السلام والتعايش هما جوهر  الاسلام ….

مصطفى المتوكل / تارودانت

21ماي 2014


… من اعظم المعجزات خلق الانسان  وهو  المكرم من  الله  بان وهبه العقل والقدرة  على التامل والتدبر والتفكير  والابداع والتطور …فجعله بذلك سيد المخلوقات فسخرها له في حدود اجتهاداته .. بل له  ان ينفذ من اقطار السماوات والارض بسلطان العقل والعلم  حيث اوجد الله كل شيئ ومكونات اي شيئ في العالم  المادي المرئي  مباشرة او بالتقدم التكنولوجي     ….

  و سيّادة  الانسان على غيره من الموجودات في كوكبنا هذا ، جعلته يكتسب الافضلية التي تنجم عنها المسؤولية الكاملة عن الافعال والاقوال وما يتبعها من مدح وذم وجزاء حسن وعقاب في هذه الدنيا وفي الاخرى ..فالخلق والايجاد والتكريم والتفضيل مداخل للريادة والاستخلاف في الارض بالاحسان مع كل الناس ومع كل المخلوقات و الطبيعة …والاحسان لايكون الا بالطرق المحمودة ولايصح ولايجوز ان يكون باليات مشبوهة  ومتحايلة لفائدة فئة دون اخرى او لشعب دون اخر او لمخلوقات دون غيرها …ولهذا خصنا الله بالرسالات السماوية التي بلغها للرسل ليوصلوها للناس  …بنفس الروح التي نزلت بها من عند الله اي الرحمة والاحسان والتكريم ..ذلك  ان  الإنسان  اجتماغي ومدني بطبعه وفطرته  لان استمراره ونجاحه وتطوره لايمكن ان يتحقق الا مع غيره من الناس وذلك شان كل بني ادم …

قال تعالى : ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ هود

وقال:( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ) سورة الإسراء.

وقال تعالى : ( أَلَمْ تَرَوْا أن اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) لقمان

فتكريم الله  للنفس الإنسانية  ليس فيه اي  استثناء   بسبب اللون أو الجنس أو الدين وهو يشمل برحمته  المسلمين وغير المسلمين  ويرزق الجميع  ويسخر البعضهم للبعض في اطار التكامل والتعاون   …فقد يفضل غير المؤمن  المسلم بالعلم والعمل الدنيوي الانساني…ويفضل المسلم المسلم الاخر بالنية  والعمل والعبادة الصادقين …

ومن مظاهر تكريم الإنسان تعليمه بكل وسائل التعلم  فلم يخص بها الله المسلمين دون غيرهم بل هو كالهواء ملك للجميع يستطيع اكتساب اجزاء منه بقدر اهتمامه واجتهاده واخلاصه وسعيه …

قال  تعالى : (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)العلق… …وقال  : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)النحل

… ومن دلالات  العدالة الالهية ان الكل مخلوق من نفس واحدة ،  قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾النساء: …وانه  اخرج من تلك الوحدة تنوعا وتعددا في الجنس واللغة واللون والثقافات والخصوصيات.. وخاطب الناس بلغاتهم عن طريق انبياء اختارهم  من مجتمعاتهم  قفال عز وجل: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين}( سورة الروم:).

وقال (( إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ . إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ. وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ …)) سورة فاطر

وحتى عندما ارسل خاتم النبيئين سيدنا محمد (ص) عرف  سبحانه وتعالى  طبيعة الرسالة المحمدية وحقيقة الايمان  فقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: )…

واسس على سنة الاختلاف والتنوع  في الخلق عند الانسان .. سننا اخرى  بما يترتب على ذلك من معتقدات يتوصل اليها العقل البشري تعلق الامر بامور الديانة او مجالات الفهم والتعامل مع الواقع السياسي والاقتصادي والفكري المادي …وميز الله بينهم عندما سيحشرون يوم القيامة بمقتضى حكمه وعدله بين المؤمن حقا من غيره … فالزمنا باحترام  معتقدات الاخرين والتواصل معهم والبر بهم والاحسان اليهم … ونهانا ان يكره بعضنا الاخر على الايمان بما لايؤمن به ..لان الايمان بالاكراه ليس ايمانا ..كما ان الكفر خوفا وتقية وبالاكراه لايعتبر كفرا حقا  بمنطق السماء ومنطق الارض..

