بالاعتدال نجح المغرب في تجفيف منابع التطرف

 

المقاربة المغربية ترى أن الإصلاح والتنمية أقصر طريق لاجتثاث التنظيمات الإرهابية، وضعف التنسيق الأفريقي

يرفع من خطر المتطرّفين.

عن صحيفة العرب  [نُشر في 21/05/2014، العدد: 9565،

 

واشنطن – “نهج المغرب في مكافحة التطرف العنيف” كان محور محاضرة ضمن منتدى سياسي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تحدّث خلالها محمد صلاح التامك، المندوب العام لـ “إدارة السجون وإعادة الإدماج” في المغرب، عن المقاربة المغربية النوعية في مجال مكافحة الإرهاب.

استطاع المغرب الخروج بآليات مختلفة وعديدة في مواجهة ظاهرة الإرهاب التي استفحلت في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي، والتي صاحبها فلتان أمني شمل البلدان المجاورة له في تونس وليبيا، خاصة على المناطق الحدودية. وفي جعبة المغرب سجلّ حافل بالنجاحات في مجال مكافحة التطرف العنيف داخل البلاد، يتضمن تجارب ناجحة في تفكيك عدة خلايا مرتبطة بتنظيم القاعدة،

وقد أشار محمد صلاح التامك، المندوب العام الحالي لـ “إدارة السجون وإعادة الإدماج” في المغرب، إلى العمليات التي قام بها المغرب في مواجهة هذا المد في إطار حديثه عن مقاربة الرباط لمكافحة الارهاب، وقد تم في هذا السياق توقيف الآلاف من المشتبه بهم في جرائم الاغتيال والاعتداء والسرقة، كما تمت مصادرة مخابئ ضخمة من الأسلحة الثقيلة. وأحبطت السلطات عدة محاولات لمهاجمة الأجهزة الأمنية والمرافق السياحية والبعثات الدبلوماسية وأماكن العبادة للمسيحيين واليهود. بالإضافة إلى ذلك، تم تفكيك قناتين لتجنيد الجهاديين في مالي في أواخر عام 2012، فضلا عن تعاون قوات الأمن المغربية والأسبانية منذ شهرين على تفكيك خلية عابرة للحدود الوطنية تجنّد المقاتلين إلى سوريا ومالي.

وتكمن الصعوبة في مكافحة العنف الإرهابي على امتداد الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي، حسب التامك، في الشبكات الواسعة متعددة الجنسيات التي انبثقت في تلك المناطق مستفيدة من الحدود سهلة الاختراق، حيث تحافظ تلك الشبكات على روابط وثيقة مع المجتمعات المحلية، الأمر الذي يفسح المجال أمام المهربين وتجار المخدرات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية للازدهار فيها. ومثال ذلك تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي ضاعف نشاطه على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبّدها خلال العملية العسكرية الفرنسية في مالي. وتتسع شبكة تحالفاته لتضم “أنصار الشريعة” في ليبيا وجماعة “بوكو حرام” في نيجيريا و”حركة الشباب الإسلامية” في الصومال، وتهدد هذه الجماعات المراكز الحكومية والعسكرية في العواصم الأفريقية، فضلا عن البعثات الغربية في سائر أنحاء المنطقة.

جهود مكافحة الإرهاب

يعمل المغرب مع شركائه الإقليميين على مكافحة التطرف العنيف على المستويات السياسية والدينية والاقتصادية والأمنية، وتشمل هذه الجهود الحفاظ على الاستقرار السياسي وسلامة الأراضي في دول الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي، وذلك عن طريق تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والدبلوماسية، فضلا عن مكافحة قوى التطرف عبر توسيع البرامج التعليمية التي تشجع على الاعتدال والنسبية الثقافية والتفكير الناقد، وكذلك من خلال إعادة النظر في المساعدات المباشرة التي غالبا ما تعمل على إيصال الأموال إلى أيدي الزعماء الفاسدين، وتقوية البلدان المجاورة من خلال الدعم التقني وتنمية قدراتها من أجل مكافحة الاتجار غير المشروع وانتشار الجماعات الإرهابية.

وفي هذا السياق، أثبت الملك محمد السادس التزامه بتعميق التعاون مع البلدان المجاورة عبر القيام بعدة زيارات رسمية لها والتوقيع على عدد غير مسبوق من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية. كما أعرب عن دعمه للجهود المشتركة التي تبذل لمكافحة التطرف، في الوقت الذي أبدى المسؤولون من ساحل العاج والنيجر وتونس وغينيا استعدادهم لتدريب أئمّتهم في المغرب.

تهدف الجهود إلى اجتثاث التطرف الديني ودحره من خلال معالجة العوامل الكامنة وراء دفع الأفراد إلى الانضمام إلى الجماعات الإرهابية. وقد تبنت بعض الدول مسعى إلغاء التطرف كبديل عن القمع، على اعتبار أن هذا الأخير لم ينجح دائما في معالجة التهديدات. ومن جهتها تبنّت الرباط إلغاء التطرف في مرحلة مبكرة في إطار نهجها متعدد الأبعاد لمكافحة التطرف الإقليمي. كما صاغت استراتيجيتها ضمن إطار التقاليد الدينية التي تركز على المرونة والاعتدال بدلا من التطرف.

