الفكر المغربي ومسألة التحديث

محاولة نمذجة

                             عبد السلام بنعبد العالي

اسمحوا لي أن أدعوكم في البداية إلى التوقف قليلا عند هذا العنوان كي نتنين الدواعي التي تجعلنا نتحدث فيه عن التحديث بدل الحداثة. وتوضيحا لذلك ربما وجب أن نميز بدءا بين مفهومين عن الحداثة، أو لنقل بين موقفين: موقف كرونولوجي ينظر إلى الحداثة كحقبة تاريخية، ثم موقف لا أقول بنيويا، وإنما أفضل أن أنعته بالاستراتيجي، وهو الذي يعتبر أن موقف الحداثة قد وجد نفسه، ولا بد أن يجدها، في مواجهة مواقف مضادة.

لا يتعلق الأمر إذا بالمقابلة بين البنية والتاريخ بقدر ما يتعلق بالتقابل بين الهدنة والتوتر. ذلك أن المفهوم الأول عن الحداثة يتميز أكثر ما يتميز بهمه التأريخي، وبرودته الوضعية وسمته التقريرية التي تنظر إلى الحداثة كمجموعة من المميزات التي تطبع حقبة تاريخية معينة، حيث يتم إيجاد مكان لها داخل يومية تتقدمها حقبة ” ما قبل ” وتتبعها حقبة “ما بعد”. وربما لا ينبغي أن ننعت هذا المفهوم حتى بالموقف، إذ أنه لا يعدو أن يكون تقطيعا للزمن وتحقيبا للتاريخ. أما المفهوم الآخر فهو يعتبر الحداثة عصرا وليس مجرد حقبة. ما يميز العصر هو أنه ليس مجرد فترة تمتد بين تاريخين، وإنما كونه علاقة متفجرة للماضي بالمستقبل. فعند كل عصر ينكشف عالم من العوالم، أي تنكشف بالنسبة لإنسان ذلك العالم علاقة جديدة للماضي بالمستقبل. الحداثة إذا شكل من العلاقة المتوترة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيار واع، ونمط من التفكير والإحساس، وطريقة في السلوك والاستجابة تظهر كمهمة ينبغي الاضطلاع بها. إنها مسئولية تاريخية وموقف نضالي، ووعي بالحركة المتقطعة للزمن. وهي اللحظة التي يصبح فيها الانفصال من صميم الوجود، ويغدو نسيج الكائن ولحمته. بحيث لا يعود الكائن مترابط العناصر سواء أكان ذلك على مستوى المعرفة واللغة أو النظم والمؤسسات، فتظهر الانشطارات داخل ما اعتبر مواقع الانسجام، ويتبين ” أن كل صلب لا بد أن يتبخر “.

إن الحداثة هنا لا تقابل ما قبلها ولا ما بعدها، وإنما تقابل ما ليس إياها، أي تقابل التقليد. ولا نقصد بالتقليد هنا منظومة بعينها من القيم، وإنما الموقف المضاد للتحديث، أي الموقف الذي يغدو فيه الاتصال لحمة الكائن، ويرتبط فيه طرح القضايا الكبرى بتقصي الاستمرار والدوام، دوام الخصائص التي تميز، والسمات التي تطبع، والحقائق التي تعتنق،دوام اللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، والعبارات التي نلوكها والآراء التي نتداولها، والعمارة التي نقطنها, معنى ذلك أن التحديث لا يمكن أن يكون إلا حركة انفصال دءوبة تطرح منطق الاتصال هذا موضع تساؤل، وتفسح للتفردات فرصة الظهور، وتجعل من الخصوصية حركة لا متناهية للضم والتباعد، ومـن   الآخر مجالا مفتوحا للانفصال والالتقاء.

ليس اختيارنا إذا لصيغة المصدر إلحاحا على المظهر الحركي الديناميكي للحداثة فحسب، وإنما على الخصوص، إبرازا للطابع الجدلي الانفصالي المتوتر للتحديث، وارتباطه الدائم بما ليس هو، أي بما أصبح يسمى عندنا تأصيلا. لا مفر إذا، ونحن نطرق قضية الفكر المغربي ومسألة التحديث، من أن نجد أنفسنا نتحدث عن مسألة التأصيل في الآن ذاته.

