البرد القارس آت..!

بقلم عبد الحميد جماهري

مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات الأوروبية، تلقيت مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء في باريس، يقول فيها إنه قريب سيلتحق بنا.
الصديق، الذي يقيم في العاصمة الفرنسية منذ أزيد من ثلاثة عقود، لم يكن يمزح إلا بنسبة ضئيلة، ذلك لأن النجاح الذي حققه حزب اليمين المتطرف، الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبين، هو فوز غير مسبوق، كرسه كأول حزب في فرنسا.
اليمين التقليدي أصيب بالذهول، واليسار وقف متفرجا بين التطرف وبين المحافظين: لا دور له، بكل أطيافه.
الرئيس فرانسوا هولاند يتلقى ثاني ضربة موجهة له بعد أن أصابه اليمين التقليدي في الرأس، وجه إليه اليمين المتطرف الضربة إلى القلب. وبدا أن اليسار الاشتراكي تفوق على فشله الذي حصل في أبريل 2002، أيام طيب الذكر ليونيل جوسبان.
الاشتراكيون الفرنسيون حققوا 14 % فقط من الأصوات، وهي نسبة لم يحصل عليها منذ .. نصف قرن.
اليسار الراديكالي وغيره، لم يخرج فائزا من هكذا رهان. بل إن كل أطيافه لم تحقق ما يمكن الحديث عنه في وجه الحزب اليمني المتطرف، قبل التقليدي.
منذ أول مقاعد حصلت عليها الجبهة المتطرفة، أيام رئاسة الاشتراكي فرانسوا ميتران، وإلى حين تحقيق الفوز الصدمة (مانويل فالس سماه الزلزال)، لم يكن ينتظر، طيلة ثلاثين سنة، أن فرنسا ستترنح بهذا الشكل، ضمن سياق أوروبي رهيب ينبيء بعودة المتطرفين والعنصريين واللوائح الفاشية.
في تفسير الظاهرة اجتهدت العقول، يمينية أو يسارية أو محض أكاديمية مرتبطة بالخبرة العلمية، في الولوج إلى العقل والأرقام من أجل وضع الأشياء في نسبيتها العلمية: هل هي الأزمة الاقتصادية، هل هو ضعف المشاركة، الذي يكون دوما مقرونا بالفساد (فكري أو مالي أو سلطوي)، هل هو التصويت العقابي أو المعبر عن الغضب؟
في كل هذه الأسئلة، كان الجو العام، الذي سبق الانتخابات أو ما رافقها، هو المفسر الاول: هناك شك من أوروبا ومن قيمها، وهناك تعبيرات سياسية عن ذلك، اتخذت في الغالب الأعم اللون البني، عربون الفاشية.
تهب على أوروبا رياح باردة للغاية، تذكر الأكثر تشاؤما بالأجواء السابقة للفاشيات والنازيات التي عصفت بالقارة العجوز.
ونفس الريح الباردة أصابت جسد الصديق الإعلامي بقشعريرة لم يسبق أن أحسها (اللهم في أعالي تيشكا، حيث يفع جسده).
توقع أياما صعبة من الآن فصاعدا، لن يقتصر على مغربي دون آخر، ولا عن المغاربيين، بل سيتعداه إلى الأجانب، نقطة الارتكاز في استثمار الخوف من أجل السياسة.
والسؤال الذي طرحته الطبقة السياسية والإعلام على حد سواء هو: ما العمل وكيف، لا سيما ورئيس فرنسا في لحظة ضعف وطبقته السياسية مترهلة؟
ولا يشك أحد بأن موجة الارتداد لن تقف عند الانتخابات الأوروبية، بل ستتعداها إلى مناحي العلاقة بين القارة العجوز وبين محيطها الدولي، وأولها جنوب المتوسط والمهاجرون قبله.
ونحن معنيون بتطورات الوضع، ليس فقط لأسباب اقتصادية، حيث المهاجرون يشكلون مصدر إمدادات مالية استراتيجية، ونخبة قوية، متعلمة وقادرة على التأثير، وليس فقط لأننا نحتاج إلى أوروبا لكي يكون لنا أفق في المستقبل، بل، أيضا، لأن الجوار صعب للغاية، والتطرف لم يكن أبدا في صالح الضفة الجنوبية للمتوسط.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
28  ماي 2014