
ومن زاوية أخرى يسعى متطرفو أهل السنة من السلفيين الوهابيين إلى تجييش عواطف المسلمين ضد الشيعة بطريقة فجة تصل إلى مستوى التكفير، وأكثرهم اعتدالا يصرح بكفر علماء الشيعة وضلال عامتهم. وكل هذا يدل بوضوح على أن الاصطفاف الطائفي يزداد توترا وأن ملامح المستقبل في علاقة الشيعة بالسنة تنذر بتحولات قد تكون كارثية، خاصة أمام تصاعد اليقين لدى الشيعة بقرب ظهور الإمام المهدي الذي يعتقدون أنه سيظهر لينتقم من العرب، وتنص مصادرهم على تفاصيل أسماء أعداء الإمام المهدي الذين سيكونون هدفا لانتقامه مثل : «قبائل كلاب، وبني ضبّة وباهلة، والأزد وبني اُميّة وقريش والعرب، وأهل أرمينيّة، وأهل مكّة، وأهل المدينة، والشام، إضافة إلى مناطق يعتبر أهلها اليوم من الشيعة مثل : الكوفة والبصرة، والريّ (قرب طهران)»، وذلك حسب بعض مصادرهم كبحار الأنوار للمجلسي. وقد صرح أحد علماء الشيعة مؤخرا وهو جلال الدين الصغير بأن الإمام المهدي سيحارب الأكراد أيضا وعشائر الدليم والجبور والشمر، وهي من كبريات عشائر العراق السنية اليوم وسينتصر عليهم. مما أثار ردود فعل مختلفة. كل هذا يؤكد أن تأجيج العداء المذهبي يتفاعل بوتيرة متصاعدة، وكل هذا نلمس مظاهره عند المتشيعين المغاربة أو المستبصرين كما يطلقون على أنفسهم، الذين ينتقلون للأسف بمجرد تشيعهم من الانتماء إلى مجتمع إلى معاداته. ويمكن لهذا العداء الذي يستشري في العالم الإسلامي أن يتحول في حالة نضوج ظروفه الموضوعية إلى حرب مذهبية طاحنة تأتي على الشيعة والسنة وتعيد المسلمين عموما قرونا أخرى إلى الوراء.

{ يتوارث المغاربة أمور الدين في غياب وجود أي طائفية أو تعددية عقائدية، هل سيتحول المغرب إلى بلد تعددي عقائديا ؟

> يتوقف الأمر في هذا الموضوع على طبيعة وحيوية النشاط الدعوي الشيعي وغيره، فمجتمعنا المغربي كأي مجتمع عربي آخر غير محصن ضد الاختراق الطائفي والمذهبي والديني، بحكم اتساع قاعدة الشباب في المجتمع، وبحكم انتشار وسائل التواصل على نطاق واسع، وأيضا بحكم خاصية التفتح الثقافي لدى المغاربة، لذلك نرى تحولات دينية هائلة تسمح بالارتماء في أحضان مختلف الديانات والمذاهب والتنظيمات مثل الوهابية والتشيع والسلفية الجهادية والقاديانية (أو الأحمدية) والنصرانية وعبادة الشيطان، وأي نجاح لبعض هذه الاتجاهات أو كلها لن تكون نتائجه إيجابية إطلاقا، خاصة وأن حركيتها لا تعني مجرد اقتناع فكري أو تحول ديني ومذهبي شخصي بريء، بل في حالات كثيرة تقف أجندات دولية خاصة وراء تشجيع هذه المذاهب، ودون أن نرتهن في تحليلنا لمنطق المؤامرة بالشكل المبسط، لابد أن نربط التحولات الدينية بسياقات التحولات السياسية الكبرى التي يعرفها العالم، وكلنا يعلم حجم الإمكانيات والبرامج التي تقف وراء النشاط المذهبي والتبشيري في العالم والأهداف المتوخاة منه.
لا شك أن الاختراق المذهبي يصبح فاعلا أكثر إذا كانت له أهداف محددة، وتقف خلفه جهات داعمة، ويتحرك من أجله على أرض الواقع دعاة نشيطون، وكل هذه العناصر متوفرة فيما يتعلق بالمذاهب والأديان التي تمارس اختراقا تدريجيا في المجتمع المغربي. ورغم هذا فلا نعتقد بإمكانية هذه التحركات على التحول بالمجتمع المغربي إلى التشيع أو إلى مذهب أو دين آخر، بل نتيجتها الطبيعية هي انقسام المجتمع على نفسه وظهور جزر مذهبية تتحول بالتدريج إلى أقليات طائفية قد تتسبب في إحداث صراع مذهبي ينتج عنه شرخ اجتماعي يفرض بالتالي أنماطا جديدة من العلاقات بين المغاربة على المستوى القانوني والاجتماعي والنفسي.
لذلك تظل استراتيجية تقوية المناعة الذاتية للمجتمع المغربي أمرا لا مفر منه، وهذا يتطلب موقفا وطنيا جادا ومسؤولا، وانخراط مختلف الفاعلين في المجال الثقافي والتعليمي والديني والسياسي. ويبدو أن مفهوم الأمن الديني كما عبرت عنه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قد يكون منطلقا لاستراتيجية بعيدة المدى في هذا الاتجاه.

