صندوق للديمقراطية:
رؤية غربية لاستعادة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط

عرض: محمد محمود السيد،باحث متخصص في الشئون العربية

واجهت إدارة أوباما موجةً واسعةً من الانتقادات لغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة في التعامل مع موجة الثورات العربية، حيث استمرت الإدارة الأمريكية في اتّباع ذات النهج الذي يعتمد على غض الطرف عن السياسات الداخلية للدول العربية، حتى وإن خالفت مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما دامت تراعي المصالح الأمريكية في المنطقة.
 
لذلك أقرّ العديد من المحللين أن التعاطي المتواضع والمرتبك من جانب الإدارة الأمريكية تجاه موجة الثورات العربية، والذي قادها إلى ارتكاب أخطاء استراتيجية في تعاملها مع دول الربيع العربي؛ قد أدى إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل غير مسبوق، وهو ما جعل منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية يجدون في عبارة “القيادة من الخلف” الوصف المناسب لسياسة أوباما تجاه المنطقة العربية في الوقت الراهن.
 
وفي هذا الإطار قدّم شادي حميد وبيتر ماندفيل، خبيرا السياسة الخارجية في مركز بروكينجز، في دراسة لهما بعنوان “إعادة الولايات المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط” بدورية “واشنطن كوراتلي Washington quarterly” التي يُصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أطروحة حول استراتيجية جديدة يمكن من خلالها أن تستعيد الولايات المتحدة نفوذها وبقوة في منطقة الشرق الأوسط، وكذا رؤية جدية للتعامل مع قضية الإصلاح السياسي في المنطقة.
 
مرتكزات النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط
 

يجادل حميد وماندفيل في بداية دراستهما بأن النفوذ الأمريكي لم يتلاشَ تمامًا من المنطقة العربية، وأن المرتكزات التي قام عليها النفوذ الأمريكي من الممكن أن تلعب دورًا بارزًا في استعادة ذلك النفوذ.
 
حيث يشير الكاتبان إلى تصريحات الإدارة الأمريكية إبان ثورتي مصر وتونس، والتي أكدت على عدم تورط الولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال في هذه الموجة من الاحتجاجات. ولم يصاحب هذه التصريحات خطوات جدية نحو دعم عملية التحول الديمقراطي في هذه البلدان، أو حتى تقديم مساعدات مالية تتلاءم مع حجم أزماتها الاقتصادية؛ بل تابعت واشنطن في صمتٍ تنامي الاتجاه الاستبدادي في حكومة مرسي في مصر، وبعد ذلك أبدت واشنطن بعض الانتقادات المتواضعة تجاه الإطاحة بالرئيس المنتخب مرسي، إلى أن صرّح وزير الخارجية جون كيري بأن جنرالات مصر استعادوا المسار الديمقراطي، وهو ما يجده الكاتبان متناقضًا مع حملات القمع التي تُمارَس ضد معسكر المعارضة.
 
ويرى الكاتبان أن الفاعلين الدوليين لعبوا أدوارًا مؤثرةً على مسار موجة الربيع العربي في بلدان المنطقة، باستثناء تونس. وعلى ذلك فإنه رغم تضاؤل النفوذ الأمريكي في المنطقة من الناحية الموضوعية، إلا أنه ليست جميع الدول العربية تتعامل وفق تلك الحقيقة. فعلى سبيل المثال: رغم تضاؤل قدرة الإدارة الأمريكية في الضغط على صناع القرار في مصر؛ إلا أنه ليس هناك بديل للجيش المصري عن قطع الغيار والمعدات العسكرية الأمريكية، كما أن العلاقات الأمريكية المصرية لديها رصيد استراتيجي وافر تراكم على مدار العقود السابقة.
 
وكذا فإنه عند الحديث عن التهديد الإيراني لدول الخليج، يمكن القول إن دول الخليج تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في صيانة أمنها القومي أكثر من اعتماد الولايات المتحدة على دول الخليج في استيراد النفط، وخاصة في ظل توسع الولايات المتحدة في إنتاج الطاقة المحلية، وفي ظل تزايد اعتماد دول الخليج على الولايات المتحدة في الحصول على الأسلحة المتطورة، وتنسيق الدفاع الصاروخي الإقليمي. وبذلك يمكن القول إنه طالما ظل التهديد الإيراني قائمًا لدول الخليج، سيظل النفوذ الأمريكي هناك حاضرًا بقوة.
 
