قال  علي رضي الله عنه ..ما رايت نعمة موفورة الا الى جانبها حق مضيع..

**************************

بقلم مصطفى المتوكل / تارودانت

28 ماي 2014

 

يقول تعالى ..((الله الذي خلق السماوات والارض وانزل من السماء ماء فاخرج  به من الثمرات رزقا  لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بامره وسخر لكم الانهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار  *وآتاكم من كل ما سالتموه وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها ان الانسان لظلوم كفار ….)) سورة ابراهيم

ان الآية الكريمة تبين  بوضوح أن الله تعالى خلق الكون و جعل كل شيئ فيه لصالح البشرية  تتحقق به مصالحهم وحاجاتهم  و يبنى تطورهم.. ولم يختص بالانتفاع  بنعمه سبحانه شخصا دون غيره ولا طبقة دون اخرى …بل جعل خيراته تحت الارض وفوقها ومن سمائها وبحارها وانهارها ومن الكون ككل بدقيق قوانينه التي جعلت في خدمة الناس ..تعلق الامر بفوائد تعاقب الليل والنهار والفصول الاربعة والطاقات المتجددة …او بغير ها … فبمقدار ما يكتسب الانسان معارف وخبرات بمقدار ما يكتشف المزيد من الخيرات التي لاتعد ولاتحصى ….

واذا تاملنا الاختلافات الموجودة بين الناس من قوة البدن ومستوى الذكاء والقدرة على الفهم …فاننا قد ندرك طغيان بعض الغرائز وبعض الطبائع التي فطرت عليها الانفس من حب السيطرة والتملك والرغبة في استغلال مجهودات الغير باستخدامهم بل واحيانا استعبادهم  بمبررات مختلفة لكنها مناقضة للعدالة والانصاف و…..فكيف يمكن ان يبرر ويفهم في عصرنا هذا ان تحول خيرات اودعها الله في الارض للناس  في جوف الارض وبسطحها وبحارها وفضاءاتها …كافة لتصبح محتكرة من طرف اقلية ونخب معينة تتحول بين عشية وضحاها الى الثراء الفاحش …. في مقابل افقار العامة وجعلهم خدما ومستخدمين لايحق لهم من خيرات الله الا ما يريد المغتنون بدعم وحماية من المشرع الوضعي والاجهزة التنفيدية بالدول والذي لايكفي حتى لمادون الحد الادنى من بعض ضرورات العيش ..وحتى لانصف ما يحصل بالاحتكار  لجل الموارد  من اجل التحكم الممنهج في الخيرات والناس لجعلهم اتباعا  عند “اسيادهم” اي الملاك الذين تحولوا في غفلة من العامة الى اثرياء اكثر  ثراء من اثرياء بالعالم الغربي نطرح السؤال المنطقي ..كيف سيبرر من يحكم بالامس واليوم وغدا لماذا البعض يزداد غنى والاغلبية تزداد فقرا ؟ وكيف سيفسر ان تتم حماية الاثرياء وتشجيهم وتقديم التسهيلات لهم و… في مقابل اثقال ليس فقط الفقراء الذين لاعمل قار عندهم ..بل العمال وحنى ما يطلق عليهم قلب المجتمع وصمام امانه ونجاحه اي الطبقات المتوسطة ؟؟..

وفي هذا السياق سنفهم بعض دلالات قوله تعالى في سورة “الروم” آية “41” في علاقته بالايات التي افتتحنا بها المقال .. (ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيْ النَّاسِ لِيُذِيْقَهُمْ بَعْضَ الَّذِيْ عُمِلُوا لعلَّهم يَرْجِعُوْنَ)…

و قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِّنْ مُصِيْبَةٍ فِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيْكُمْ) سورة “الشورى”

فاذا كان الله قد انزل واخرج وسخر  للناس كافة كل الخيرات والارزاق والثروات … فان ما حصل من

خلل وفوضى في الاستفادة منها كان بسبب الانسان نفسه وخاصة من الذين  يعتمدون سياسات

وقرارات وممارسات تبتعد عن روح العدالة الاجتماعية والتكافل وتكافؤ الفرص  المامور بها في الاسلام

..سواء بسلوكات انتهازية وتسلطية وتحايلية  من البعض من تلقاء انفسهم او بايعاز وتواطؤ بين

مجموعات ضد العامة لمصلحة مشتركة بينهم  وبين من يحكمهم ان لم يكونوا هم انفسهم من طبقة

من يحكم ويقرر…….ان رسالة الله تعالى ورسالة نبي الرحمة والخير والتي اباحت للانسان ان يطور