هذا الربط بين التحديث والتأصيل لا ينبغي أن يفهم هنا على انه مجرد “توفيق “ذي شكل جديد، ومع ذلك فلو حاولنا أن نحدده بصيغة إيجابية لتعذر الأمر بعض الشيء:ذلك أنه يتخذ صورا متنوعة حسب المفكرين، وهذه الصور تتراوح بين مجرد العودة الباردة إلى التراث، إلى محاولة إقامة علاقة متفجرة للماضي بالمستقبل تتخذ هي نفسها صيغا متعددة. صحيح أن تلك الصيغ تكاد لا تتمايز. وقد نلفيها جميعها عند المفكر نفسه حسب الفترات والمناسبات. لذلك فلن نقف هنا عند أشخاص ومفكرين ولا عند مذاهب ومدارس، ولا بالأولى عند تيارات، وإنما سنكتفي بصياغة نماذج كبرى تتسم ببعض الثوابت نستطيع أن نجملها هنا في ثلاثة: النموذج الأول يعتبر أن كل تحديث للفكر العربي مشروط بالتأصيل، كما يعتبر العكس صحيحا. والتأصيل في نظره هو”عملية التبيئة الثقافية” ومحاولة إرساء المرجعية داخل ثقافتنا، للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة، وذلك بربطها بما قد يكون لها من أشباه ونظائر في تراثنا، وإعادة بناء هاته بطريقة تجعل منها مرجعية للحداثة عندنا.

ذلك أن ما هو مطلوب منا إزاء ما ننقله، حسب هذا النموذج، سواء أتعلق الأمر بالأفكار والنظريات، أم بالنظم والمؤسسات، هو العمل على تبيئتها في وسطنا واستنباتها في تربتنا.

لا يتعلق الأمر بإثبات سبق للفكر العربي في جميع الميادين، ولا بمحاولة إيجاد المفهومات عينها هنا وهناك.وإنما بالقيام بمجهود فكري غير يسير متعدد الواجهات يحاول تجديد ثقافتنا من داخلها.وهذا “التجديد من الداخل ” يتبع استراتيجية ذات أبعاد ثلاثة: نقد التراث، ونقد الحداثة نفسها والكشف عن نسبية شعاراتها، ثم التأصيل الثقافي للحداثة في فكرنا ووعينا.

ذلك أن طريق الحداثة عندنا يجب أن تنطلق حسب هذا النموذج من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها، وذلك بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل. فلا يعني التحديث هنا القطيعة مع الماضي بقدر ما يعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى المعاصرة بهذا يضمن هذا النموذج النجاة من مخاطر الحداثة المتسرعة، التي ” تستوحي أطروحاتها وتطلب المصداقية لخطابها من الحداثة الغربية التي تتخذها أصولا لها”.

إن ما يخشاه هذا الموقف إذا هو القيام باستنساخ ساذج للنموذج الغربي. لذا فهو يتشبث بالعودة إلى الأصول، وهذه العودة تعني عنده متابعة الكيفية التي “ترسخت بها طرق في العمل والإنتاج، وأساليب في الإقناع، ومقاييس للقبول والرفض”. ولكي تغدو هاته العودة إلى الأصول تأصيلا ينبغي أن نحاول إرساء المرجعية، داخل التراث للمفاهيم التي تشكل قوام الحداثة.

يقوم تأصيل المفهوم هنا على نقله إلى ثقافتنا” وإعطائه مضامين داخلها تتناسب مع المضامين التي يتحدد بها أصلا في الثقافة الأوروبية التي منها نقلنا هذا المفهوم “.

