الطبقات المتوسطة: من تكون؟

الحكومة المغربية تركت الفئات الوسطى مهجورة

سعيد الرباعي

 

 

تساعدنا هذه الدراسة النوعية على الإحاطة بإشكالية الطبقات المتوسطة من خلال الأرقام والقيم. فانطلاقا من الإحصائيات الرسمية أو المقتطفة ومن مجموعة كبيرة من الحوارات، تكاد محتويات الدراسة ضبط مسألة معقدة تتعلق بتحديد الطبقات المتوسطة: من هي؟
وقد جاءت هذه الدراسة لتكون الأولى ضمن سلسلة تتناول هذه الطبقة، بعد مجموعة من الاجتماعات التمهيدية، للتفكير في إنجاز أبحاث في هذا السياق، حسب مجلة « دراسات واستطلاعات للرأي «.

اختار الباحثون طريقهم انطلاقا من ملاحظة كون الطبقة المتوسطة، في المغرب، لا تحدد نفسها. ومن هنا صعوبة التحديد القبلي المن ينتمي إليها. فتمخضت فكرة التحدث إلى أولئك الذين يقضون معظم وقتهم في محاولة تحديدهم، تمثلهم وتعريفهم.
أُنجزت منذ مدة دراسة تمهيدية لتحديد قيم الطبقة المتوسطة. ويتحدث الباحثون عن الفرضية التالية: بحكم انشغالاتهم، فمنتجو الرأي ومتزعموه هم من يكشف عن أساليب العيش وطرق التصرف الخاصة بالشرائح المتوسطة. فالبنكي، المطعمي، بائع السيارات، رجل الإشهار، كاتب الرأي، المنعش العقاري كلهم « يُوضعون « الأذواق والأراء الذين هم حملتها ذاتيا أو، على الأقل، ملاحظوها المدربون.
ويجد اختيار هذه المقاربة، التي تمزج بين الإحصائي واللاإحصائي، مبررها في طبيعة الشرائح المتوسطة نفسها، التي يكون من الأحسن التحدث عنها بصيغة الجمع، والتي يجد الباحثون في العلوم الاجتماعية صعوبة في تحديثها باعتبارها مجموعة متجانسة، حاملة لمشروع اجتماعي، أي لثقافة أحادية متراصة.
ومن الواضح، حسب ألان تورين، أنه مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، كان المجتمع ما بعد الصناعي « يسجل عبور مجتمع عمودي، يسمى طبقة، لها أناس في الأعلى وأناس في الأسفل، نحو مجتمع أفقي، أهم ما فيه معرفة إذا ما كنا في المركز أو في ضاحيته «. وعلاوة على كون المجتمع المغربي مركب ومنضد على نحو مختلف، فمفهوم هذا المركز، حيث توجد هذه الطبقة المتوسطة الذائعة الصيت، ليس مستقرا، كما أنه ليس متجانسا. ويتحدث بودلو ومالمور عن « كتلة لزجة أكثر سيلانا من الطبقات الاجتماعية التي توجد على أطراف المجتمع «. أما بالنسبة لبيير بورديو، فهو يعرف الطبقات المتوسطة على أنها « الجزء المتحرك ضمن التنضيدات الاجتماعية، الجزء المتحرك ضمن هيكل أكثر استقرارا مما نعتقد (عموما، جل أبناء العمال يصبحون عمالا، المستخدمون ينجبون مستخدمين، وأرباب العمل ينتجون أرباب عمل … ( «. وأخيرا، يعتقد روزانفالون، عن صواب بأن المجتمع الذي ينعت بكونه مجتمع الطبقات المتوسطة يتسم بوجه خاص بإعادة تنظيم مدهشة لأنماط التفاضل. « لم تعد هذه الأنماط جماعية فقط (إذا ما تناولناها من حيث المداخيل، الديبلومات، إلخ(؛ إنها تصبح أكثر تفردا. وتبدو الإحصائيات التقليدية غير جديرة لوصف هذا الكون الاجتماعي الجديد، المذرى والمفردن أكثر، ذي المحيطات المتقلبة أكثر وغير المستقرة أكثر…».
