العرب والمسألة الدينية

الخميس, 15 مايو 2014

بقلم  محمد محفوظ

على المستوى الأيدلوجي والمعرفي في العالم العربي، ثمة نقاش حقيقي وجدّي حول موقع الدين في الحياة العامة.. والذي يثير هذا النقاش ويعطيه طابع الجدية والحيوية هو وجود مجموعات بشرية في الحياة العامة العربية والإسلامية، تحمل شعار ومشروع الإسلام، وترتب مواقفها من الآخرين على ضوء بعدها أو قربها من الالتزام بالإسلام..

 

 

 

 

 

 

 

والمقصود بالالتزام هنا تبني المشروع السياسي والحركي لهذه الجماعات.. ومن الأهمية في هذا السياق أن نفرق بين الإسلام كدين وتشريعات سماوية، وهو كدين يدين به كل العرب إما اعتقادا أو ثقافة.. بمعنى أن الإنسان العربي المسلم، لا يمكن إخراجه من ربقة الإسلام، حتى لو لم يكن مؤمنا بالمشروع السياسي للإسلاميين.. كما أن المسيحيين العرب هم على المستوى الثقافي والحضاري مسلمون.. لذلك نتمكن من القول: إن كل العرب من المسلمين على النحوين المذكورين أعلاه.. وفي المقابل أو من ضمن هؤلاء ثمة وجودات متمايزة على مستوى القول والفعل تتبنى رؤية خاصة بالإسلام وتبني مشروعا سياسيا على ضوء مرجعية الإسلام..

 

 

 

 

 

 

فليس كل المسلمين من جماعات الإسلام السياسي.. ولا يمكن أن تقوم جماعات الإسلام السياسي من سلب الإسلام من كل العرب والمسلمين..

 

 

 

 

 

 

إننا نعتقد أن هذا التفريق المعرفي والاجتماعي ضروري على المستوى المنهجي والإجرائي، حتى لا يتحول الإسلام كدين إلى موضوع للمزايدة أو التراشق السياسي والاجتماعي والذي يساهم في إيجاد حالة الارتباك، وبعض الاحتكاك في هذا السياق هو أن بنية المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكن أن تستغني عن الدين وقيمه في حياتها المختلفة. ولكن في ذات الوقت الذي نقر بأنه لا يمكن الاستغناء عن الدين ومبادئه في حياة العرب والمسلمين، وفي ذات الوقت نرى أن حضور الجماعات الإسلامية في الدولة انطلاقا من مشروعها الأيدلوجي والسياسي، أبان عن انقسامات عميقة في واقع الاجتماع العربي والإسلامي؛ لأن الجماعات الأيدلوجية بصرف النظر عن طبيعة وجوهر هذه الأيدلوجيا، هي نزاعة إلى استخدام مقدرات الدولة والسلطة لتعميم أيدلوجيتها وإدخال الآخرين المختلفين والمغايرين فيها.

 

 

 

 

 

 

ولكون هذه الجماعات وصلت إلى السلطة، فإنها استخدمت كل مقدرات الدولة والسلطة لتعميم أيدلوجيتها. وهذا بطبيعة الحال يقتضي الاندفاع باتجاه الهيمنة على كل المواقع والمناصب السيادية والسياسية، حتى يتسنى لها تنفيذ أجندتها الأيدلوجية، ومن جهة أخرى حتى لا يتمكن الخصوم من العودة إلى الدولة والسيطرة عليها مجددا.

 

 

 

 

 

 

وهذه الاستراتيجية ستفرض على الجماعات الإسلامية تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة في تحمل المسؤوليات الوطنية الكبرى، ما يفضي إلى ارتكاب أخطاء وخطايا تزيد من اللاثقة بين مجموع القوى والمكونات السياسية وهذا بدوره يفضي إلى المزيد من تشبث أهل السلطة الجديدة بسلطتهم في ظل واقع سياسي واجتماعي واقتصادي، يتطلب معالجات وحلولا سريعة، لا تمتلك هذه الجماعات القدرة على إنجاز هذه الحلول. فتكون النتيجة الطبيعية نخبة أيدلوجية سياسية جديدة، تتمحور حول السلطة وتسعى إلى إدارتها، دون امتلاك كل مراكز القوى في هذه المؤسسة.

