الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الأول- قراءة في الفكر لسلفي (5من 28)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

4- كثرة الاستدلال بالكـتـاب و السنة:

     ما هو المقصود بكثرة الاستدلال بالكتاب والسنة عند السلفية؟. تقول السلفية بأن مسائل الدين, في أصولها وفروعها, تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل, فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تـُعرف عن طريق الوحي ٬ لذا كان استنباط الأحكام من القرآن والسنة, وكذلك الاستدلال علي تلك الأحكام من القرآن والسنة أيضاً وفقاً لأمر الشرع ذاته, متكئين في زعمهم هذا على الكثير من الآيات القرآنية كالآيات التالية:(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). النساء(59). و(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). النور(51). و(وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). النساء(61). وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم التي تشير إلى هذه الدلالات.

     أما شواهدهم من السنة النبوية على هذه المسألة,, فقد اتكأوا على جملة من الأحاديث منها: (ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه…) .رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني. و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من هذه الأحاديث التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً.

      إن هذا الموقف العقدي من النص المقدس, يدفع السلفيين إلى الرجوع بشكل دائم ومستمر للنص الديني المقدس بحثاً عن ضالتهم لحل ما يطرحه عليهم التطور الاجتماعي عبر التاريخ وشرعنته. أي منحه الشرعية, من مسائل مستجدة تلح على فقهاء السلفية إيجاد حلول لها. (20).

     هذا وقد دفعهم إيمانهم المطلق بصلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان, أن يتمسكوا منهجياً بما أنزل الله وما قال به الرسول وإلى تبرير كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث انطلاقاً من قناعتهم  بأن الوحي فيه النور والشفاء والهدى كما قال الله عز وجل : (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنيين ). يونس الآية (57).  وقال الله أيضاً: (قد جاؤكم من الله نور وكتاب مبين). المائدة الآية (15). بل إن بعض مشايخ السلفية قال: إن لذكر الآيات والأحاديث معجزة تأثيرية.(21). 

 5- تقديم النقل علي العقل:

     إن المقصود بالنقل, هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة المرجع الأول والأخير في الشرع. و على علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها٬لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول٬ ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. فكما أن القرآن والسنة والإجماع هي المصادر الأصلية في التلقي, فإن العقل السليم والفطرة السليمة هي المصادر الفرعية,التي يجب أن تسخر لفهم الدين. أي في تدبر القرآن والتفكر في آيات الله كما أمرنا الله, لايتخطاها ولا يتعداها, وهنا  يكون العقل تابعاً للشرع, ممتثلا لأوامره, ومجتنبا لنهيه,لا يعترض علي النص ولا يرده لهواه ولا يتوقف حتى يعلم الحكمة, فإن أحكم الحاكمين هو الذي أمر أو نهي, وأحكم الخلق أجمعين هو الذي بلغ.

     أما ما أثاره بعض المتكلمين والفلاسفة من أن النصوص تخالف العقول وقدموا العقل علي النقل, لأن العقل عندهم أثبت من النقل الصحيح, فرد علماء الدين وفقهاء السلفية عليهم بقولهم : إن النصوص المقدسة في الأساس ثابته, ولذلك لا يمكن أن يحدث في الحقيقة تعارض بين النقل الصحيح الصريح وبين العقل السليم. فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض فهو أحد هذه الأمور:

     1-  أن يكون النقل صحيحا صريحا,  فما بزعمه البعض من أن الدليل العقلي يعارضه,  فهذا راجع لفساد هذا العقل٬ أو لتدخله فيما لا مجال له فيه من الأمور الغيبية٬ التي الواجب فيها التسليم والانقياد.

     2-  أن يكون النقل غير صحيح ٬ فهو لا يصلح للمعارضة ولا يُحتج به.
     3-  أن يكون النقل صحيحا غير صريح٬ وهذا في ظواهر الأمور الفرعية  التي يسوغ الاختلاف فيها بين أهل العلم, والتي عند النظر فيها يزول الإشكال .فالشرع قد يأتي بأمور تحتار العقول البشرية في إدراكها والإحاطة بها٬ لأنه لم يحدث أنها جاءت في أية حالة من الحالات التي نظر فيها الشرع من قبل, مثال : وجود الملائكة وصفاتها ووظائفها وأعمالها … الخ,  فهذا تحتار العقول في الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها, وهي أمور حقيقية ومعقولة كونها وردت في النص. لذلك هم يقولون لو كان الدين بالعقل لكان أول من يتبع عقله هو النبي محمد (ص), وهو أعقل العقلاء عند كل أهل الملة الإسلامية, ومع ذلك قال له تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان, ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا, وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم.) الشورى 52. (22).  

     أما أبو حامد الغزالي فيقول عن أهمية دور العقل أمام النقل: إن النقل لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب،  ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يُعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.
وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل, لا يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة. (23).     

6- رأي السلفيين في علم الكلام:

     يقول السلفيون بأن علم الكلام علم دخيل على الإسلام, استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس كما يقول محمد عماره في كتابه (السلف والسلفية). وإن طريقة علماء الكلام, كالحديث عن الجواهر والعراض, والحادث والقديم, هي طريقة مبتدعة لم يكن عليها سلف الأمة الصالح, لذا هم يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله. وإن النصوص الإسلامية من قرآن وسنة نبوية فيها ما يكفي من الحجج العقلية والبراهين المنطقية لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام يقر بأن المنهج السلفي  لديه مجموعة قواعد يستند إليها وقد أشرنا إليها وهي : إعلاء النقل على العقل, ورفض التأويل بغير دليل, كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث  والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدين.

      هذا وأن هناك أقوالاً رواها الإمام الشافعي في موقفه من علم الكلام حيث ذكر الذهبي في ترجمته عن الإمام الشافعي جملة نصوص تدل بوضوح على موقفه من علم الكلام منها:

      1- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد.
      2- ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.

      3- والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال : زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

     4- وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً : لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا, ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم ! ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

     5- وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال : سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله !

     6- وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر ؛ ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

     7  -وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي : لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني : كان الشافعي ينهى عن علم الكلام . وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي, فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام  فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

     8- وقال الشافعي : لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم!

     9- وقال : ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة وأنا أستغفر الله من ذلك!

     10- ومن تتبع كلام الأئمة وجد لذلك نظائر كثيرة ولعل فيها عبرة لمن ينتسب إليهم في الفروع ثم يخالفهم في الأصول. (24).

الدكتور عدنان عويد كاتب وباحث من سورية    لنشرة المحرر