استراتيجية جديدة لاستعادة النفوذ الأمريكي في المنطقة
 
يقدم حميد وماندفيل في هذا الجزء أطروحة حول تطوير استراتيجية جديدة تهدف إلى استعادة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وتنطلق تلك الاستراتيجية من مُسَلّمة راسخة، وهي أن المواقف العربية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية تتميز بدرجة منخفضة من المرونة، أي أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة يجب أن تتجاوز مرحلة المبادرات المحدودة وسياسات الترقيع حسنة النية، حتى يمكن إحداث تحول في المواقف العربية تجاه الولايات المتحدة.
 
وترتكز هذه الاستراتيجية على تأسيس صندوق منح اقتصادية متعددة الأطراف موجهة لغرض عمليات الإصلاح السياسيMultilateral Endowment for Reform (MER)، بتمويل مبدئي يصل إلى 5 مليارات دولار، ثم 20 مليار دولار خلال عشر سنوات، وهو مبلغ ضخم مقارنةً بالمخصصات المالية لعام 2014 لصندوق حوافز الشرق الأوسط MENAالتي بلغت 580 مليون دولار، ويقوم هذا الصندوق متعدد الأطراف بربط عمليات تقديم المساعدات الاقتصادية الضخمة بإجراء عمليات إصلاح سياسي حقيقي لتدعيم قيم الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر فريد من نوعه سوف يعيد تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة مرة أخرى.
 
ويُشير الكاتبان إلى أن الباعث الأخلاقي ليس هو السبب الوحيد وراء إنشاء هذا الصندوق. فقد أثبتت موجة الثورات العربية أن النظم السلطوية لا تتسم بالاستقرار على المدى الطويل، وبالتالي تكون حليفًا غير موثوق فيه، عكس النظم الديمقراطية -التي وإن عانت في المراحل الأولى- فإنها ستنعم بالاستقرار على المدى الطويل لتصبح حليفًا مؤثرًا في المنطقة.
 
والتوجه الرئيسي لهذا النموذج المُقترَح هو أن المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة سيعمل على تمويل عمليات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط من خلال مساعدات اقتصادية ضخمة تتجاوز التزامات المعونة الأمريكية القائمة، كما أن طبيعته متعددة الأطراف ستكون مفتاح نجاحه، من حيث خفض مستوى العبء المالي المباشر على الولايات المتحدة، وكذلك تجنب التصورات التي قد تشير إلى رغبة واشنطن في تشكيل المستقبل السياسي للمنطقة وفق إرادتها. ويؤكد الكاتبان أن أوروبا ستكون شريكًا رئيسيًّا ومُساهمًا في هذا الصندوق، كما سيتم تشجيع بعض الأطراف الإقليمية مثل تركيا وقطر على المساهمة في هذا المشروع.
 
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تجنب سياسات البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وغيرها من كبرى المؤسسات المالية الدولية، التي تربط المساعدات الاقتصادية بعملية إعادة هيكلة اقتصاد الدولة المستقبلة للمساعدة، وإنما يجدر التركيز على عميلة الإصلاح السياسي بالأساس. مع ضرورة توجيه هذه المساعدات لجميع الحكومات الُمنتخبَة ديمقراطيًّا، سواء كان قادتها إسلاميين أم علمانيين. كما يجب عدم السماح للدول المساهمة في ذلك الصندوق بفرض أجندة مصالحها السياسية الخاصة على الدول التي تتلقى المساعدات.
 
ويرى الكاتبان أن تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة قد خلق حالةً من الفراغ الاستراتيجي في المنطقة، سمح لدول الخليج بالتحرك لملء هذا الفراغ. وبالتالي فإن إنشاء هذا الصندوق ستكون له فوائد تتجاوز قضية تعزيز الديمقراطية، لأنه سيعيد تأسيس الدور الأمريكي والأوروبي في الشرق الأوسط، مع إضفاء العامل المؤسسي عليه.
 
وسيحتاج الصندوق على المدى القصير إلى ضخ مساعدات مالية ضخمة تواجه مثيلاتها التي بدأت دول الخليج في توجيهها لبلدان الربيع العربي، فقد التزمت السعودية والإمارات والكويت بدعم مصر في أعقاب يوليو 2013 بمبلغ 12 مليار دولار في سبيل تدعيم مكانة النظام السياسي الحالي رغبةً في إعادة الوضع إلى ما قبل يناير 2011. وبالطبع لا بد أن يستخدم المساهمون في الصندوق نفوذهم السياسي في الحد من المنافسة والصراع الذي من الممكن أن ينشأ بين الصندوق والأطراف الإقليمية في ظل تعدد تيارات تمويل المساعدات الاقتصادية لدول المنطقة.
 
