في اجتماع لجنة الخبرات والكفاءات والأطر الداعمة للفريقين الاشتراكين بمجلسي البرلمان إدريس لشكر: الحزب الذي دفع ضرائب النضال من أجل دستور ديمقراطي لا يمكن إلا أن يكون حريصا، على التأويل والتفعيل الديمقراطي لهذا الدستور

 

الأخوات والإخوة،
يسعدني، أن أعطي معكم اليوم، انطلاقة مأسسة لجنة الخبرات والكفاءات والأطر الداعمة للفريقين الاشتراكي بمجلسي البرلمان والتي يكتسي دورهما أهمية استراتيجية في إثراء عمل واحد من الأذرع المؤسساتية الأساسية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الموكول لها تصريف برنامج ومواقف الاتحاد في المؤسسة التشريعية.
وقبل أن آتي على اقتراح الأدوار الموكولة لهذه اللجنة وهيكلتها، أود أن أذكر باختصار بآليات الدعم التقني التي اعتمد عليها الفريق الاشتراكي منذ استئناف المسلسل الديمقراطي في 1977 بعد أن اعتماد الاتحاد استراتيجية النضال الديمقراطي في المؤتمر الاستثنائي.
وهكذا شكلت نخب قطاع التعليم بكل مستوياته وقطاع المحامين خلال الولايتين التشريعيتين 1977 ـ 1993، الدعامة الأساسية لعمل نواب المعارضة الاتحادية، إذ كانت أطر الحزب على المستوى المجالي بمثابة خلايا مراسلة للفريق تزوده بالمعلومة وبالمشورة، وعلى المستوى المركزي بمثابة المنتدى القار الداعم لعمل المعارضة الاتحادية.
وقد تيسر ذلك بفضل التواجد المكثف للحزب، الذي كان يصل حد الهيمنة (الإيجابية) على إطارات جماهيرية واسعة (النقابات الكتاب وجمعيات المجتمع المدني الصحفيين المحامين والأطباء وأساتذة التعليم العالي).
وقد حصل ذلك في وقت كانت فيه قيم النضال والتطوع والتضحية الحافز الأساسي لدى المثقفين والأطر، والتي كانت تهون أمام قوة القمع وقساوة سنوات الجمر والرصاص، إذ كان المناضلات والمناضلون على استعداد للتضحية بحياتهم وحريتهم وأرزاقهم من أجل الوطن والديمقراطية وبالأحرى بوقتهم ومعارفهم واقتراحاتهم.
وخلال الولايات التشريعية من 1993 إلى 2007، اعتمد الفريق بالأساس على خبرة أعضائه، الذين كانوا في غالبيتهم من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية، وكان حافزهم إنجاح مرحلة الانفتاح (93 ـ 97) ومرحلة التناوب (97 ـ 2002) ثم مرحلة استكمال الأوراش والإصلاحات وتثبيت الانتقال الديمقراطي (2002 ـ 2007).
وعلى إثر انتخابات 2007، عرف الفريق صعوبات كبيرة مردها نتائج الانتخابات التي لم تمكن الفريق من الاطر الحزبية القادرة بنفس الحجم والتجرية الذي كانت عليه في ولايات سابقة.
واليوم يتعين علينا مأسسة عملنا وضبطه وتوثيقه وتدبيره على النحو الذي يضمن النجاعة والجودة ويقوي جذوة المعارضة الاتحادية. ولست في حاجة إلى أن أستعرض معكم سياق اشتغالنا الموسوم سياسيا بتناقض عريض بين، من جهة، ما فتحه ويوفره الدستور الجديد من إمكانيات الإصلاح والدمقرطة والتحديث، ومن جهة أخرى العجز الحكومي عن تفعيل الدستور، في عدة واجهات، وتأويله تأويلا رجعيا أو إفراغ مراميه واستشرافاته من المضمون الديمقراطي والإصلاحي العميق.
ولست في حاجة، من جهة أخرى، إلى تذكيركم بالمهام المطلوبة من الفريقين البرلمانيين، في سياق مثل هذا، ذلك أن الحزب الذي دفع ضرائب النضال من أجل دستور ديمقراطي ومن أجل دولة القانون، تتساوى فيها الحقوق والواجبات، لا يمكن إلا أن يكون حريصا، كل الحرص السياسي، على التأويل والتفعيل الديمقراطي لهذا الدستور من خلال إنتاج قوانين ومؤسسات بهذا التوجه الديمقراطي. وقناة الحزب لتصريف هذه الرؤية هي البرلمان من خلال الفريقين البرلمانيين ومن خلال مقترحات القوانين ومن خلال التعديلات التي ينبغي للفريق تقديمها لتطوير وتجويد مشاريع القوانين. وهنا تكمن المهمة التي ندشنها معكم اليوم.
إنني أقدر معكم حجم اليأس الذي قد يدب في مخيال كل مجتهد ومبادر بالتشريع وهو يصطدم بعاملين: اولا آليات الاشتغال النظام الداخلي لمجلس النواب الذي جاء متراجعا عن كل الانظمة الداخلية للمجلسين، وحتى التي عرفتها سنوات الرصاص فيما يتعلق بحقوق المعارضة أو الاقلية، ثم الرفض الحكومي لمبادرات البرلمان، وهذا الالتفاف المتكرر على مبادراتنا التشريعية. فأنتم تتذكرون حالات مقترح القانون بشأن الحق في الولوج إلى المعلومات ومقترح القانون بشأن تعديل قانون القضاء العسكري ومقترح قانون بشأن إحداث هيئة قضايا الدولة وغيرهم.
وينبغي ألا تثنينا هذه الممارسة التي تتوخى زرع الإحباط في نفوس النخبة والقوى الحية في البلاد، وقتل روح المبادرة والاجتهاد، عن مواصلة مبادراتنا والقيام بالدور التاريخي الذي كان موكولا لنا دوما سواء كمعارضة اتحادية، أو كمدبرين للشأن الحكومي. فقد راكمنا في كلتا الحالتين ما ينبغي لكل اتحادية واتحادي، ومثقف ووطني ومراقب موضوعي أن يفخر به في مجال تمكين البلاد من القوانين التحررية ومن أدوات صيانة الحقوق الأساسية والحريات الفردية والجماعية، وإعمال التضامن وضمان المنافسة الحرة والشريفة وتحقيق الانتقالات المتعددة.