ملكيته وامكانياته ومستوى عيشه …وضعت شروطا وحدودا لذلك اساسها عدم استغلال الناس او

ابتزازهم او اخذ اموالهم بالباطل او توظيف  مشاكلهم وازماتهم لسلبهم ما يملكون مقابل حلول

وهمية زائلة  مشبعة بالوعود الفضفاضة تزيدهم ازمة وفقرا وخصاصا  …بل فرض الله على من اغتنى

بطرق مشروعة مجموعة من الواجبات وفي مثل هذا قال  علي بن ابي طالب رضي الله عنه  “ان

 الله تعالى فرض على الاغنياء في اموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم. فان جاعوا او عروا وجهدوا فبمنع

الاغنياء .. وحق الله تعالى ان يحاسبهم يوم القامة ويعذبهم  عليه ” وقال “… ما جاع فقير الا بما منعه

غني . وقال ما رايت نعمة موفورة الا الى جانبها حق مضيع ..“فاذا كان لقرارات الحكومات نتائج تزيد

الغني غنى وتزيد الفقير فقرا ..بل اذا كانت الدول تحل مشاكل تدبيرها السيئ الناجم عنها بشكل

مباشر او عن بسبب لوبيات الفساد والافساد وتعمل على حل مشاكل افلاس بعض المؤسسات

بدعوى الانقاذ من جيوب من هم فقراء او من هم مهددون بالتفقير … فالامر يصبح في غاية الغرابة

في نظر شرع الله او نظر كل فكر بناء .. وفي هذا الباب امر الله سبحانه وتعالى نبيه واولي الامربان

يعمد الى صيغة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ

سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة.. ان من الاجراءات التي تلجا اليها بعض الحكومات عندما تعترضها ازمات

اقتصادية الالتجاء الى تحريرالاسعار ورفع الدعم عن العديد من المواد الاساسية الضرورية كحد ادنى

للعيش وهي التي تستهلكها الغالبية العظمى من الشعب او تعتمد ها فى العيش اليومي .. وترك

المضاربين والاحتكاريين شبه احرار في السوق العامة لاستغلال الخصاص في بعض  المواد و رفع

اسعار البعض منها … والادهى والامر عندما يستخف البعض من الازمة والهيكلية باجراء مقارنات بين

هذا البلد وبلد جد متقدم  في مجالات لاتجوز فيها المقارنة ولا تستقيم من مثل التعليم  او الصحة او

غيرهما اذ لاقياس مع وجود الفارق …

او ان على الناس الابتعاد عن شراء الخبز  بعد ارتفاع سعره الذي  وتعويضه بالبطبوط وبغرير .. او

الدعوة الى عدم شرب منتوج معين بمبرر ان لاسلطة لحكومة ما على شركة ما واقتراح التجاء

الشعب  “للرايب ” البلدي” بدل تحمل مسؤولية حماية عباد الله في ما تبقى من قدراتهم المعيشية

…ان قيام البعض باجراء قياس فاسد بين زماننا وزمن سيدنا عمر باسقاط بعض اجوبته كحل لتدبير

اشكالات في السوق انذاك ..لايمكن لها ان  تقبل اعلنوا عن ذلك ام لم يعلنوه … فمقومات الاقتصاد

بجميع منظوماته ومقومات تدبير المالية العمومية وموارد خزينة الدولة ومستوى العيش  في ذلك

الزمن ليست هي نفسها بالتطابق في زماننا هذا …

جاء في الأثر أن الناس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – جاءوا إليه وقالوا :

نشتكي إليك غلاء اللحم فسعره لنا ، فقال: أرخصوه أنتم ؟

فقالوا : نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول : أرخصوه أنتم ؟ فقالوا: وهل نملكه حتى

نرخصه ؟ وكيف نرخصه وهو ليس في أيدينا ؟

فقال قولته المشهورة : اتركوه لهم.