لتوضيح الأمر لا بأس أن نستقي مثالا من أكثر المفكرين المغاربة قربا من هذا النموذج. يقول: “إذا كانت الحداثة على سبيل المثال تستعمل مفهوم حقوق الإنسان، فان ما نعنيه بالتأصيل الثقافي لحقوق الإنسان في الفكر العربي المعاصر هو إيقاظ الوعي بعالمية حقوق الإنسان، وذلك بإبراز عالمية الأسس النظرية التي تقوم عليها والتي لا تختلف جوهريا عن الأسس التي قامت عليها حقوق الإنسان في الثقافة الغربية. ومن هنا يبرز الطابع العالمي الشمولي الكلي المطلق لحقوق الإنسان داخل الخصوصية الثقافية نفسها.ذلك أن الأبعاد الثقافية الحضارية لحقوق الإنسان هي أبعاد إنسانية تشترك في التعالي بها،فوق الواقع الثقافي الحضاري القائم، جميع الثقافات. ومعنى العالمية هنا أن تلك الحقوق ” تقوم على أسس فلسفية واحدة.أما الاختلافات فهي لا تعبر عن ثوابت ثقافية، وإنما ترجع إلى اختلاف أسباب النزول، أي اختلاف الظرف التاريخي “.

المسلمة الأساسية هنا هوأن لكل من التراث والمعاصرة طابعا عالميا، والطابع العالمي لتراثنا العربي الإسلامي، والطابع العالمي للفكر المعاصر يجعلان طرح الأصالة في مقابل المعاصرة بمثابة وضع الفكر الإنساني في مقابل نفسه.

في مقابل هذه الرؤية يرى النموذج الثاني أننا لو انطلقنا من إنجازاتنا الثقافية لاستحال أن نصل بمحض الاستنباط إلى المفاهيم التي تقوم عليها الحداثة الفكرية.

منذ البداية يعلن هذا النموذج انفصاله عن التراث ويحكم عليه انطلاقا من مفاهيم غير نابعة من صلبه. وهو يرى أن بين مفاهيمنا ومفاهيمه يوجد فارق فاصل. وهوبكل بساطة التاريخ. وحينما يتم فحص الإنجازات الفكرية في التراث داخل هذا النموذج، فليس بهدف التنقيب عما من شانه أن يغذي تفكيرنا الحالي. إذ أن رباطنا بالتراث قد ا نقطع نهائيا، وفي جميع الميادين. وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا ما زلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب. وسبب التخلف الفكري عندنا هو الغرور بذلك السراب وعدم رؤية الانفصام الواقعي. فيبقى الذهن العربي حتما مفصولا عن واقعه، متخلفا عنه بسبب اعتبار الوفاء للأصل حقيقة واقعية، مع انه أصبح حسا رومانسيا منذ أزمان متباعدة. وكل من يعيش في زماننا هذا، من يعتبر نفسه ابن هذا الزمان، لا يستطيع أن يقول غير هذا.                                                    

الحكم على التراث هنا ينطبق عليه في كليته ليثبت أن ذهنية عامة تسوده تخالف كل المخالفة الذهنية  الحديثة. وهذه الذهنية التي تسوده يخضع لها الفيلسوف والفقيه والمتصوف. ومن أهم مميزاتها أنها لا تكتفي بتحديد العقل بالمعقول، بل تجعل الثاني سابقا على الأول. وهذا المعقول السابق على العقل الذي يحل فيه ولا يتولد عنه هو العلم. صحيح أن هذا المعقول يتلون، وهو يعرف باسم خاص في كل مذهب: يسمى الخبر كما يسمى الحكمة أو التقليد أو سر الإمام أو الكشف. وهو في كل الأحوال العلم. إلا أن هناك اتجاها عاما يقضي بأن هذا العلم حاصل،بأن هذا العلم قد تم وحصل, وبأن العقل تحصيل. وهو كذلك شامل ثابت لا يتبعض ولا يتفاضل ولا يتغير، انه أصل .

تتميز هذه الذهنية إذا بالاستيفاء والحصر، وبالتالي برد الأصول المتعددة إلى أصل واحد يتجلى في مسائل متساوية القيمة، محدودة العدد. وأن الابيستيمولوجيا الكامنة وراء هذه الذهنية، والتي تجعل من العقل الفردي مجرد وعاء، تؤدي بالضرورة إلى حد العقل الفردي ليكون موافقا لمعقوله، ولا تجعل منه أبدا منبع المعقولات. لا تجعل من العقل غزوا واكتشافا وارتماء في المستقبل.لا تجعل من التفكير قطيعة واقحاما للاختلاف في كل ما يبدو تطابقا.