أخواتي إخواني،
نتوخى من هذه اللجنة أن تكون رافعة للفريق الاشتراكي في عمله الرقابي والتشريعي ودعامة له في جعل انشغالات وهموم المواطنين وتفعيل الدستور وصيانة الحقوق، تنعكس في أعماله الرقابية وفي مقترحات القوانين والتعديلات التي يتقدم بها وفي مجموع المبادرات المجتمعية التي يطلقها، وذلك من خلال:

في مجال التشريع
1) تقديم الاستشارة والدعم التقني بشأن التطبيق الأمثل للدستور وتفعيل مقتضياته من خلال صيانة مسودات مقترحات قوانين لفائدة الفريق والتعديلات التي يتقدم بها على النصوص التي تكتسي صبغة استراتيجية، وما يتعلق بملاءمة التشريع الوطني مع مقتضيات الدستور.
2) تقديم الدعم التقني والخبرة للفريق خلال مناقشة قوانين المالية بالبرلمان واقتراح تعديلات مؤسسة ومبررة على مقتضياته.
3) إمداد الفريق بالخبرة في مجال تقييم السياسات العمومية واقتراح البدائل القابلة للتنفيذ
4) تغذية بنك معطيات الأسئلة الشفوية والكتابية التي يتوفر عليها الفريق الاشتراكي.
وينبغي الجمع في كل هذا بين رؤية الحزب للقضايا والإشكالات موضوع التشريع أو المعالجة أو النقض من جهة وتفعيل الدستور من جهة ثانية والاستجابة لتطلعات الشعب المغربي على اختلاف فئات من جهة ثالثة.
وهكذا، فإن الهدف هو تكثيف مشاركة الفريقين عن طريق:
– إعداد مقترحات النصوص التشريعية الكاملة، مصحوبة بدراسة الجدوى والمذكرات التقديمية اللازمة،
– اقتراح تعديل النصوص التشريعية السارية المفعول،
– إعداد الردود حول النصوص التشريعية للحكومة والفرق النيابية الاخرى،
– المساهمة في إعداد الطعون بعدم دستورية النصوص التشريعية والانظمة الداخلية لمجلسي البرلمان،
– متابعة كل ما يتعلق بالقانون المالي (قانون المالية، قانون التصفية).
في مجال المراقبة:
الهدف هو تنويع المجالات التي تشملها المراقبة البرلمانية من خلال:
– تنويع الاسئلة الشفوية واقتحام مجالات جديدة،
– إعداد محاور جديدة تخص السياسة العامة للحكومة،
– اقتراح الاسئلة الكتابية،
– متابعة أشغال اللجان الدائمة عند استماع الى مسؤولي الادارات والمؤسسات والمقاولات العمومية،
– متابعة الآثار المترتبة عن تقارير لجان تقصي الحقائق،
– البرنامج الحكومي،
– التصريحات الحكومية،
– الحصيلة المرحلية لهمل الحكومة،
– المساهمة في إعداد ملتمسات الرقابة وملتمسات المساءلة.
وفي مجال تقييم السياسات العمومية:
الهدف هو ترسيخ اعراف برلمانية في مجال تقييم السياسات العمومية عن طريق:
– رنجاز الدراسات المقاربة للتجارب الدولية في مجال التقييم،
– اعداد الدراسات اللازمة بخصوص السياسات العمومية القطاعية.
مجالات للمتابعة وتحضير المقترحات والدراسات:
– الجهات والجماعات الترابية،
– مدونة الانتخابات،
– التعمير وإعداد التراب وسياسة المدينة،
– توازن مالية الدولة.
بخصوص الهيئات والمجالس الدستورية:
الهدف هو متابعة وإنجاز الدراسات والمقترحات بخصوص:
– المحكمة الدستورية،
– المجلس الاعلى للحسابات،
– المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي،
بخصوص هيئات الحكامة:
الهدف هو التحضير للتقرير السنوي الذي سيكون موضوع مناقشة من قبل البرلمان، ويتعلق الامر بالهيئات التالية:
– هيئات حماية حقوق الانسان والنهوض بها:
– المجلس الوطني لحقوق الانسان،
– الوسيط،
– مجلس الجالية المغربية بالخارج،
– الهيئاة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع اشكال التمييز.
– هيئات الحكامة الجيدة والتقنين:
– الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري،
– مجلس المنافسة،
– الهيئة الوطنية للتراهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
– هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية:
– المجلس الاعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،
– المجلس الاستشاري للاسرة والطفولة،
– المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
مجالس أخرى:
– المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية،
– المجلس الأعلى للأمن،
– المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
أخواتي إخواني
بمنهجية العمل:
ينبغي أن تكون هذه اللجنة متعددة الاختصاصات ومشكلة من أخوات وإخوة، خبراء وأطر، متعددي ومتنوعي الاختصاصات: العلوم السياسية والقانون والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والتدبير والاقتصاد والمالية والبيئة والماء والسكنى والشأن المحلي والمجتمع المدني و إشكالية النوع الاجتماعي والعلاقات الدولية والاستراتيجية والطب والهندسة، وبالطبع قبل كل هذا قضية الصحراء المغربية وكل ما يرتبط بالأمن الخارجي للبلاد وحدودها ومصالحها الخارجية.
وأقترح عليكم أن تتم هيكلة اللجنة على النحو التالي:
1) مكتب اللجنة الذي يختار من بين أعضائه منسقا للأشغال
2) اللجان الفرعية والقطاعية
3) مقررو أو مقررات اللجان الفرعية الذين يتولون تأمين صياغة الأفكار والمقترحات
4) سكرتارية للدعم اللوجستيكي (الرقن والطبع وتوفير الوثائق)
وينبغي أن تجتمع اللجنة على الأقل مرة في الشهر، على أن يعقد مكتبها اجتماعه أسبوعيا، ونقترح أن يكون عشية كل جمعة، استعدادًا لجلسات المجلس واجتماعات الفريقين البرلمانيين التي عادة ما تكون أيام الثلاثاء (جلستي المراقبة) والأربعاء والخميس، وكذا أشغال اللجان البرلمانية الدائمة.
وتيسيرا لأعمال هذه اللجنة ينبغي اعتماد التكنولوجيات الحديثة في تبادل المعلومات والوثائق والاقتراحات وتجميعها ووضع ملخصات تركيبية لمضمونها، على أن يعهد بإخراج هذا العمل في صيغة مسودات مقترحات قوانين أو تعديلات أو أسئلة أو مبادرات أخرى إلى مكتب اللجنة الذي يسلمها إلى رئيس الفريق لتأخذ صيغتها النهائية بعد عرضها على اجتماعات الفريق للمصادقة.
وينبغي أن تنفتح اللجنة في المقام الأول على الأجهزة الحزبية مركزيا ومجاليا، وعلى طاقات الحزب، وعلى هيئات المجتمع المدني والمنظمات النقابية والحقوقية ومراكز البحث وإعمال للتفاعل الجدلي اليومي الذي ينبغي أن يكون للحزب مع مكونات المجتمع.