وعن رزين بن الأعرج مولى لآل العباس قال : غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى على بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا

علينا , فكتب أن أرخصوه بالتمر ) .. لان التثمر متوفر بالحجاز كنوع من المقاطعة لارخاص ثمن الزبيب بعدم شرائه

 ومن هنا نطرح السؤال الشرعي في مسؤولية الدولة في معالجة الفقر ليس بابقاء الفقير دائما محتاجا

لغيره.. بل بجعله يستغني عن الاخرين وان ينخرط في التنمية والبناء الاقتصادي للوطن …؟؟

ان  الإسلام  أولى اهتماما  كبيرا لمنظومة  التكافل بكل صيغها الراقية التي تحفظ للمحتاج كرامته ،كما وضع  العديد من الاجراءات و الوسائل والاليات  التي  خص بها  الحكام و الدولة وجعلها من الواجبات الاجتماعية الملزمة بالتوظيف الامثل لكل خيرات الشعب  للرفع من المستوى الاجتماعي والمادي لكل الناس لان المؤمن القوي باستقراره وكفافه ومعرفته مفيد للناس والدولة والامة ..ولان تكريس الفقر ونشره وتجذير الخصاص يضعف الدولة داخليا ويجعلها مستباحة من الغير وتبتز في اقواتها وارزاقه ومستقبلها  .. كما يضعف قدرات الناس  بتعطيل اليات الانتاج عندهم وجعلهم بسبب سياسات فاشلة مدخلا  لاشكالات ومعضلات تهم الامن والاستقرار الاجتماعي والسياسي  والتوازن النفسي …

… ان من مسؤليات الدولة الشرعية والسياسية تأمين وتطوير وتثمين الموارد المالية العامة بكل الطرق الضامنة للمنافسة الشريفة المعتمدة على الجودة والمردودية والاستدامة  …بجعلها في خدمة الناس كافة من جهة وتقوية الاقتصاد الوطني بما يحقق التوازن واقرار عدالة ضريبة واقرار  حقوق الله في اموال الناس …

كما ان الحد من السياسات الفاشلة المنتجة للفقر بسبب  عدم خلق فرص للشغل والانتاج مسالة جوهرية لايمكن التعامل معها بالاجراءات الترقيعية التي نسمع عنها من بعض الحكام …

لهذا اتفق الفقهاء  على ان مسؤولية ولي الأمر / الحكومة ..في معالجة الفقر واضحة لانهم في نظر الشرع مستخلفون ومؤتمنون على حقوق الناس  واموالهم وامنهم وعيشهم وهم نواب على اموال وقدرات وكنوز الشعب التي توجد بوطنهم وفي هذا قال ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية

“… وليس لولاة الأمور أن يقسموها  بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب.. ليسوا ملاكًا. وهذا يعني أن ولي الأمر حين يتصرف في المال العام فإنه لا يتصرف فيه بالأصالة، وإنما بالنيابة، أو الوكالة..”

… لهذا لابد لاولي الامر من تصحيح الاختلالات الكبيرة  في توزيع الثروة الوطنية،وفي طرق تدبيرها وصرفها  وتحميل الاثرياء ما يستطيعون حقا و بعدل وانصاف المسؤولية  الجلية في التنمية المجتمعية والاقتصادية مع النهوض بالطبقات الفقيرة لتقوم بدور الانتاج والتشغيل وفق المستطاع بما يقلص من نسبة الفقر والعطالة وبما يجعل من تعذر اخراجهم من دائرة الفقر قادرين على العيش الكريم ..

…لقد حذر القرآن الكريم من تفرد  القلة  بالثروة وخيرات الامة وحذر من الاثراء الفاحش ولو كان مشروعا ناهيك عنه ان كان محرما وغير قانوني  …ولقد اعتبر سيدنا عمر (ض) الموارد المالية حق مشترك بين الناس

فقال ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ، وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام ، والرجل وعناؤه وحاجته ، والله لئن بقيت لهم ليصلن الرجل حقه من المال وهو في مكانه يرعى) .

…وروي أن أبو عبيدة تحدث يوماً مع  سيدنا عمر(ض ) في استخدام الصحابة في العمل فقال( أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة )…

ونختم هذه المقالة بالقول لمن ولوا امر هذا الشعب او غيره ان يتقوا الله في عباد الله واحباب رسول الله اي الطبقات الفقيرة وان ينصفوهم وان لايثقلوا كاهلهم برفع الاسعار وحرمانهم من الخيرات التي خلقها الله وسخرها لكل الناس المؤمن والكافر والبر والفاجر …وان يتجنبوا في سياساتهم ما يزعج ويغضب من جاء الاسلام لانصافهم ورفع الحيف والقهر والظلم المادي والمعنوي عنهم انهم الفقراء والطبقات الشعبية

قال رسول الله  صلى الله عليه  وسلم: “من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فقد استكمل الإيمان”، فالحب في الله  منه محبة المساكين لايقوم بالخطب والمزايدات الكلامية بل بالافعال والسياسات وعلاقتها بنصرة وتقوية احباب رسول الله ومناصروا الانبياء عبر التاريخ ..

.