تيارات الإسلام السياسي تلتقي في عدم الاعتراف بالدولة الوطنية

 

باحث كويتي يرى أن مصر لن تعرف حلا لمشكلاتها في ظل الإخوان المسلمين نظرا لأن الجماعة تنطلق

من تحليل حزبي للدين الإسلامي.

عن صحيفة العرب  [نُشر في 19/05/2014، العدد: 9563،

 

أبوظبي –

سلط الباحث الكويتي خليل حيدر علي الضوء في محاضرة له على ملامح وأسباب نشوء تيارات الإسلام السياسي في المجتمع العربي المعاصر، وجذورها في القرون الحديثة، وصراعها لخدمة أيدولوجياتها في المنطقة العربية.

نظّم “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية”، مساء يوم الأربعاء الموافق للرابع عشر من مايو 2014، محاضرة بعنوان “الإسلام السياسي: بين الفكر والواقع″، ألقاها الباحث الكويتي خليل علي حيدر، عضو جمعية الصحفيين الكويتية، ورابطة الأدباء، وعضو مجلس كلية الآداب في جامعة الكويت.

تناولت المحاضرة أسباب نمو ظاهرة الإسلام السياسي في المجتمع العربي المعاصر، وجذور الإسلام السياسي في القرون الحديثة، ولاسيما القرنين التاسع عشر والعشرين، ومرت باختصار شديد بتراث الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا. ثم تناولت جوانب من حركة الإخوان المسلمين وبعض الجماعات المنافسة لها كالجماعات السلفية وحزب التحرير وأحزاب التشيع السياسي وغيرها.

الإسلام السياسي

استعرض المحاضر مراحل نمو الإسلام السياسي وانتشاره بين عام 1928 وعام 2012، ويشمل ذلك العهد الملكي والناصري ومرحلة الرئيس السادات والرئيس مبارك، مع الإشارة إلى امتدادات الإسلام السياسي إلى بقية الدول العربية والمنطقة الخليجية، والتجربة السودانية وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 وغيرها. وتطرَّق الباحث إلى ملامح تنظيمات الإسلام السياسي في معظم الدول، كونها تعطي الأولوية لمسألة السلطة والوصول إليها، وتطبيق فكرها الخاص، كما أن تلك التنظيمات ترفض المنظومة السياسية والقانونية الغربية، ولا تعترف مبدئيا بالدولة الوطنية القُطرية، وتطرح بدلا منها “دولة الخلافة”، بالإضافة إلى أنها تولي الحزب والتنظيم اهتماما خاصا، وتقوم بعض أحزاب الإسلام السياسي على تشكيلات منظَّمة دقيقة ولجان متخصصة، وأيديولوجيا عبارة عن تحليل حزبي للدين الإسلامي ونهج خاص في فهم تاريخه وتعاليمه ونصوصه وتشريعاته.

على مدى السنوات القليلة الماضية أصبح الإسلام نقطة مرجعية مركزية لمجموعة واسعة من القوى السياسية وحركات المعارضة، وتم اعتماد مصطلح الإسلام السياسي من قبل العديد من الخبراء في العالم، من أجل تحديد وتوصيف هذا الظهور الذي لم يسبق له مثيل أو استخدام سابق للدين الإسلامي في مجال السياسة، وكان لابد من التمييز بين هذه الممارسات والقائمين عليها وإدراجها ضمن فئة تحمل علامة الإسلام.

وفي الوقت الذي ساهمت فيه ثورات الربيع العربي في مكاسب سياسية كبيرة للإسلاميين في مصر، تونس، وليبيا، لم يستطيعوا حتى الآن بلورة مشروعهم أمام الجماهير أو تطبيق شعاراتهم القديمة على أوضاع الناس في حياتهم الاجتماعية اليومية، وبالتالي من المرجح أن يكونوا قد خسروا الرهان وبات سقوطهم أمرا حتميا في الدول العربية، خاصة بعد أن نجح المصريون في إسقاط جماعة الإخوان المسلمين من الحكم خلال عام واحد بعد فشلها في إدارة البلاد.

ويتفق العديد من الباحثين في تعريفهم أن تيارات الإسلام السياسي هي “تلك الجماعات التي لا تقيم تمييزا في تصوراتها وممارساتها بين الدين والسياسة، وهي بهذا تقوم بتسييس الدين وتديين السياسة”، ولتنظيمات الإسلام السياسي في معظم الدول العديد من الملامح، لعل أبرزها ثلاثة أنواع :

-1 تعطي الأولوية لمسألة السلطة والوصول إليها وإقامة نظامها الخاص.

-2 ترفض المنظومة السياسية والقانونية الغربية، ولا تعترف مبدئيا بالدولة الوطنية، وتطرح بدلا عنها “دولة الخلافة” أو “النظام الإسلامي”.

-3 تولي الحزب والتنظيم اهتماما خاصا، وتقوم بعض أحزابها على تشكيلات منظمة دقيقة ولجان متخصصة، وأيديولوجيا عبارة عن تحليل حزبي للدين الإسلامي ونهج خاص في فهم تاريخه وتعاليمه ونصوصه وتشريعاته.