الإخوة والأخوات،
إنني أقدر حجم المجهود التطوعي المطلوب منكن ومنكم من أجل إسناد الفريقين البرلمانيين، ولكنني في المقابل أدرك وازع النضال الذي يحفزكم والغيرة التي تحرككم ليظل حزبكم ومؤسساتكم صوتا متميزا ويسترجع مكانته التاريخية في المجتمع المغربي.
وفي هذا الصدد، أرى من اللازم تذكيركم بأن من بين المهام الكبرى المطروحة علينا قريبًا ربح رهان الانتخابات الجماعية والإقليمية والجهوية، والتي ستؤطرها قوانين جديدة، سيكون علينا أن نقدم مساهمة متميزة من أجل تجويدها وجعلها ملائمة للدستور الجديد وتكون كفيلة بالمساهمة في فرز مؤسسات منتخبة ذات مصداقية ومنتجة ومساهمة في التنمية وتطوير البلاد. وبالطبع لن نقوم بذلك لوحدنا، إذ سنعمل معكم، على إشراك مكونات المجتمع في مناقشة هذه النصوص من أجل الإغناء والإنصات لصوت المجتمع في شأن نصوص نعتبرها استراتيجية.
وهكذا أرى أن الانفتاح والعمل الجماعي والتخصص والمبادرة والاقتراح والجودة، ينبغي أن تشكل أسسًا لعملنا في إطار هذه اللجنة التي نراهن عليها لتكون سندًا تقنيا وسياسيا للفريقين البرلمانيين، وجسرا بين المجتمع والحزب والخبرة الحزبية من جهة والفريقين من جهة أخرى. وسيظل الهدف هو تطوير وتجويد أدائنا بما يطور ويقدم بلادنا ويحمي مسارها الديمقراطي.

26 ماي 2014