يريحنا هذا ، نظريا، في ٍاينا القبلي الميتودولوجي (الدراسة لنوعية ). بالفعل. إن تحديد هذه الفئات الاجتماعية يتطلب بالضرورة تحديد وبروز ممارسات التفاضل، الاستهلاك، التعبير عن الرأي، أكثر من البحث عن الشعور بالانتماء أو التوقع الاجتماعي المثبت في تراتبية ما. وينبغي التفاهم حول التحديد. إجمالا، يحدد السوسيولوجيون صورتين تتحدد من خلالهما الشرائح الاجتماعية المشار إليها: صيرورة صاعدة للشرائح الفقيرة، تعتمد المصعد الاجتماعي من خلال اكتساب رأسمال دراسي والثانية، وهي معروفة بشكل أفقي، نازلة، بفعل تشظي و « تقهقر « بعض الشرائح البورجوازية او المنتسبة إليها.
لكن، هل يمكن التأكد من مدى صحة هذه المقاربة فيما يتعلق بالواقع المغربي؟إن المسألة تبدو غير مقبولة أكثر بما أن الطابع الآلي لهذه الشرائح غير المستقرة أونطولوجيا، يختزل وضوحها على نحو مرعب. وفيما يتعلق بأطروحة الحركية، الصاعد والنازل، سيكون من المهم التذكير بأن المغرب، خلافا لتونس، لم يعتمد تاريخيا على المدرسة لتشجيع الصعود الاجتماعي المكثف. ربما ذلك ما يفسر أفضلية لفظ النخبة، في السياق المغربي. إنه أمر عاد، بما أن تشكل النخب قبل وبعد الاستعمار يبدو وكأنه إعادة إنتاج وإعادة اعتبار للنخب القديمة، أكثر مما هو صيرورة حقيقية للرقي وللبروز. تلك، مثلا، حالة البورجوازيات الفاسية التي تواصل دائما احتلال وإعادة احتلال مواقع القوة، سواء في الوظيفة العمومية أو في الاقتصاد، محولة بذلك و « معيدة تحويل « رأسمالها الثقافي، الاجتماعي والاقتصادي. ذلك صحيح في الاتجاه المعاكس، كذلك. لأنه كان هناك، خلال المدة الطويلة للقرن الصناعي بالمغرب، شكل طبقة متوسطة تنحدر تدهور (بالمعنى الفيزيقي الصرف، وليس المعنوي) لتلك البورجوازيات الحضرية « النازلة «، في الوظيفة العمومية بوجه الخصوص. إن الفئات المنحدرة من العوالم الرأسمالية القديمة لا تختزل في الفقر والهشاشة، كل ما هناك أنها تحولت إلى جماعات غير منتجة من وجهة نظر صناعية ورأسمالية.
بموازاة تلك النخب الحضرية، يبدو أن منطقين كانا وراء البناء البطيء للطبقات المتوسطة. أولا، الولوج المحدود لأبناء الأجساد الوسيطة للوظيف العمومي (الحوض الرئيسي للترقي ما بين الستينيات والثمانينيات) إلى نظام دراسي نخبوي، كفيل بالإسهام في استقلاليتهم. ثانيا، الأثر المفارق للتحالفات الأمومية.
تشتغل تلك التحالفات كما لو كانت محركا للترقي الاجتماعي، في حالة زواج أفراد مستقلين ومندمجين اقتصاديا، حين يتزوج إطاران ساميان وكمبطء للمصعد الاجتماعي في خالة الأبوة الواسعة، الذرية الكثيرة أو الزوجة التي تُختزل في الدور المستهلك لربة البيت. إن أشكال التضامن هذه، التي ترجع إلى القبيلة، الجماعة أو الأسرة، توضح أنه يوجد في المغرب – وهذه إحدى سمات التعقد التي تطبعه سوسيولوجيا – ما يشبه شريحة اجتماعية، إمكانياتها الموضوعاتية لا تساعدها على الخروج من الهشاشة أو وضعية دائمة للبقاء، رغم مستويات الدخل ورغم رأس المال الدراسي المهم أحيانا.
