من قتل الطبقة الوسطى؟

بقلم.عبد الحميد جماهري

لا أحد سيطالب بدخول الدولة إلى السجن: لأن الدولة، لا تدخل السجن حتى وإن قتلت طبقة بكاملها.
أن تقتل شخصا واحدا فأنت مجرم،
أن تقتل طبقة بكاملها فأنت مجرد سياسي براغماتي، أو حاكم لا يحب المعارضة، أو دولة تخاف من آثار النعمة على رعاياها،
ولا تدخل السجن ..
اليوم، بنكيران يواصل السياسة نفسها التي دفعت إلى خروج الطبقة الوسطى من معادلة بناء الدولة الحديثة، وتعويضها باللاطبقات!
في مغرب الستينيات والسبعينيات كانت الطبقة الوسطى ذات ملامح ووجود، كانت ذات فكر وأحزاب،
كانت الطبقة الوسطى تحمل أي أيديولوجيا وتفكر في التاريخ ، بل تصنعه، وعيا أو حدسا.
لم يكن ذلك يتماشى مع الفقه السلطاني للدولة. لذلك كان لابد من موت رجل الطبقة الوسطى .. وميلاد رجل الرعية..
ففسدت السياسة وفسدت النقابة وفسدت الدولة: لأن هذه الأخيرة،بالرغم من كل أوهامها لا يمكنها أن تكون قوية وصالحة بدون طبقة وسطى، باعتبارها قوام الحركية الاقتصادية والفكرية والمطلبية.
ففي الدول التي تسير بشكل سليم، تلعب الطبقة الوسطى المحرك الأساسي للاستهلاك والاقتصاد، وهي مدربة على التفكير العقلاني، عندما تكون في تواصل مع عصرها.
ولا يمكن أن نتوقع أية تنمية في غياب الطبقة الوسطى.
والحاصل اليوم أن هذه الطبقة ، كما عبرت عن ذلك كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، تراجعت كثيرا عما كانت عليه في الستينات والسبعينيات: ازدادت ديونها، وتراجع دورها وتقزمت مساهمتها في التنمية، وعلى المستوى الفكري، هذه الطبقات، أو جزء أساسي منها تحولت من الفكر التقدمي والعقلاني إلى الفكر الأصولي، وأصبحت الفئات، التي حملت الفكر القومي أو الاشتراكي أو النهضوي في القرن الماضي، هي ذاتها التي تحمل الفكر الأصولي وتنحاز إلى الهوية المغلقة.
الملاحظ، أن المندوبية السامية وصندوق النقد الدولي اتفقا على إعلان الحداد الوطني والأممي عن موت الطبقة الوسطى.
تلك الطبقة التي تزداد فقرا، ليزداد التفكك الاجتماعي (اقرأ حوار إدريس لكراوي ضمن ملف العدد). وهو ما يجعل الكثيرين يربطون بين الانتفاضات في دول الربيع العربي وبين دور الطبقة الوسطى، الذي اضمحل حتى عادت الدولة بدون «بارشوك».
وتبدأ الطبقة الوسطي دائما من السياسة العمومية.
قد لا نخلق طبقة النبلاء بقرار أو طبقة الفيودالية بمرسوم حكومي، بالنسبة للطبقة الوسطى لا يمكن أن نتصورها بدون سياسات عمومية هادفة.
وحقيقة ما يقع اليوم هو أن بنكيران (أطلق ثلاث رصاصات) على هذه الطبقة..
طبعا لن يدخل بنكيران السجن، لأنه أطلق الرصاص الحي على طبقة كاملة، لكنه لن يدخل التاريخ، أيضا، لأنه لم يستطع أن يفهم هذه الطبقة، أو يقويها، وهو يخلق كل الشروط لكي تغرق في الديون وتعجز عن ضمان الصحة والتعليم والشغل لفئات واسعة من أبنائها..
التضريب المبالغ فيه، والزيادات في المواد النفطية والقيمة المضافة، والتعطيل الممنهج للترقي الاجتماعي، وبتر الطبقة من محيطها الاقتصادي والامتثال للسياسة النقدية الدولية (التي يعود أصحابها إلى انتقاد الحكومة كما حال لاغارد)، كلها استطاعت أن تزيد من ضعف الطبقة الوسطى في عهد بنكيران..
وأصبح لزاما أن تدخل الطبقة الوسطى إلى البرلمان، وأن تكون موضع نقاش وطني لا يدخله الفقهاء السوسيولوجيون، بل أصحاب القرار في السياسات العمومية..
وعندما يدخل النقاش إلى هذه الدائرة يكون، بالفعل، القرار الحكومي دخل في حياة أو موت الطبقات..

عن جريدة .ا.ش
24 ماي 2014