دولة وطنية أو خلافة إسلامية

لم تحقق تيارات الإسلام السياسي على أرض الواقع ما يمكن اعتباره نهضة عميقة شاملة، ولم تكن استجابة ناضجة للتحديات التنموية ومتطلبات تحديث المجتمع في العالم العربي، وقد أتيحت للإخوان خاصة فرص ثمينة في السودان ومصر لم ينجحوا فيها.

في هذ الصدد أشار حيدر إلى أنه على العرب حسم خياراتهم في حلم بناء الدولة بين “الدولة الوطنية” و”الوطن العربي الموحَّد” أو “الخلافة الإسلامية”، مؤكّدا أن مشروع الإسلام السياسي تلقى ضربة استراتيجية موجِعة في مصر بعد أن انتظر الفرصة التاريخية لأكثر من 80 عاما، ولكن لا يزال للإسلام السياسي عناصر قوة داخل العالمين العربي والإسلامي وخارجهما، ولن ينتهي مشروع الإسلام السياسي بهذه السهولة طبعاً، ولكنه تلقى بلا شك ضربة استراتيجية.

وفي ما يتعلق بجماعة “الإخوان المسلمين” قال إن هذا التنظيم “الأخطبوطي” لن ينتهي بهذه السهولة، ولكنَّ نهايته مرهونة بنجاح السلطة الحالية في تأسيس ديمقراطية حقيقية في مصر، وتحقيق طموحات المصريين التي حملتها شعارات ثورتي 25 يناير 2011، و30 يونيو 2013.

و طالب حيدر كل المصريين بالتحرك السريع، مؤكدا في السياق نفسه أن مصر لا يمكن أن ترى حلا لمشكلاتها في ظل الإسلام السياسي وجماعة “الإخوان المسلمين”، ولابد للشعب المصري أن يدرك أن مصير ثورته يعتمد على إنعاش الاقتصاد وعودة الإنتاج، لأن مصر الدولة الغنية لا يمكن أن تستمر على المعونات.

نموذج الإخوان

تناول الباحث جوانب من جماعة “الإخوان المسلمين” وبعض الجماعات المنافسة لها، كالجماعات السلفية، و”حزب التحرير”، وأحزاب التشيُّع السياسي، وغيرها. وكشف المحاضر عن ملامح أخرى لأحزاب الإسلام السياسي كالتماثل الفكري، والتكتل، والسرية، والتركيز على المناورة، وتعدُّد الخطاب، والتعامل مع الإسلام كأيديولوجيا.

وكشف المحاضر أن “الإسلام السياسي” بمنزلة حركة واسعة، محلية ودولية، متفاوتة في درجة الارتباط والتنظيم والتحزُّب، تضم في إطارها الفضفاض الكثير من الجماعات والأحزاب والجمعيات والمساجد والزعامات الدينية وغير ذلك، وتنتشر في العالمين العربي والإسلامي، وفي البلدان المتقدمة -أوروبا وأميركا وأستراليا وآسيا- والكثير من أقطار العالم الأخرى. وبرغم اختلاف رؤاها وتنوُّع أساليب عملها واستعدادها للانخراط في العنف والتطرف، فإن أغلبها يدعو إلى نموذج عقائدي من الدولة الإسلامية على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والقانوني تغلب عليه الشمولية. وقال إن ما يميز نشاط “الإسلام السياسي”، وينظِّم جماعاته هو العمل الحزبي الجماعي، الذي نجد أدق أشكاله وأعقدها في جماعة “الإخوان المسلمين”، حتى إنه قد تنشط في البلد الواحد تنظيمات لـ”الإخوان”.

ويؤمن “الإخوان” بأن بعض رجال الدعوة الأوائل قد أسسوا فقه العمل الجماعي، “فانخلعوا من الفردية، حيث اقتضى الأمر، وتكاتفوا، وعملوا عملا جماعيا، وأوضحوا في عدد من الفتاوى الواضحة الصريحة شرعية العمل الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما تسمى هذا العمل الجماعي بأسماء مختلفة، كالجماعة، والحزب، والكتلة وغير ذلك. وإذا كان العمل جماعيا فلابد أن يكون له قائد ورئيس، سواء سمِّي زعيما، أو مرشدا، أو رأس الحزب”.

ويخلص الباحث إلى إن الصراع مع تحديات الإسلام السياسي وتعقيداته يعتمد إلى حد بعيد على توعية شعوب العالم العربي، وخاصة بالارتقاء بمناهج الدراسة والثقافة الدينية السائدة، وبحث المجتمع في مختلف مؤسساته على التفاهم والتسامح وتجنب مشاعر الإقصاء وإلغاء الآخر، والنهوض بالحياة السياسية والاقتصادية بشكل عام، وهكذا فإن التصدي لمخاطر هذا التيار مسؤولية الشعوب بقدر ما هي مسؤولية الحكومات.