ويتمثل أحد العناصر الأساسية من استراتيجية المغرب لمكافحة التطرف في إعادة تنظيم كيانات الدولة الدينية من أجل حماية المواطنين من أشكال الإسلام العدائية والمتطرفة، وقد تضمّن هذا البرنامج تعميم نشرة رسمية عن الأئمة، وتأسيس “مديرية التعليم العتيق” في “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية” وإلغاء مركزية عمليات الوزارة، إلى جانب مراجعة القوانين التي ترعى أماكن العبادة الإسلامية وتشكيل مجلس ديني في أوروبا للجالية المغربية والاستعانة بالمحطات الإذاعية والتلفزيونية للترويج للتعاليم المعتدلة ومراجعة الكتب والمناهج الدراسية بهدف حذف ما له علاقة بالترغيب المتطرف في العنف. ولهذه الجهود وغيرها أهميةٌ خاصة لا سيما وأن هناك حوالي 50 ألف إمام في المغرب.

إلى جانب المبادرات الدينية، تتضمن استراتيجية الرباط لمكافحة التطرف مجموعةً من الإصلاحات السياسية التي نصت عليها التعديلات الدستورية الأخيرة ومشروع “الجهوية المتقدمة”، فضلا عن الخطوات الرامية إلى زيادة احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، ومساعي التنمية الهادفة إلى تفادي تهميش الأفراد والمجتمعات المحلية. ومن الممكن أن تشكل هذه الجهود وغيرها نموذجا يحتذى للدول الأخرى لمكافحة التطرف واجتثاثه، كما برهن على ذلك تدريب الأئمة الأجانب في معاهد الاعتدال الديني في المغرب.

اجتثاث التطرف

في السجون المغربية تم اجتثاث التطرف عبر الإشراف الديني الذي تولته الجهات المسؤولة من “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية” وكذلك أعضاء من المجالس الدينية المحلية والإقليمية. ومن العناصر الجوهرية الأخرى لإلغاء التطرف بين السجناء هو إعادة دمجهم في المجتمع بنجاح. ومن هذا المنطلق، يُمنح المساجين المغاربة فرصة متابعة تحصيلهم العلمي لكي ينالوا شهادات جامعية. وفضلا عن ذلك، تقيم الحكومة شراكات مع المؤسسات الخاصة لتوفير فرص العمل والتدريب والتوظيف في النهاية لهؤلاء السجناء بعد الإفراج عنهم.

سياسة المغرب نحو الاعتدال الديني ومحاربتها لكل أشكال التطرف والإرهاب كانت محل إعجاب الولايات المتحدة التي نوهت عن طريق وزارة خارجيتها بالاستراتيجية الشاملة التي وضعها المغرب لمكافحة الإرهاب، مبرزة أن هذه المقاربة مكنت من الحد بشكل فعال من التهديد الإرهابي.

وأوضحت الخارجية الأميركية، في تقريرها السنوي حول الإرهاب في العالم أن “المغرب يتوفر على استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب ترتكز على تدابير لليقظة والأمن، والتعاون الدولي وسياسات لمكافحة التطرف”. وحسب هذا التقرير، الذي يغطي الفترة الممتدة من يناير إلى 31 ديسمبر 2013، فإن “استراتيجية المغرب ركزت على مواجهة الخلايا الإرهابية الموجودة من خلال اعتماد تدابير أمنية وقائية”. كما أشاد التقرير بالجهود التي يبذلها المغرب في مجال مكافحة التطرف الديني، ملاحظا أن المملكة وضعت استراتيجية وطنية تروم ترسيخ قيم ومبادئ المذهب المالكي، الذي يقوم على الاعتدال والوسطية، والجهود التي يبذلها الملك محمد السادس لنشر قيم الاعتدال والوسطية من خلال الدروس الدينية التي ينظمها الملك كل شهر رمضان، والتي يشارك فيها محاضرون من العالم، من أجل “تقديم تأويلات دينية معتدلة وسلمية”.

الحرب في سوريا

باندلاع الأزمة في سوريا وتحولها إلى ساحة قتال تضم العديد من المجموعات المسلحة على اختلاف ايدولوجياتها والتي تقاتل للإطاحة بنظام بشار الأسد، أصبحت سوريا قبلة للجهاديين من مختلف أنحاء العالم، والذين يستغلون ضعف المراقبة الحدودية ليتسللوا إلى البلاد، وعلى غرار العديد من الدول الأوروبية والعربية، يحاول المغرب كبح تجنيد الجهاديين المتجهين إلى سوريا ومنعهم من الانخراط في أعمال إرهابية لدى عودتهم من الحرب مزودين بقدرات جديدة.

ويقول التامك، الذي ترأس بشكل مشترك فريق العمل المكلف بالجانب الأمني في الحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة، إن الرباط تمكنت من القبض على 199 من الجهاديين، من ضمنهم 182 شخصا اعتقلوا خلال محاولتهم مغادرة البلاد إلى سوريا و17 شخصا ألقي القبض عليهم عند عودتهم من الحرب.

وتطرق التامك في ختام مداخلته إلى التهديدات التي تواجهها منطقة المغرب العربي، في ظل ضعف أو انعدام التنسيق الأمني المشترك بين بعض دوله المعرضة لإرهاب هاته الجماعات، وهذا واقعٌ من شأنه إضعاف احتمالات تبادل المعلومات الإستخبارية والتعاون الفعال حول مسألة الجهاديين في المنطقة، وعلاوة على ذلك، فإن الظروف الراهنة في ليبيا تشكل خطرا بالغا على جيرانها، بسبب افتقارها إلى مؤسسات قوية أو قوات مسلحة قادرة على التصدي للنفوذ المتنامي الذي يكتسبه المقاتلون المتطرفون فيها.