إذا كان الأمر على هذا النحو، فلماذا العودة إلى الأصول؟ وما جدوى التأصيل والحالة هذه؟

ذلك أن هاته الذهنية التقليدية ما زالت معاصرة لنا. إنها ذهنية القدماء، لكنها أيضا ذهنية بعض المحدثين بيننا.إلا أن الفارق بين هؤلاء وأولئك كبير. فالمادة التي اعتمدها القدماء كانت كل ما كان متاحا للبشرية وقتئذ.هذه قضية موضوعية غير متعلقة بشخصية مفكر بعينه.لا مجال فيها للبحث عن الاستعدادات الذاتية. الا أن ما حدث هوأن ما كان أفقا عند الأقدمين انقلب سدا عند بعض المحدثين.

وما علاقة كل هذا بالتحديث؟ ذلك أنه ما كان باستطاعتنا أن نقف على مقومات الذهنية التقليدية التي ما زال يجترها بعض المحدثين منا ما لم ننظر إليهم من منظور مكتسبات الحداثة. تجاوز موقفهم لا يمكن أن يتم إلا بالانفتاح على الحداثة والتحصن بالعقلية التاريخية، والتسلح بمكتسبات العقل الحديث أي الإيمان بصيرورة الحقيقة وإيجابية الحدث التاريخي وتسلسل الأحداث ثم مسؤولية الأفراد عنها. لكن، الإيمان أولا وقبل كل شيء بأن المعقول لا يتقدم العقل، وأن المعرفة ليست حاصلة ولا ثابتة،وأن العقل الفردي ليس وعاء يتلقى وإنما فعالية وغزو واكتساح. الإيمان بأن العقل مولد للفروق وليس إيديولوجيا مهووسة بخلق التطابق.

ليس التأصيل وفق هذا النموذج الثاني إذا تبيئة للمفاهيم وإنما ردا للأمور إلى أصولها، ولكن هذه المرة بشكل مبدئي كلي. إلا انه ما كان ممكنا من غير تحديث، أي وقوف عند منطق الفكر الحديث الذي انفصل عن الفكر القديم.

مقابل هاته النظرة الكلية إلى التراث يحاول النموذج الثالث أن يستعيد الرؤية التجزيئية للنموذج الأول وهو يتساءل: هل تحصل في تراثنا رصيد يمكن أن يؤسس حديثنا اليوم بلغة الحداثة واستعمالنا لمفاهيمها؟ فالحداثة تتكلم عن العقل والديمقراطية والعلم والفعالية والنسبية والاختلاف والحق والتعدد والكونية والمثقف والجماهير والرأي العام واللاوعي والالتزام… فهل في تراثنا ما من شأنه أن يكون أساسا وأصولا لاستعمالنا نحن لهذه المفهومات؟                        

الرجوع إلى التراث هنا محاولة تأصيل تفحص ما إذا كان التراث مساعدا على تكوين عقلية حديثة أو عائقا ضدها، وما إذا كان فيه ما يبرر دعوانا الآن إلى اعتناق هاته المفهومات؟ والغريب أن هذا النموذج لا يعتريه يأس، فكل محاولة من محاولات التأصيل لا تنتهي عنده إلا نهاية سلبية، وذلك بعد طريق غير قصير. إذ أنه يعلن في النهاية، وكل مرة، انه لم يجد في التراث ما افترضه فيه، فيشعرك أن عملية التنقيب كانت يائسة منذ انطلاقتها.

وعلى رغم ذلك فان لهذا الموقف ما يبرره خصوصا إذا وضعناه ضمن سياق ثقافي تكثر فيه الأطراف التي توظف التراث من أجل دعاوى مختلفة. حينئذ يبدو هذا النموذج تقويما لوضع، ورد فعل ضد أولئك الذين يرون في تراثنا سبقا مطلقا لكل ما جاد به التاريخ وما سيجود به.