آليات غير تقليدية لتدعيم الديمقراطية في الشرق الأوسط
 
ذهب الكاتبان إلى ضرورة إدراك أن مهمة هذا الصندوق ليست سهلة، فعلى سبيل المثال: لا يمكن للأردن أو الجزائر أن تصبحا على المدى القصير معاقل للديمقراطية. فالصندوق يجب أن يركز في البداية على تلك الدول التي تمتلك الإدارة السياسية المدفوعة بالدعم الشعبي نحو عملية التحول الديمقراطي.
 
واعتبر حميد وماندفيل أن الصندوق يمتلك فرصًا كبيرة في كل من تونس وليبيا واليمن والمغرب –ومصر وسوريا في مرحلة لاحقة– لتحقيق نتائج فعالة في عملية التحول الديمقراطي. وهو ما قد يُشجع الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، مثل الأردن، على بدء عملية إصلاح سياسي شامل قبل اندلاع أزمات واحتجاجات داخلية يصعب السيطرة عليها.
 
وفي ظل الاحتياج المستمر والدائم من جانب دول الخليج للولايات المتحدة في دعم الجانب الأمني لديها، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تربط ذلك الدعم بعملية إصلاح سياسي تدريجي تقوم بها دول الخليج. وذلك في خطوة نحو الانتقال من نموذج “الأمن مقابل النفط” الذي سارت العلاقات الأمريكية الخليجية وفقه لعدة عقود، إلى نموذج “الأمن مقابل الإصلاح”.
 
ويشير الكاتبان إلى ضرورة تجاوز الصندوق أثناء تقديمه للدعم تلك الأنشطة التقليدية لترويج الديمقراطية الأمريكية مثل: تدريب الأحزاب السياسية، وتعزيز دور المجتمع المدني. فيجب التركيز على تقديم دعم مباشر للجوانب الحقيقية لتعزيز الديمقراطية، مثل: إصلاح قطاع الخدمة المدنية، وإصلاح قطاع العدالة، ومبادرات مكافحة الفساد، وإحداث تغيير شامل في الهياكل البيروقراطية للدولة، بما في ذلك الهيئات الأمنية والقضائية، والقطاعات الإعلامية.
 
ومن المهم أيضًا إدراك أن إدارة وتنظيم مثل هذا الكيان سيكون على درجة عالية من التعقيد، خاصة في ظل حالة التشكيك التي ستسود دول المنطقة تجاه هذه الفكرة، نظرًا لوجود سجل حافل للدول الغربية في مشروطية المساعدات الاقتصادية. وتجاوز تلك الشكوك هو تحدٍّ ضخم لهذه الفكرة يتناسب مع طموحها، ومع التحولات التاريخية التي تمر بها المنطقة العربية.
 
وفي سبيل ذلك، يجب أن تترسخ قناعة لدى الإدارة الأمريكية بضرورة تغيير نهجها التقليدي في التعامل مع دول الشرق الأوسط، وهو النهج الذي كان يعمد إلى غض الطرف عن تجاوزات الحكومات العربية فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما دامت تلك الحكومات تعمل على صيانة المصالح الأمريكية في المنطقة.
 
وفي الختام، يتناول حميد وماندفيل تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية “هيلاري كلينتون”: “إن أكبر مصدر لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط اليوم، ليس المطالبة بالتغيير، وإنما رفض التغيير”. ويشيران إلى أن هذه المقولة تنطبق على الدور الأمريكي المضطرب حاليًّا في الشرق الأوسط. فصندوق المساعدات الاقتصادية من أجل الإصلاح لا يمكن أن يُحدث تغييرًا فجائيًّا في مسار السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وإنما سيُسهم في تقديم دفعة قوية نحو نهج استراتيجي جديد، قد يساعد الولايات المتحدة الأمريكية على العودة إلى دورها التقليدي كالفاعل الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في المنطقة، بالإضافة إلى تجديد شباب عملية الإصلاح الديمقراطي التي بدأتها موجة الثورات العربية. 

تعريف الكاتب:
خبيران في العلاقات الدولية