الخطاب السلفي وتحطيم العقل.

(قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي)

(القسم الأول- قراءة في الفكر السلفي. (4 من 28/)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

 

أهم الأصول الفكرية وتفريعاتها عند السلفيين:

1-  التوحيد.

2- القضاء والقدر

3- الإتباع

4- كثرة الاستدلال بالكـتـاب و السنة.

5-  تقديم النقل علي العقل.

6-  رفض الـتـأويـل الكلامي

7- التزكية

أولاً التوحيد:

     السلفيون, أي ” أهل السنة والجماعة”, يؤمنون بوحدانية الله وهو رب هذا الكون وخالقه. وبأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه (ص), وهم بذلك يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. كما يوجبون الإيمان بها مجتنبين التشبيه, معتقدين أن الله لا يشبه شيئاً في صفاته صفات الخلق, ولا ذاته كذلك, كما ورد في القرآن: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). “سورة الشورى” (الآية- 11) .  

     كما يعتقدون أن الله وحده فقط هو المستحق للعبادة, ولا تصرف العبادة إلا له, ويُجبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً ومعبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل.

     إن طبيعة التوحد وفق تصورهم ترى أن الأمور كلها من الله , وهذه رؤية تلغي النظر إلى الأسباب والوسائط. فهم كما اشرنا لا يرون الخير والشر إلا منه. وإن صُرف أي شيء من العبادة لغيره أو اتخذ من الخلق أنداداً ووسائط بينهم وبينه فهو شرك بالله . (14).

     هكذا نرى أن عقيدة التوحيد لا تقف عند حدود الإيمان واليقين بالله فحسب, بل تمتد لتطبع الفكر الإسلامي بالنظر والتأمل والإدراك والوعي بهذا الإيمان واليقين بالله .

ثانياً  القضاء والقدر:

      إن مسألة القضاء والقدر من المسائل الإشكالية في تاريخ الدولة العربية والإسلامية, فمعظم الصراع السياسي والعقدي كانت مرجعياته الأساسية التبريرية هي قضية القضاء والقدر.

     إن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونية التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتمية لكل ما يجري بالكون دون استثناء,. ومن السنن الكونية تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائية التي تُسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى هو من أوجد الكون وخلق ما فيه وما سيخلقه, وهو من يسيره بمشيئته أو بقضائه, بقوله كن فيكون (الأمر المباشر) وبالسنن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.(15).

     أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. أي هو مسجل ينتظر القضاء أو الحكم للتنفيذ. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب.(16)

      وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس كما يقول بعض مشايخ السلفية وأئمتها, مسؤولان عن الطريقة التي يسخران بها ما أنعم الله به عليهما من نعم لا تُعـد ولا تحصى. وترتكز هذه المسؤولية وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتمية أو ما نسميه بالسنن الكونية. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلـق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على  السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يختار منها، ولا يختار إلا بإذنه تعالى.

     يؤمن السلفيونً إذاً بالجبر على خيره وشره, وللجبر عندهم مراتبه وهي:

     آ- العلم : هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء, بما كان وسيكون ومالم يكن .

     ب- الكتابة : وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل  ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ  حتى قيام الساعة.

     ت- المشيئة: يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن.  ولا يحدث شيء صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته… وهم يفرقون بين المشيئة “الكونية”, والمشيئة “الشرعية”, فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً, فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أو لم يفعلوه .

     ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق, فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته, فذلك هو القدر, وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر, فذاك هو القضاء .(17). ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه, وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان, وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذه هي نظرية الكسب عند الشاعرة.

ثالثاً الإتباع:

تُكمل شهادة (محمد رسول الله) عند السلفية بالأمور التالية:

     1- بأن الرسولمُبلغ عن ربه, وأنه قد جاء بوحيين : القرآن والسنة.  وأن محمدا (ص)لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه. ويدخل في أقوال الرسول جميع أحكام التكاليف من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وأن الدين هو المنهجوالطريق والصيغة العامة لسير البشرية وليس التقرب فحسب٬ والرسول هو المشرع بأمر الله٬ في جميع شؤون الحياة, وهو المعصوم عن الخطأ أو الذنب.(18).

     2-  الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر, وهي للرسول, ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه ٬ ومن قدم قولا لأحد علي قول الرسول فقد أساء وتعدى وظلم, وخالف الإجماع .ولا تكتمل هذه المتابعة إلا بكمال الحب له.ومما يُؤسف له في أوساط المسلمين كما يقول بعض أئمة السلفية, أنه قد ضعفت المتابعة٬ وخبا ذلك الحب لرسول الله, حيث راحت تظهر جملة من الأمراض الفقهية التي تسيء لإطلاقية الإتباع ومنها:

أ)- القول بتجاوز التقليد المطلق.

بـ)- الإفتاء بغير علم ولا دليل,  في أمور الشريعة وفي أمور الاعتقاد والغيبيات .
ج)- عرقلة طريق دراسة القرآن والسنة.

د) إيقاف العمل بالشريعة في كثير من النواحي.(19).

      ملاك القول في هذا الاتجاه: إن رؤية السلفية في أحكام الشريعة الإسلامية  تتجسد في التالي: ضرورة وجوب إفراد الله بالحكم والتشريع , وان أحكام الشريعة الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. وأن من أشرك أحداً من خلقه سواء كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سطان أو مجلساً تشريعياً أو أي شكل من إشكال السلطة المدنية  فقد أشرك بالله. بيد أنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده هو تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو غرض دنيوي, وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلامية ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية قومية كانت أو ليبرالية أو يسارية.

كاتب وباحث من سورية…

الدكتور ..عدنان عويد  .. لنشرة المحرر..23 ماي 2014