الحراك الاجتماعي و العدالة الاجتماعية

بقلم اسامة التلفاني

الأربعاء 21 مايو 2014

عن “نون”24 ماي 2014

يمكن تعريف الحراك الاجتماعي(في بعده السوسيو اقتصادي)  بأنه انتقال الفرد أوِ الجماعة مِنْ طبقةٍ أو مستوى اجتماعي اقتصادي مُعَيَّن إلى طبقة أخرى أو مستوى اجتماعي اقتصادي آخر، بحيث يرتبط بهذا الانتقال تغيُّر في مستوى وظيفة ودخل الفَرْد، وقد يكون هذا الانتقال إلى أعلى أو إلى أسفل، “بتريم سوركين”. زيادة على ذلك فالحراك الاجتماعي يشكل ضمانة أساسية للتماسك الاجتماعي، و قياسا لمدى التنمية الاجتماعية.

إن دراسة العوامل المحددة للحراك الاجتماعي، لا يمكن أن تتم دونما تحديد دور العائلة و المدرسة. فالعائلة تلعب دورا محددا في ثلاث عوامل مؤثرة في دينامية الحراك، العامل الأول و الرصيد الاقتصادي (أموال، و أملاك و عقارات…) حيث يمكن من إعادة إنتاج الوضع الاجتماعي العائلي و يمكن من الحفاظ عليه من جيل لأخر، سواء عبر تمويل الاكتساب النظري، أو إرساء المشاريع… العامل الثاني الرصيد الثقافي، أو ما يندرج في إطار العادات و السلوكيات التي تكتسب في المراحل الأولى لتكوين شخصية الإنسان( تلك التي يصطلح عليها الأستاذ عبد الله العروي بتربية الأم) و التي يمكن للإنسان استثمارها في مساره الدراسي و المهني، العامل الثالث الرصيد الاجتماعي، أي العلاقات العائلية و الاجتماعية التي يمكن استغلالها لأهداف مربحة اجتماعيا و اقتصاديا. 

هناك تباين حول دور المدرسة، بين من يرى أن المدرسة تعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية، أو من يقول بأن الأصول الاجتماعية قد تساهم في النجاح المدرسي لكن يبقى لمؤهلات الفرد دورا محددا في الاستفادة مما تطرحه المدرسة من إمكانية تحقيق الحراك الاجتماعي لدى الفرد.

إن العلاقة بين العدالة الاجتماعية و الحراك الاجتماعي، علاقة بنيوية، فلا يمكن للفوارق الاجتماعية أن تتعمق في ظل نظام اجتماعي يتيح إمكانية الحراك بشكل تصاعدي. 

تعتبر العدالة الضريبية أساس أي سياسة تضع البعد الاجتماعي في أولوياتها، وتهدف إلى  تقليص الفوارق الاجتماعية، حيث يمكن مبدأ الضريبة التصاعدية حسب الدخل، المواطنين من بناء الدولة و تمتين المجتمع عبر مساهمة كل واحد بحسب إمكانياته، مما يشعرهم بالانتماء للوطن. نلاحظ في المغرب أن العائدات الضريبية تمثل 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن بيانات رسمية أخرى تشير إلى أن 85 في المائة من الضرائب على الشركات مصدرها 2 في المائة فقط من الشركات، فيما تصرح شركة من أصل اثنتين بخسائر دائمة وهيكلية لأجل تجنب دفع مستحقاتها الضريبية. هذا دون احتساب ما تضيع في القطاع الغير المهيكل، و الفلاحين الكبار، بالمقابل تجد الفئات المتوسطة و الضعيفة المستهدفة بأي إجراء تقشفي، و تجد الفئات الميسورة مستفيدة من أي إجراء تحفيزي. الأمر الذي لا ينجم عنه إلا تعميق الفوارق الاجتماعية.

نشرت المندوبية السامية للتخطيط نهاية السنة المنصرمة، نتائج البحث الذي أجرته حول الطبقة الوسطى سنة 2011، حيث أوردت أن 64% من المغاربة كانوا في وضعية سكون أو تراجع اجتماعي، و أن فقط 33% من حققوا ارتقاء اجتماعيا، و أن نصف من حققوا الارتقاء الاجتماعي كان فقط نحو فئات قريبة جدا من أصولهم الاجتماعية. كما أن الحراك الاجتماعي في مجمله (أي 68%) يعود بالأساس لتحسن الظروف الاقتصادية العامة. أضافت نفس الدراسة أن 80% من أبناء الفلاحين و العمال لهم مستوى تعليمي اقل من الأساسي.

إن الإنسان باعتباره مواطنا يتوق إلى الحياة الكريمة و المستقرة، و باعتباره كائنا فهو ليس جامدا بل متحركا، هكذا فالنظام الاجتماعي إذا لم يتلاءم مع طموحات الإنسان و لم يستوعب مؤهلاته، فهذا الأخير سيبحث عن إحداث تغييرات عليه. عندما تسعى سياسات المسؤولين  إلى إغلاق منافذ الحراك الاجتماعي، في غياب العدالة الاجتماعية فإنها بذلك تسعى إلى تقييد حركية الإنسان، لكن هذا التقييد لا يمكن أن يكون أبديا، لان وراءه إرادة صلبة تحركها رغبة مشروعة سرعان ما ستبحث عن متنفس لها، و بالتالي ستنطلق بحثا عن آفاق جديدة، و في بعض الأحيان يكون هذا على حساب الاستقرار.

إن السبيل الوحيد لضمان استقرار الدولة، هو توفير الحماية الأمنية و الاجتماعية لمواطنيها، وسن سياسات اقتصادية ناجعة كوسيلة عقلانية لتوزيع الندرة، لا كآلية لاحتكار الثروة.