ثم إن هناك خلفية أخرى مهمة تحكم تصور المسلمين للمخالفين لهم في الاعتقاد، والمغايرين لهم في المبادئ، وهي أن الاختلاف بين الناس أمر محتمل و حتمي …يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود

وقال – عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ يونس

وقال تعالى -: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ الغاشية

وقال (لكم دينكم ولي دين)

…وبموجب ذلك امرنا بان نكون “ديموقراطيين ” فكما نقبل بالراي الاخر يفترض ان نقبل بحرية المعتقد فدعانا الله ان نلتزم  بتوجيهاته واوامره  التي تضبط علاقاتنا بغيرنا  حيث قال سبحانه وتعالى ..قال : ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾الممتحنة

وقال ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ. اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ . لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ.  لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ الشورى

وقال  النبي صلى الله عليه وسلم : (مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)

..ان  المسلم  المنتسب للاسلام عرفه  الرسول الكريم بانه من سلم الناس من لسانه ويده ..يفترض فيه ان يقتدي بما شرعه الله في علاقتنا بغيرنا على العموم  في اقوى مظاهرها اي الزواج والمصاهرة ….فقال تعالى :<< الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ >>…فطعامهم  والزواج منهم  حلال عندنا  دون اكراه الزوجات على ترك دينهن وثقافاتهن وعاداتهن …فهل من شيئ يستدل به على التسامح والتعايش والتكامل واحترام معتقد الغير اكثر مما اوضحه الله … ويقاس على ذلك في مجالات متعددة …ذلك اننا نتتقاسم مع كل اهل الكتاب العديد من القضايا الايمانية مما شرعه الله منذ اول الانبياء الى خاتمهم عليهم افضل الصلاة والتسليم

قال  : ( شرع لكم منَ الدِّين ما وصَّى به نوحا ًوالذي أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدِّين ولا تتفرقوا فيه )

…وجعل سبحانه منهج التدافع المحقق للتوازن في احترام ام للمعتقدات  امرا حتميا لتجنب الافساد والفتن  الذي قد ينتهك حرمة كل ما هو مقدس عند الناس بما في ذلك اماكن العبادة  …فقال : ( ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لهدِّمتْ صوامعُ وبِـيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكَر فيها اسـم الله كثيرا ) …

 ولقد استقبل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هديةً من المقوقس في مصر، وهي الجارية التي أنجبت إبراهيمَ ولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ثمَّ وقف فقال: ” استوصوا بالقـبـط خيرا، فإنَّ لي فيهم نسبا ً وصهرا “.

أنَّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم استقبل وفد نصارى الحبشة، وأكرمهم بنفسه وقال: «إنَّهم كانوا لأصحابنا مُكرِمين، فأُحبُّ أنْ أكرمهم بنفسي» (رواه البخاري)

..و قال تعالى  (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين).. فوجب على المتبعين له والمؤمنين به ان يجسدوا تلك الرحمة في اقوالهم وافعالهم مع المسلمين وغيرهم وليس ان يتسببوا  في ان تنعث امة السلام والسلم والعدل بما يعلمه الخاص والعام  بعدم التسامح والتعصب والتكفير وقتل الانفس التي حرم الله ونشر الهلع والرعب والدمار ….

ونختم بقصة وقعت لسيدنا علي رضي الله عنه عندما  مرّ به شيخ كبير مكفوف البصر يسأل الناس الصدقة فقال أمير المؤمنين

ما هذا؟

قالوا: نصراني.

فقال: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال.