فصام الإسلاميين المتشددين بين علمانية مفيدة في أوروبا كافرة في أوطانهم

لجنة حماية الدستور الألمانية تنذر من خطر الإسلاميين الذين يعملون على تركيز شحنات خطابية موجهة إلى فئات واسعة مستغلة طبيعة الشباب الحماسية.

 

 عن العرب  [نُشر في 26/05/2014، العدد: 9570، 

 

 

تونس- نشرت وكالة حماية الدستور الألمانية عن مكتبها الإعلامي وثيقة جمعت فيها معلومات دقيقة حول نشاطات الإسلاميين بشتى أنواعهم في ألمانيا، مستهدفة إيضاح ظاهرة الإسلام السياسي وأطماع رواده وطبيعة نشاطاتهم، وذلك في سياق قراءة موحية بتململ واضح من تفشي ظاهرة الإسلام السياسي في أوروبا. هذا التفشي الذي يعكس «سكيزوفرينيا»في شباب الدعوة بعد هروبهم من جحيم موطنهم الأصلي.

تنطلق الوثيقة المنشورة عن وكالة حماية الدستور الاتحادي الألماني من تعريف مبسط للإسلام السياسي، ارتكزت فيه على النصوص المؤسسة لبعض الأحزاب الدينية وأهمها جماعة الإخوان المسلمين.

حيث تستنتج أنّ هذه الجماعة (وكل حركات الإسلام السياسي الأخرى) تمارس الانتشار الأفقي على مستوى الجماهير، وخاصة في أوروبا، عبر استعمال ضغوطات الخطاب الديني وفرض التوسط بين الإنسان وخالقه بالقوة والتهديد.

الإسلام السياسي أيديولوجيا مرفوضة

وتؤكد الوثيقة أنّ “الإسلاميين لا يمكن لهم التفكير خارج النصوص التي تم إنشاؤها من قبل مؤسسي الأحزاب الدينية التي ينتمون إليها، وأنهم يسعون إلى تطبيق الشريعة في شكلها النصي المرتبط بسياق نزوله أو كتابته في الزمان الماضي، دون مراعاة مسألة التطور والتغير التي هي قانون في الحياة والتاريخ”.

وقد حاولت الوثيقة، التي قام بها باحثون ألمان بإعدادها، أن تقارن بين المبادئ الكونية لحقوق الإنسان والديمقراطية (التي جاء معظم الإسلاميين إلى الغرب ليعيشوا في ظلها) من جهة، وبين المبادئ التي يدعو إليها الإسلاميون بشتى تصنيفاتهم الجهادية العنيفة أو السياسية الحزبية من جهة أخرى. إذ يرتكز النظام الديمقراطي التعددي على احترام الحقوق والحريات الخاصة والعامة، وتأسيس الأحزاب والإيمان بقدرة الشعب على إحكام سيادته وسلطته، وفصل السلطات الثلاث عن بعضها البعض لمنع أي انتهاك للحقوق. في حين يدعو الإسلام السياسي إلى العقوبات الجسيدة القاسية ومنع التحزب وربط السلطة برجال الدين وتكفير الخصوم.

وقد توجهت الوثيقة المرتبطة بمهمات حماية الحريات الأساسية التي يكفلها الدستور الاتحادي الألماني، بانتقاد الفكر الأحادي الذي يجاهر به الإسلاميون في الدعوة، إلى “ما يعتقدونه من أفكار تخصهم هم فقط ولا تعني الإسلام أو المسلمين، لأن الفرق واضح جدا بين الإسلام كدين والدعوة السياسية المتسترة بالدين، وذلك دون مراعاة للقوانين والمبادئ التي تقوم عليها الدول التي ينشطون فيها، والتي تكفل بدورها حرية نشاطهم”.

وعلى الرغم من أن الإسلاميين يستمدون، كما يدّعُون، إلى صحيح الإسلام، إلا أن الإسلاميين ذاتهم ينقسمون على أنفسهم في تفسيرهم للدين، ويتجلى هذا الاختلاف أولاً في مرجعيتهم الأيديولوجية، وثانيًا في اختيار الوسائل لتحقيق هدفهم المنشود. ففي الوقت الذي تستخدم فيه الحركات “الإسلامية المقننة” الطرق السياسية لتطبيق الشريعة، فإن الواقع في ألمانيا مختلف، إذ تستخدم “الحركات المرتبطة بالعنف” العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها خارج ألمانيا، أما الحركات الجهادية فترى في الإرهاب أهم وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية داخل ألمانيا وخارجها 