إن عناصر تفكيك الرموز هذه، مقرونة بالأثر غير المباشر لتحويلات المهاجرين على ترسخ بعض الشرائح وسط الهرم الاجتماعي، لا يمكنها تبديد الشكوك، اللايقين والتخمينات المسترسلة، فيما يتعلق بكتلة وبوضع الطبقات المتوسطة في المغرب. إن تقرير الخمسينية، الصادر خلال شهر يناير 2006، يتحدث عن « سلسلة من الشرائح والطبقات غير المحددة بشكل جيد… لم تعط البلد طبقة حقيقية، بمعنى طبقة متجانسة، لها وعي بالانتماء المشترك، الوعي الذي كان بإمكانه أن يلعب دور المحرك في الدينامية الاجتماعية «.
ولكي تتضح الأمور أكثر، سنباشر دراسة نوعية عبر مرحلتين. في المرحلة الأولى، تم إجراء حوارات فردية مع حاملي الرأي (مدراء الجرائد، رجال الإشهار، الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني)، منتجو الخطابات الموجهة إلى تلك الطبقات، مع الفاعلين الاقتصاديين (بنكيون، منعشون، مهيئون، إلخ)، حملة المشاريع التي تستهدف تلك الطبقات بوجه خاص. وانطلاقا من أنماط العيش كما وضعتها الحوارات، حددنا أعراف الطبقات المتوسطة، على مستوى المصاريف وأنماط الاستهلاك. انطلاقا من ذلك، أجرينا دراسة إحصائية، تتقاطع مع العديد من المعطيات الرسمية، بغرض وضع سيناريوهات معقولة. كم عددهم؟ كيف يصرفون؟ هذه الأسئلة المتواترة، في غياب دراسة، في الوقت الحالي، لم تقدم أجوبة محددة على أسئلتنا، أجوبة تكون شاملة ومسنودة. وفي غياب الباروميتر الكفيل، لجأنا بدورنا إلى تقدير، منسجم مع أنماط السلوك كما وضعتها دراستنا حول القيم. يساعد ذلك، بتدبير تقاطعات بعض المعطيات الوطنية، تحديد عدد المواطنين الذين تمكنوا من السفر، من شراء سيارة، من امتلاك عقار… إن هذه المؤشرات المرقمة، التي ينبغي إسنادها وتصفيتها (بناء على المعطيات شبه الرسمية، غير المهيكلة، التي لا نجدها ضمن فئات الإحصائيات المتوفرة)، لا تشكل سوى هذب أول من الدراسة.
انطلاقا من الحوارات الكثيرة المحصلة من خلال هذا العمل، سنحاول، اعتمادا على الاشتغال على المعجمي، تحديد محيطات تلك الشرائح المتوسطة على مستوى القيم، الإيثوس ونمط السلوك، وكذلك تموضعها في الفضاء العمومي ومكانة المرأة داخل هذا الطيف الذي لا يزال ملغزا. سنستكشف بذلك فرضية معقدة: أنماط عيش هذه الفئة الاجتماعية وتطلعاتها هي، في جزء منها، من صناعة حملة الميول، عبر الإشهار.

انطلاقا من السؤال الرمز لهذه الدراسة (الطبقة المتوسطة: من تكون؟ )، يطلعنا هذا العمل التمهيدي على الوظائف التي يزاولونها، تزاولنها، إلا أنه لن يتمكن من تقييم الحصة غير المهيكلة من العائدات والحصة غير المعقلنة من المصاريف. لن يفيدنا كذلك أين يقيمون، أي حي تقريبا. إن هذه الخرائطية، الدقيقة والثمينة، قد تكون نتيجة مشروع البحث الذي نفكر في إنجازه على مدى ثلاث سنوات. بالمقابل، فإنه سيعرفنا على أنماط عيشهم، على أعرافهم، جزئيا على أنماط التموضع التي يتبنونها بالنظر للشأن العام، وبعددهم المفترض عرضيا.
