«بوكو حرام».. نسخة أفريقية للجهاد

الأربعاء, 28 مايو 2014

عبدالله النيباري

 

 

في ثمانينات القرن الماضي، برزت الدعوة للجهاد في أفغانستان ضد النظام اليساري، المدعوم من روسيا الاتحاد السوفييتي، آنذاك.. وبدلاً من أن يتوجَّه الشباب العربي المسلم لمحاربة إسرائيل، التي احتلت أرض فلسطين كاملة، وأعلنت بيت المقدس عاصمة لها، وبدلاً من محاربة الغزو الصهيوني لتحرير بيت المقدس وكامل فلسطين،

قلب المنطقة العربية والإسلامية، اتجهت جموع الشباب العربي المسلم إلى أفغانستان، تحت راية الإسلام، لمحاربة الغزو الشيوعي، وكان هذا التوجُّه مدعوماً من بعض الدول العربية والمخابرات الأميركية.

انتهى الوجود الروسي في أواخر الثمانينات، لكن مجاميع الجهاد الإسلامي عادت من أفغانستان، التي أصبحت، آنذاك، تطبّق أحكام الشريعة الإسلامية، تحت سيطرة جماعة طالبان

عادت هذه الجماعات إلى المنطقة العربية، بشكل رئيس، وأسست لها فروعاً بما أصبح يُعرف ﺑ«القاعدة»، التي تعيث في الأقطار العربية شتى أساليب العنف والإرهاب.

وجبة إعلامية مأساوية

وأصبحت ممارسات القاعدة وفروعها في المنطقة العربية وجبة إعلامية مأساوية يومية تعج بأخبار تفجير السيارات عن بُعد والأحزمة الانتحارية، التي كان للعراق نصيب وافر منها، لكن انتشارها لم يسلم منه بلد عربي، وها هي تمتد اليوم إلى سوريا، من خلال ممارسات «داعش» وجبهة النصرة.

هذا في البلاد العربية، لكن نشاط جماعات الجهاد الإسلامي تجاوز البلاد العربية، ووصل إلى أقاصي القارة الأفريقية شرقاً في الصومال، وغرباً في نيجيريا، وشمالاً في مالي، فأضافت ممارسات العنف والإرهاب وجبات إعلامية مأساوية تقدم يومياً.

في مالي، انتشر الإسلام في القرن التاسع، بتأثير المدارس الصوفية، وفي عهد ملكها ماناموس (1312– 1337) زاد الاهتمام بنشر الدعوة الإسلامية والتوسع في بناء المساجد، وامتد الإسلام إلى غرب أفريقيا، ليصل إلى النيجر ونيجيريا، وكان الإسلام في تلك الأقطار، وحتى وقت قريب، إطاراً للتسامح والتعايش بين مختلف الأديان، وكان الناس من مختلف الأديان يتبادلون الزيارات في المناسبات الدينية وفي أعراس الزواج ومآتم العزاء، وكانت الدساتير تنص على حرية العقيدة، بما في ذلك حق تغيير الديانة، إلى أن جاءت جحافل القاعدة لتغير النمط السائد.

في مالي، بدأت الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأخذت منحى اضطهاد المسيحيين، وشملت دعوة المتمردين في مالي المناطق التي سيطروا عليها لتطبيق تعاليم الشرع، بما في ذلك قطع أيادي السارقين، ورجم مرتكبي الزنى، وجلد المدخنين ومتعاطي المشروبات الكحولية، والنساء ممن لا يلبسن الزي الإسلامي، كما قاموا بتحطيم التماثيل، باعتبارها دعوة لعبادة الأصنام.

وأمام مخاطر انتشار هذه الدعوات، تدخلت فرنسا لمساندة القوى المدنية، وأدت إلى إجراء انتخابات وإقامة حكم معتدل.

في نيجيريا، ظهرت جماعة بوكو حرام، التي تركزت دعوتها على مناهضة التعليم على النمط الحديث أو الغربي، لكن ذلك أحد أهدافها، التي تشمل إقامة نظام حكم إسلامي يطبق تعاليم الشريعة الإسلامية بحذافيرها تطبيقاً كاملاً.

تأسست هذه الحركة عام 2002 بجهود مؤسسها محمد يوسف، الذي كان متأثراً بالدعوة السلفية، واسم الحركة هو «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، وانتشرت الدعوة في الولايات الشمالية الشرقية لنيجيريا.

ونيجيريا أكبر الدول الأفريقية بعدد سكان يبلغ 170 مليون نسمة، تنقسم إلى الشمال بأغلبية مسلمة، والجنوب بأغلبية مسيحية.

ونشأة الجماعة كانت في البداية لأسباب اجتماعية، كالفقر والبطالة وسوء توزيع الدخل والثروة الطبيعية، وانتشار الفساد، لكن نشاطها غلب عليه الهجوم على المسيحيين وعلى كنائسهم وعلى المدارس التي تتبنى مناهج حديثة يعدونها غربية لا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي، وبعد مقتل زعيمهم مؤسس الدعوة محمد يوسف عام 2009، تولى قيادة الجماعة أبوبكر شيكو، الذي أصدر بياناً أعلن فيه تضامنه مع القاعدة، وصعّدت الجماعة عملياتها ضد المصالح الغربية، وهاجمت بسيارة مفخخة مقر الأمم المتحدة في مدينة أبوجا، ما أدَّى إلى مقتل 23 شخصاً وجرح 80، كما قامت جماعة منشقة عنها، تدعى جماعة الأنصار، بعمليات اختطاف شخصيات أجنبية (فرنسية) والاحتفاظ بهم كرهائن.

أعمال وممارسات إجرامية

لكن أبشع ما قامت به الجماعة، هو الهجوم في سبتمبر 2013 على كلية الزراعة في ولاية يوبي، وقتل 65 طالبا وهم نيام في عنابر الكلية، إلى جانب جز رؤوس سائقي الشاحنات، وتفجير محطة باصات أدى إلى قتل 100 شخص، إلى أن وصل الأمر إلى اختطاف الطالبات، وعددهن 276 طالبة، وهي القضية التي لاتزال حية تتناول تطوراتها أجهزة الإعلام التي تبث تجمعات أهاليهن ونواحهن اليومي، وهذه القضية دفعت زعماء الدول الغربية إلى عقد اجتماع أخيراً في باريس.

كل هذه الأعمال والممارسات الإجرامية تحت ذرائع إقامة حكم إسلامي كامل في نيجيريا يطبق تعاليم الشريعة، بما في ذلك الأحكام الجزائية، كقطع اليد والجلد، لمن يخالفها، ويقع تحت المخالفة لباس القميص والبنطلون، باعتباره تشبها بالكفار.

وهكذا، كما حدث ويحدث في البلاد الإسلامية في آسيا، وما تعانيه على امتداد ثلاثين عاما من تمزيق للمجتمعات تحت راية الجهاد لتطبيق شرع الله، امتد هذا الوباء إلى شمال أفريقيا وغربها، وهو بالتأكيد إساءة للإسلام وللمجتمعات الإسلامية والعربية.