في هذا النموذج كما في السابق عليه يتم الانشغال بالتراث لتقويم اعوجاج وإعادة تأويل، بحيث لا يقصد التراث لذاته، وبحيث يكون المخاطب هم المحدثين بيننا الذين يوظفون التراث ويؤولونه كما يحلو لهم. هنا يغدو التراث قضية من قضايانا المعاصرة، ويصبح الانشغال به هما معاصرا لا تنقيبا في الماضي. وهنا يغدو التأصيل إرجاع الأمور إلى أصولها، ورد فعل ضد كل المواقف التي تقوم على الخلط بين العصور، أي ضد كل القراءات الإيديولوجية للحداثة وللتراث معا.

ومع ذلك فهذا النموذج يتميز عن الثاني في كونه لا يكتفي بالإعلان عن قطيعة مبدئية وتلقائية بين التقليد والحداثة، وإنما يعمل على إثباتها وتأكيدها بصدد كل مسألة، بل في مستوى كل مفهوم على حدة. فالتأصيل هنا، شأنه شأن التحديث، عملية لا متناهية.

هذه هي النماذج التي تبين لنا أن انشغال الفكر المغربي بمسألة التحديث ينحصر داخلها. وليس في نيتنا، بطبيعة الحال، أن نقترح نموذجا بديلا، لا لصعوبة الأمر فحسب، وإنما لأن الأمر لا يقتضي بكل بساطة تصور نماذج مجردة، وإنما استخلاصها من ممارسة فكرية فعلية. إن النماذج لا تصاغ صوغا وإنما تستخلص استخلاصا. ومع ذلك، فلا يمكننا أن نكتفي بمجرد عرض صوري للنماذج الفكرية. ذلك أن كل نمذجة  تظل باردة واصفة إن لم تبحث عن العلاقة المتفاضلة بين النماذج، أي إن لم تقحم عنصر الاختلاف بينها، وتبحث عن التفاوتات، وبالتالي عناصر الضعف والقوة في كل منها. وهذا لا يعني بالضرورة أننا مدعوون لتفضيل نموذج بعينه، بل أساسا الوقوف عند ما يبدو لنا قابلا للنقد أو التحفظ في كل ما قلناه. وفي هذا الصدد يبدو لنا أننا ينبغي أن نتوقف عند نقط ثلاث وردت في كل نموذج :