بعد الخطاب الملكي لـ 20 غشت 2008، كان علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ، وبشكل جدي، تلك الطبقات المتوسطة التي ظلت مهجورة لفترة طويلة، فالحكومة تترصد المعلومات والدراسات الدقيقة حتى لا تخطئ الهدف. وتستبعد كل وزارة لتقديم عناصر الرد على سياسة مطلوبة من السلطة العليا. في المجتمع المدني، استرجع الموضوع راهنيته، بدافع الحاجة إلى بعث الدينامية في المواطنة المنكسة. أما بالنسبة للأحزاب السياسية، وبما أن سياق ما قبل الانتخابات يفرض ذلك، فإن الحاجة للإلمام أفضل بتلك الطبقة المتوسطة النفيسة والمنتشرة، الزبون المثالي لميكانيزمات التمثل، تخلق طلبا متزايدا للمعلومة.
يمكننا تناول هذه المعطيات باعتماد معيار آخر، قد يكون معبرا أكثر من المهنة، مستوى الديبلوم. سنة 2004، كانوا حوالي 670.000 لهم مستوى عال أو معادل للباكالوريا. كما أنه من المهم أن نشير أنه، بالنسبة للأطر المتوسطة مثلا، هناك 187 من بين 478.000 لهم مستوى يفوق الباكالوريا، أي ما يزيد عن 39 في المائة من هذه الفئة… ومع ذلك، فنحن لا نزال بعيدين عن العوالم الاجتماعية التي نحاول تحديدها. لأنه، حتى لو كانت هذه العوالم تمثل أقلية، فإننا نجد بداخل هذا المركز الصغير تباينات كثيرة… ويمكن الوقوف على ذلك من خلال المعطيات المتعلقة بالأجور ومستويات الدخل.
في الوظيفة العمومية المغربية مثلا، نجد، بغض النظر عن العلاوات والمكافآت الاستثنائية، أن الأجور الشهرية تتنوع تبعا للوضعيات والوزارات المشغلة. كما أن شروط العيش متنوعة حسب العزوبة أو الزواج، وجود أبناء أو عدم وجودهم، الإقامة في الوسط القروي، الحضري أو المرتبط بالعاصمة. لنحاول تقديم وصف دقيق: عضو في القوات المساعدة، متزوج وأب لطفلين يتقاضى كأجر شهري صاف 2475.73 درهم، كاتبة ( أو كاتب ) في الإدارة العمومية، متزوجة وأم لطفلين تتقاضى 2312.61 درهما. أستاذ جامعي، متزوج وأب لطفلين، يمكن أن يتقاضى راتبا شهريا صاف يختلف، تبعا للدرجة، من 12388.71 إلى 24473.83 درهما. مفتش في المالية، عضو المفتشية العامة للمالية، متزوج وأب لطفلين، يتقاضى راتبا شهريا صاف يختلف، تبعا للدرجة، من 3727.35 إلى 21617.65 درهم.
يساعدنا هذا الجرد على أن نفهم، حين تتراوح التكلفة السنوية للتمدرس في مدرسة خصوصية لها مكانة بين 15000 و 20000 درهم ( تقدير إجمالي بناء على استطلاع محدود للرأي)، وأنه يرتفع في البعثة الفرنسية بالنسبة للتلاميذ المغاربة إلى 25272 درهم ( في الحضانة ) و 30456 درهم ( في الثانوي )، وعدد الموظفين القادرين على توفير هذا التمدرس العالي الجودة لأبنائهم لا يتجاوز بضعة آلاف: لا يكفي، إذن، أن يكون الإنسان عضوا في الوظيفة العمومية لكي ينتمي إلى الطبقات المتوسطة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار التحديد الذي نقدمه لها في هذا الملف: التمكن من القيام بحركة ترقي اجتماعي، بالنسبة له أو لأبنائه.