{ هل يمكن الحديث عن تنظيم شيعي مغربي؟

> لحد الآن لم نسمع عن جماعات شيعية بالمعنى الحركي، سوى «الاتحاد الشيعي المغربي : الخط الرسالي بالمغرب» الذي أصدر بيانا حول الأوضاع في سوريا في يناير الماضي. ولا ندري هل هو كيان فعلي أم حالة افتراضية. كما أنه قد صدر في خضم موجة التعاطف المتصاعدة مع حزب الله بعد 2006 العدد الأول من صحيفة «رؤى معاصرة» سنة 2008 كأول صحيفة شيعية مغربية، ووزع منه سبعة آلاف نسخة، ثم توقفت سريعا. كما نشير إلى تعثر تأسيس جمعيات ثقافية شيعية إحداها كانت ستسمى «الغدير»، ولاحظ المتتبعون أيضا ظهور موقع إلكتروني عرف بهيئة شيعة طنجة، لكنه ما لبث أن تحول إلى «هيئة الإمام محمد الشيرازي»، في أبريل 2012 .
كل هذه التحركات تعني أن هناك محاولات مستمرة للتعبير عن وجود الشيعة المغاربة، لكن الحملة التي أعقبت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران إضافة إلى تدهور سمعة إيران وحزب الله في المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة بسبب موقفهما في سوريا أثرا سلبا على النشاط الشيعي بالمغرب بصفة عامة. وعموما هناك حاليا في المغرب أسماء شيعية معروفة في مجال الكتابة والصحافة، بل وصلت بعض تداعيات النشاط الشيعي إلى القضاء خاصة ما يتعلق بقضية الحمل الناتج عن زواج المتعة بين بعض الشباب والشابات المتشيعين، ومحاولة تملص الشباب الشيعي من مسؤوليته، الشيء الذي شكل في حينه صدمة قوية.

{ هل للقنوات الفضائية دور في نشر التشيّع بالمغرب ؟

> تعتمد الدعوة إلى التشيع على وسائل متعددة، تتراوح بين نشر الكتب والمجلات الفكرية والثقافية والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية، فضلا عن الدعوة الفردية سواء المباشرة أو عبر الأنترنت، وتستفيد بعض الوسائل من أجواء الحرية الصحافية التي يعرفها المغرب، فهناك مثلا حضور واضح في سوق الكتاب للمؤلفات الشيعية رغم التضييق الذي تم عليها سنة 2009، لكن عددا كبيرا من المجلات الفكرية والثقافية الشيعة ظلت تدخل إلى المغرب بانتظام مثل : الكلمة، الكلمة الطيبة، قضايا إسلامية، المنهاج، البصائر، المحجة، فقه أهل البيت، الغدير، النور، وغيرها.
وتختلف هذه الأساليب في نجاعتها، لكن الدعوة الفردية بالوسائل المختلفة تظل هي الأكثر تأثيرا. وبالفعل فإن القنوات الشيعية الإخبارية مثل العالم والمنار، أو الدعوية مثل الكوثر والأنوار والفرات وكربلاء وغيرها التي تعد بالعشرات تستقطب اهتماما متزايدا ليس في المغرب فحسب، بل في العالم العربي كله. وتعكس كثير من النقاشات في مواقع التواصل الاجتماعي التأثير البالغ لهذه القنوات من خلال طبيعة المواضيع المطروحة. أما التأثير المباشر وطبيعته على المتلقي المغربي واختبار مدى التفاعل فهذا أمر لا يفيد فيه إلا البحث الاجتماعي الميداني، لكن للأسف لا نرى رصدا أكاديميا مستمرا لهذه الظواهر.
من جانب آخر، يبدو للطقوس الغرائبية التي تميز احتفالات الشيعة بمناسباتهم الدينية تأثير معين على فئات محددة، ورغم أن المجتمع المغربي في طريقه نحو تقليل الاهتمام بطقوس شذخ الرؤوس وإيذاء البدن بالسكاكين التي عرفت بها الطائفة العيساوية، غير أن هذه الطقوس قد تعود مع المسيرات الكربلائية في حالة ما إذا تصاعد المد الشيعي مستقبلا واستطاع أن يخرج للعلن.