 

 

 

 

 

 

ومجتمع بكل فئاته ينتظر حلولا سحرية وسريعة لإخراجه من أزماته الأمنية والمعيشية والتنموية والسياسية والاقتصادية، وقوى سياسية شريكة للنخبة السياسية السائدة حديثا في مرحلة النضال السلبي، إلا أنها مستبعدة من شؤون الحكم والسلطة الجديدة.

 

 

 

 

 

 

ومع كل هذه القوى، ثمة قوى أخرى تنتمي إلى مؤسسات الدولة العميقة، تعمل بخبرتها ودهائها وارتباطاتها وتحالفاتها الداخلية والخارجية، لإيقاف عجلة التغيير والإصلاح. في ظل هذه الأوضاع المتداخلة والمتشابكة في كل شيء، تأتي خطايا الجماعات الأيدلوجية الحاكمة حديثا دون امتلاك كل أدوات الحكم الفعلي، لكي توفر الغطاء أو المناسبة للعمل على إعادة وإنتاج الأنظمة الشمولية الاستبدادية بأسماء جديدة ومسوغات لها ما يؤيدها في الواقع الشعبي، من جراء اندفاع الأمور صوب إما خيار الفوضى والآمال المحطمة والخلافات السياسية والأيدلوجية التي لا تنتهي بين أطراف القوى السياسية الجديدة، أو خيار الأمن وإخراج الدولة ومؤسساتها من الفوضى التي بدأت تبرز في كل هياكلها ومؤسساتها. ولا ريب أن تقديم الأمن على الحرية، يفضي على المستوى العملي إلى عودة النخب السياسية والأمنية السابقة لسدة الحكم بزخم شعبي لاقى الويلات من الفوضى وآثارها المختلفة.

 

 

 

 

 

 

من هنا فإننا نرى وعلى ضوء متغيرات الساحة المصرية وإخراج النخبة السياسية الجديدة بفعل نزعة الاستحواذ والخطايا الكبرى التي ارتكبتها النخبة السياسية الجديدة، أن هذه المتغيرات أنهت إلى حد بعيد إمكانية وصول جماعات إسلامية أيدلوجية إلى السلطة في العالم العربي مجددا.

 

 

 

 

 

 

وعلى كل حال من الضروري القول: إن المسألة الدينية بكل عناوينها وهواجسها، أضحت اليوم من المسائل المهمة والحيوية، والتي تحتاج إلى نقاشات عميقة ومستفيضة للوصول إلى توافقات أهلية حولها. وفي هذا الإطار نود التأكيد على النقاط التالية:

 

 

 

 

 

 

1- تعلمنا التجارب السياسية والمعرفية في الفضاء العربي أن الخيارات التي تؤسس إلى علاقة عدائية وصدامية ومتوحشة مع المسألة الدينية بكل عناوينها، لن تتمكن هذه الخيارات من انجاز مشروع النهضة والتقدم. فلا نهضة فعلية في كل البلدان الإسلامية في ظل خيار عدائي للدين وقيمه، لان هذا الخيار يؤسس لخلق المناخ والشروط الذاتية للاحتراب الداخلي بين فئات وشرائح المجتمع.

 

 

 

 

 

 

2- إن ترك الجماعات العنفية والتكفيرية تختطف الإسلام وتمارس أعمالها الإرهابية باسم الإسلام وتشريعاته، سيلقي بظله الثقيل على راهن العرب والمسلمين ومستقبلهم؛ لان ترك هذه الجماعات تمارس أفعالها الإرهابية والعنفية باسم الإسلام، سيخلق متواليات ثقافية واجتماعية خطيرة تهدد استقرار مجتمعاتنا وأمنها الذاتي والثقافي والحضاري.

 

 

 

 

 

 

3- إن ثروات الإسلام وكنوزه المعرفية والثقافية والإنسانية بحاجة باستمرار إلى جهود علمية لتظهيرها وإبرازها، حتى تتمكن الرؤى والمعالجات الإسلامية من مواكبة العصر والحضارة الحديثة، وتقديم إجابات نوعية على ضوء هدى الإسلام تفيد الانسان في راهنه ومستقبله.