إن اللايقين والغموض الذي يلف هذه الفئة يكمن بالتحديد، إذن، في التوترات التي يمكن أن تُولدها شروط الحياة الشديدة التباين.
ولختم هذا الوصف الإجمالي لهذا المشهد الاجتماعي المغربي، نشير إلى أنه فوق هذه الشرائح المتوسطة، يُقيم أولئك الذين يمكن أن ننعتهم بالميسورين، لأنهم يتوفرون على شروط حياة مريحة و، في الوقت نفسه، لأن بإمكانهم التفكير في التحكم نسبيا في المدى البعيد، أي أن يجعلوا مستقبلهم أفضل. بإمكانهم تحقيق ذلك، إما بتوفير دراسات طويلة تنتهي بديبلومات لأبنائهم، أو باقتناء ممتلكات، عقارية بوجه الخصوص، أو بهما معا…. لندع قمة الهرم، المتمثلة في الأثرياء حاليا، ولنعد إلى الحيز الضيق.
يمكننا التصريح إذن بكل بساطة: إذا كان هناك عالم غامض اجتماعيا به موظفون صغار ومستخدمون في القطاع الخاص، حتى الأطر، العمومية والخصوصية، يشكل طبقة متوسطة، محمية من الهشاشة، فإنها تعبها حدود دقيقة جدا، حواجز مرتفعة، بين أولئك الذين يتوفرون على وسائل الحركية الاجتماعية والتحسين الدال لشروط عيشهم، وأولئك الذين لا يتوفرون عليها. تبعا لوضعية الزوج، عدد الأطفال المتكفل بهم، عبء التبعية الأسرية ومكان الإقامة، وأخيرا تبعا لإمكانية ولوج، علاوة على الأجر، مداخيل أخرى ( مكافآت، أرباح خارجية…)، فإن الاختلافات لن تهم اليسر فقط، بل هي عصية اجتماعيا لأنه، في حالة تكافؤ الدخل والوضع، ستتوفر للبعض إمكانيات الحركية الاجتماعية، لا سيما بولوج أبنائهم إلى التمدرس في مؤسسات خصوصية، لن تتوفر لغيرهم.
سنة 2008، تسجل 9000 تلميذ مغربي، في مختلف الأٌقسام، في إحدى مؤسسات وكالة التعليم الفرنسي بالخارج، من المدراس المُقدرة والمرغوب فيها أكثر من طرف الآباء المغاربة. إنه رقم مؤكد يحدد لنا مدى ضيق الساعة الرملية.
وحتى بالعمل على توسيع الإطار المرجعي وتبني تفضيل مرن للطبقات المتوسطة، فإننا سننتبه إلى أن عدد التلاميذ المسجلين في مدارس عليا يمكن أن تقودهم إلى سوق الشغل يظل مثيراة للسخرية. في فترة الدخول، يجد 22456 من بينهم أنفسهم في التعليم العالي الخصوصي. ليست هناك أية دراسة موضوعية تساعد على تقييم عدد المتخرجين المدمجين في سوق الشغل. لكن، إذا ما أخذنا حالة مدرسة محاطة بالاعتبار في السوق، فإن آخر الإحصائيات ( 2008 )، تفيدنا أن دفعة حاصلة على الباكالوريا + 5 تفقد في الطريق نسبة 25 في المائة، ولا يلج منها سوق الشغل سوى 70 في المائة ( بعد ثلاثة أشهر ). وينبغي أن نعلم بأن بعض الحاصلين على ديبلومات مطلوبين كهؤلاء لا يجوبون الشوارع، لكن قليلون هم الذين يتخرجون سنويا ولهم حظوظ كبيرة لإغناء تكوينهم في عمل يمنح اعتبارا إضافيا. إضافة إلى ذلك، فعدد خريجي المعاهد والمدارس العليا المغربية، التي يُفترض فيها تشغيل مصعد الترقي، لا يتجاوز 3739 شاب إطار ( مهندسون، مديرو أعمال مؤسسات، صحافيون… ). إن برنامج 10000 مهندس يحاول إخفاء هذا العجز، لكن الطرق المختصرة التي يتبعها (عدم تكافؤ التكوين بين الجامعات والمدارس) يدفع إلى الارتياب.