“ديناميكية” الطمع الإسلامي

تصف الوثيقة التحليلية كذلك، كيفية تعاطي الإسلاميين مع الواقع الألماني وأسلوب انتشارهم بين صفوف المهاجرين والألمان أنفسهم بعيدا عن عيون المراقبين والسلطات، خاصة وأنّ الإسلاميين يتمتعون بتاريخ في ألمانيا، نظرا لما يمثله “مسجد ميونيخ” من رمزية معنوية للمتشددين، هذا المسجد الذي تأسس على أيدي الإسلاميين الإخوان الذين احتموا بألمانيا في الستينات هروبا من جمال عبدالناصر، وهو الّذي احتضن بدور جزءا من المخططين لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

وتظهر المعلومات الواردة، طريقة ممارسة المتشددين الإسلاميين لما يسمونه “الدعوة”.إذ يعتمد هؤلاء أساسا على الإنترنت والوسائل الحديثة للاتصال للإيقاع بالشباب، وهو ما يعرف بـ”التطرف التربوي”، والذي يتم عن طريقه استقطاب الشباب وتحويلهم إلى متطرفين فقط عبر الإنترنت، حيث تتوفر المادة الدعائية وشبكات التواصل الاجتماعي على مدى 24 ساعة في اليوم ومن دون تكلفة. وهذا ما اتضح بعد العملية الإرهابية التي تم فيها إطلاق الرصاص على جنديين أميركيين في مطار فرانكفورت في 2 مارس 2011، وظهر فيها أن الفاعلين تم استقطابهم إلى الجماعة السلفية المتشددة الناشطة في ألمانيا عن طريق الإنترنت.

كما تحتوي الوثيقة على العديد من الحجج التي ارتكز عليها الباحثون في توصيف سلوكات ونشاطات “الإرهابيين”، ولعل أهم مثال على ذلك هو قيام إحدى الناشطات الإسلاميات بتنزيل ما يزيد عن 1000 فيديو، والقيام بالمشاركة والتعليق على منتدى للإسلاميين على شبكة الإنترنت، وكذلك قامت بجمع تبرعات بقيمة 3200 يورو من خلال الشبكة العنكبوتية دعمت بها منظمات إرهابية، من بينها القاعدة، وقد أدانتها محكمة برلين وحكم عليها بالسجن لمدة سنتين ونصف في 2011، وتم الإفراج عنها في أبريل 2012 لحسن السير والسلوك.

الشباب ضحية الخطاب الأسود

يجذب الإسلام السياسي الشباب بوجه عام، وذلك عبر تركيز شحنات خطابية موجة إليهم عن قصد، بعد دراسة تفصيلية لميولات هذه الفئة العمرية من الناحية النفسية والعاطفية والاجتماعية، وهناك دراسة أميركية في هذا السياق تحت اسم “الجهاد كول” وردت بتفاصيل في الوثيقة الألمانية، تثبت أن القائمين على الترويج للإسلام السياسي في ألمانيا يعملون بشكل جيد على صياغة المفردات والعمل على استراتيجيات اتصالية ناجحة ليصل خطابهم “الملغم بالعنف والعنصرية” إلى فئات واسعة مستغلة طبيعة الشباب الحماسية والمندفعة

وتلعب الإنترنت الدور الرئيس في عملية الترويج للأفكار السلفية الجهادية المتطرفة، فكلفة الإنترنت زهيدة واستخدام الشبكة متاح لأغلب الشباب، الذين يبحثون تحديدا عن الفيديوهات والأناشيد، “فالإسلاميون يضعون السم في العسل، حيث يُغلّفون أيديُولوجيّاتهم بغلاف جذاب يتماشى مع أذواق الشباب”. وقد قامت هيئة المصنفات في ألمانيا بتصنيف الأناشيد التي يرفعها السلفيون على الإنترنت، على أنها خطر على حديثي السن من فئة الشباب، حيث أنّها أناشيد تدعو إلى العنف وتصوره على أنه أمر إلهي، فضلاً عن أنّها تدعو صراحة إلى “قتال الكفار”، ويظل السفر إلى أماكن الجهاد من أهم أسباب تطرف الشباب.

من ناحية أخرى يقدم الإسلاميون للشباب اليقين الذي يبحثون عنه، من خلال إجابات بسيطة وواضحة، وفي السياق نفسه يحددون نمطا واحدا للسلوك الصحيح، وبذلك يحتكرون العالم المثالي، حيث لا توجد تعددية (أبيض أو أسود)، إما المؤمنون الذين يمثلون الخير أو الكفار الذين يمثلون الشر، وبذلك يحتكر الإسلاميون الحقيقة المطلقة، فهم يمثلون المجتمع الصالح الذي يرضى عنه الخالق، والذي يعطي معنى وقيمة للحياة، سواء في هذا العالم أو في العالم الآخر. وتختتم الدراسة بتوجيه خطاب إلى الجماعات المتطرفة الناشطة في كافة أنحاء أوروبا مفادهُ أنّ ألمانيا مُتمسّكة بمواطنيها المسلمين وتفرق جيدا بين الإسلام والإسلاميين.