النقطة الأولى تتعلق بمسألة الانفصال عن التراث. فهل تتم القطيعة بشكل كلي، أم أنها حركة لا متناهية تتم في مستوى كل قضية بل كل مفهوم؟ وهنا لا بأس أن ننبه إلى مسألة أساسية وهي أن الطرح التجزيئي لا يعني إحياء لقضايا التراث. ذلك أن قضايا التراث ليست هي قضايانا. ولكن التراث ذاته قضية من قضايانا. وقد سبق أن رأينا أن الأمر لا يتعلق بالحوار مع القدماء، وإنما مع المحدثين بيننا الذين يجرون ويجترون التقليد. فما دام بيننا من يوظف التراث دون أن ينفصل عنه، فنحن مضطرون إلى انتقاد موقفه وفضح أولياته.ذلك أن المعاصرة تعني أن يعيش الإنسان عصره . والعصر،كما سبق أن قلنا، هو علاقة متفجرة للماضي  بالمستقبل.فبدلا من ان يكون الماضي موجها للمستقبل، يغدو المستقبل ذاته منيرا للماضي على حد تعبير نيتشه. ولا بأس أن نسوق هنا ما قالته هنة آرندت عن  هايدغر من أنه لم يتمكن من أن  يكتشف الماضي من جديد إلا لكونه قد تمكن من قطع الحبل الذي يشده إلى التقليد. قطع الحبل كما نعلم، مثل قطع حبل الصرة، لا يعني انفصالا مطلقا وإنما العملية التي يتم  عن طريقها ربط الوليد بأمه من جديد، انه العملية التي يرتبط بها الوليد بأمه عن طريق الانفصال، انه العملية التي بها  يصبح الفكر فكرا حيا ويتمكن من استنطاق الكنوز الثقافية للماضي”.هنا يغدو التحديث شرطا لكل تأصيل حقيقي.  فما كل تعلق بالماضي حوار مع التراث. وما كل ماض تراث. ذلك أن الماضي لا يغدو تراثا إلا عندما يورث، وهولا يورث إلا عندما يتملك، ولا يتملك إلا عندما يغدو ذاتا، ولا يغدو ذاتا إلا عندما يصبح آخر. نحن إذا أمام ماض لا يمكن إلا أن يصبح حاضرا. ولكنه لن يكون كذلك إذا غدا حضوره ثقيلا جاثما مكبلا لكل حركة، قاضيا على الزمان. ان الحضور لا يكون كذلك إلا إذا تخلله الزمان، ولن يتخلله الزمان إلا إذا غدا حركة، ولن يكون حركة إلا إذا كان انفصالا وفراغات وقطيعة. هذا هو الشكل الممكن للتملك الفعلي للتراث، وهولا يعني إطلاقا إهمالا أو عدم اكتراث، لكنه لا يعني كذلك ذوبانا في الماضي. وهذا يسمح لنا بأن ننتقل إلى النقطة الثانية، وهي ما يمكن أن نطلق عليه الخاصية الملتبسة المزدوجة للتراث. ذلك أنه في الوقت ذاته ينبوع وحاجز. فالتراث الذي لا يمكن للمرء أن يتجاوزه إلا بمحاورته، ولا أن ” يقتله ” إلا بإحيائه،ولا أن يربط معه علاقة إلا عن طريق الفصل والقطع، هو الكفيل وحده بأن يمهد لما لم يفكر فيه، لكنه هو نفسه الذي يشكل حاجزا دون ذلك. ولا بأس هنا أن نسوق عبارة دالة لهايدغر يقول فيها: “إن التراث الذي يفرض سيادته، بعيدا عن أن يسمح بادراك ما ينقله، غالبا ما يساهم، على العكس من ذلك، في تغليفه وحجبه، وهو يحط من محتواه، ويجعل منه مجرد بداهات، فيحول دون بلوغ “الأصول” التي نهلت منها المقولات والمفاهيم التقليدية في جزء منها على الأقل.بل ان التراث قد يرمي بهذه الأصول طي النسيان فيقضي على الحاجة إلى فهم ضرورة العودة الى المنابع. وهو يستأصل الإنسان من تجذره التاريخي الى حد أن اهتمامه لا يعود منصبا الا على تعدد الاتجاهات والآراء”. هذا ما يمكن أن نطلق عليه “حمى التراث” عند بعض مفكرينا الذين يحولون الماضي إلى متاحف، بل إلى قبور.

 النقطة الثالثة والأخيرة تتلخص في كون التحديث، شأنه شأن التأصيل، لا يتمثل في مفاهيم ومضامين بقدر ما تتمثل في عمليات الانفصال ذاته.لا تتمثل في الأهداف المرسومة وإنما في المسالك المقطوعة. ولعل هذا بالضبط ما يقصده النموذج الثاني بمكتسبات العقل الحديث حينما يحددها أساسا كإيمان بصيرورة الحقيقة، وكمفهوم جديد عن العقل ليس كانفعال وتلق، وإنما كغزو واكتساح. هاهنا لا يغدو التحديث غايات مستهدفة، ونتائج مستنسخة، وإنما دروبا مقطوعة. وربما كانت عمليات الانفصال التي تحدثنا عنها تتمثل أساسا في قطع تلك الدروب. وعلى ذكر الدروب، لنتذكر قولة هايدغر، صاحب  “الدروب التي لا تؤدي إلى  مكان “: “عندما يستحث شيء ما الفكر،فان هذا يتوجه نحوه ويلاحقه، لكن قد يتأتى له أن يتحول وهو في طريقه إليه”.

عن موقع الدكتور محمد عابد الجابري