هناك طريقة أخرى، مجملة وغامضة إحصائيا بدورها، لتوضيح هذه الفئات، تمر عبر وصف السلوكات، العادات الاستهلاكية، ومظاهر العزل التي تترتب عنها. مؤكد، مثلا، أن امتلاك جهاز تلفاز متحرك لم يعد مميزا ( أواخر ستنبر2008 كان هناك 22461 ألف منخرط، حسب معطيات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة). مع ذلك، وحين نتفحص نمط الاشتراك، فإننا نلاحظ أن 96.04 في المائة اشتراكات مسبقة، مقابل 3.96 في المائة مع الأداء البعدي. إجمالا، 2.86 في المائة من المواطنين المغاربة بإمكانهم أن يوفروا لأنفسهم « ترف « اشتراك طويل المدى ( ما بين 12 و 24 شهرا ) لهاتفه المحمول. إن نمط الاشتراك هو الذي « يصنف «، أكثر مما هو امتلاك جهاز متحرك…
مثال آخر،، الاشتراك في الأنترنيت. تفدينا أرقام المشتركين، حتى حدود 2007، فيما يتعلق بثلاثة مؤشرات لليسر: امتلاك حاسوب، امتلاك خط هاتفي وانخراط لمدة طويلة. 15 في المائة من المواطنين المغاربة كانوا يتوفرون على حاسوب بمنازلهم سنة 2006، 1.3 كانوا منخرطين في الأنترنيت خلال الفترة نفسها، أي 390 ألف؛ مؤكد أن الأرقام انفجرت سنة 2008، بما أن عدد المنخرطين في شبكة الأنترنيت تضاعف، حولي 689545 خط.
لنقترب أكثر من هذه الفقاعة. إن إدخال خدمات الأنترنيت 3 ج إلى المغلرب منذ أبريل 2007 يفسر ذلك الانفجار. كان هناك 200306 مشترك في خدمات الأنترنيت 3 ج آخر شتنبر 2008، أي بزيادة 512.12 في المائة في غضون سنة. والحال، أن نقطة الضعف تكمن هنا. يمكن لهذه الخدمات أن تتم من دون التزام أو اشتراك، كما أنها لا تفرض وجود خط هاتفي ثابت، بل إنها تتيح إمكانية تعبئة الاشتراك ليوم واحد وبمبلغ 10 دراهم. بل إن أحد الفاعلين في المجال يوفر حاسوبا بمبلغ زهيد، مقابل انخراط في خدمات 3 ج. وعليه، فإن الاشتراك في الأنترنيت لم يعد يعتبر كمؤشر جدير بالتصنيف الاجتماعي.
الأمر نفسه، وقد يكون مدهشا أكثر، يتعلق بممتلكي السيارات السياحية: كانوا 88020 سنة 2005 يقتنون سيارة جديدة و 295841 يقتنون سيارة مستعملة، ضمن عدد إجمالي بلغ 1477330 سيارة خلال نفس السنة. في المغرب، لا تزال السيارة، وبخلاف معيار الدول المتقدمة، ملكية مميزة. مؤشر آخر، وهو واضح أكثر، بخصوص القروض البنكية: 116585 من الخواص حصلوا على قرض سنة 2006، وقد يبدو هذا ، في التمثل السائد، معيارا استراتيجيا أكثر لتحديد سلوك « الطبقات المتوسطة «. إنها علامة خفض، هذا الرقم الضعيف للمستفيدين من القروض الاستهلاكية يشمل كذلك أصحاب طلبات مناسباتية ( الدخول المدرسي، عيد الأضحى…). غير أن الحصول على قرض، في هذه الحالة، يكاد يعطي أحيانا ما يشبه الانتماء ( إلى الطبقات المتوسطة )، لأن الأشخاص المعنيين يجدون صعوبة في التخلص منه.
ينبغي أن نسجل أنه في قطاع القروض الاستهلاكية، وكذلك في بيع السيارات، فالدخل الذي يُعتقد أنه يرتبط بالطبقة المتوسطة يبتدئ ب 2500 درهم شهريا، بعد أداء الديون كلها. وبعض شرائح الطبقة المتوسطة تشكل الفئة الاجتماعية المدينة أكثر للأبناك في هذا الاتجاه، الأكثر عرضة لعدم استقرار الأسعار الاستهلاكية، لأنها ملزمة بأداء ديونها.
هناك معيار آخر مميز أكثر، العط، وأكثر من ذلك الأسفار إلى الخارج، أوروبا بوجه الخصوص: 243672 مغربي حصلوا سنة 2005 على تأشيرات سياحية لدخول بلدان منطقة شينغن، أي 0.82 من مجموع المواطنين المغاربة. خلال السنة نفسها، كانوا أقل 1.9 مليون مغربي يغادرون التراب الوطني، 600 ألف منهم على متن الطائرة.
في النهاية، وكيفما كان المعيار الانطباعي أحيانا للمعطيات المجمعة، فهي تساعد في تسليط الضوء على ما سميناه أثر الساعة الرملية. ومهما تمكنا من تحديد سلوكات الطبقات المتوسطة، في المجتمع المغربي، فهي، تمثل أقلية، مميزة وعازلة، أكثر مما هي صاحبة تأثير على القاعدة.

انقلاب الأعراف

سيكون من الاختزال أن نعتقد بأن مجموعة اجتماعية لا تتحدد إلا من خلال مكوناتها السوسيوديموغرافية. إن المجموعات الاجتماعية بمثابة فاعلين جماعيين بنفس قدر تمثلاتهم، الأعراف، بل الاستيهامات التي تنبي باسم تلك المجموعات.كذلك هو الأمر بالنسبة للطبقات المتوسطة التي اقترنت بوجه خاص، على مدى تاريخها ( القصير )، بتيمة التقدم، المصعد الاجتماعي. وقد استُخدمت في الأـخير كحجة سوسيولوجية نستبدل بها نظرة ديداكتيكية وثنائية للمجتمع: بين الورجوازية والبروليتاريا، بين الاُثرياء والفقراء، وغالبا ما أفادت الطبقات المتوسطة، في الأدب السياسي كما في العلوم الاجتماعية، في التفكير بشكل مغاير يتحدث في التضاد، التراتبيات و التقطيعات الاجتماعية.
إن البحث الذي أجريناه كتكملة لهذا الملف، حول التمثلات وتجميع الأفكار التي كان بالإمكان أن يثيرها لفظ الطبقة المتوسطة، كان يهدف إذن إلى إكمال المقاربة السوسيوديمغرافية بتحليل للأعراف والقيم المرتبطة باسم الطبقات المتوسطة.وقد بدا لنا أن أحسن من يمكنهم مساعدتنا في بناء مناخ الأعراف والقيم هم الذين يتعاملون معهم مباشرة، بحكم مهنتهم ودورهم في المجتمع: بنكيون ممونو قروض، أرباب مؤسسات صحافية منشغلون بقرائهم، زعماء أحزاب سياسية يبحثون عن ناخبين، منعشون عقاريون…
كل الأنماط التي التقيناها تضع كهدف لها الطبقة المتوسطة. والاهتمام الذي يتم إيلاؤه لها يختلف من شخص إلى آخر، وليس من قطاع إلى آخر. مثلا، بعض الفاعلين الاقتصاديين، كمروا، أطلقوا علامة تجارية موجهة للطبقة المتوسطة بوجه الخصوص. آخرون، كطويوطا، يخصصون مجموعة من المنتجات للطبقة المتوسطة. في الحالتين معا، يتم تصور المنتوج وسعره بحيث يكون مرغوبا فيه وفي متناول تلك الفئة من المواطنين. لقد جمعنا، إذن، 350 صفحة من الحوارات، نظمناها حسب مناهج التحليل المعجمي، لكي نستخرج منها فقط القاموس المبني على حجج تشكل- أكثر من رؤية للطبقات المتوسطة في المغرب الحضري المعاصر ? تمثلا للمجتمع المغربي الذي تتطور تلك الطبقات المتوسطة فيه. لكن، لنكن واضحين، من الصعب الحديث عن جزء دون بناء الكل. بصيغة أخرى، إنه شبه مستحيل أن نحدد، ننتقد أو نناقش الطبقات المتوسطة دون استحضار وبناء كل طبقات المجتمع المغربي، والقيم التي نقرنها بها، إيجابيا أو سلبيا وقبليا.
* الطبقة المتوسطة مهمة، لأن بإمكانها لوحدها أن تمثل جزءا كبيرا من التغير المنتظر في المغرب؛
* هناك قيم تميز المجتمع المغربي، وهي تستمر وسط الطبقات المتوسطة، كالقيم العائلية، الدينية.
* الطبقة المتوسطة هي الآخر، المتعذر تحديده
المفاجأة الأولى والمفارقة الأولى: لا يستعمل أي واحد من مخاطبينا ضمير « نحن « للحديث عن الطبقات المتوسطة، في حين أنه كان عليهم ذلك إذا ما نظرنا إلى مستوى الديبلوم، الدخل أو الموقع في المجتمع. بل إن بعضهم يصر « لا أريد أن أكون ناطقا باسم أحد «. يتحدثون إذن عن « هم « أو « هن «، وليس عن « نحن «. وعلى نحو ما، تقدم هذه المسافة الأسلوب العام للكلام، لأن وضعية الطبقات المتوسطة، كما يتم الحديث عنها وضعية مزدوجة، وضعية عدم وجود تقريبا. علاوة على الأسلوب الكئيب عموما الذي يتم الحديث به، فإن الطبقات المتوسطة ظاهرة غريبة، متقلبة. وإذا ما أجرينا تصنيفية سريعة لوجهات النظر، نجد ثلاث فئات كبرى من الحجج: الطبقات المتوسطة غير موجودة أو هي كذلك تقريبا، إنها مستقبلية، قادم محتمل. هي موجودة إلا أنها ضعيفة إلى حد أنه ليس لها أي دور وأي وضع اجتماعي، سياسي أو ثقافي، وتجد صعوبة كبيرة في التعريف بنفسها في معظم الأحيان. أخيرا، هي موجودة إلا أنها تهرب، تختفي أو تنتقل أو تهاجر كل ما أمكنها ذلك، ولوعن طرق الحلم، و هو ما يمثل سلفا طريقة للغياب، ولو عبر الفكر.
– هناك طبقة متوسطة تطورت منذ سنوات لم تكن لها أهمية كبيرة إلا أنني أعتقد أنها ستصبح كذلك إلى حد ما.
– لم يتبدد الضباب بعد لكي تبرز.
– إنها غائبة على المستوى السياسي.
– الطبقة المتوسطة ضيقة ومجملة.
– الطبقة المتوسطة بصدد التكون.
– يمكننا الإحاطة بها بصعوبة، أن نفهم بالتحديد ما هي تطلعاتها العميقة، بماذا تؤمن.
– هل ترى نهاية النفق فعلا؟
عن دراسة علمية حول الفئات الوسطى

 

عن جريدة .ا.ش

24 ماي 2014