محمد اليازغي لـ’العرب’: المغرب يتقدم في مجال النهوض بحقوق الإنسان

 

الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض يعتبر أن محاربة الفساد مجرد شعار عند حكومة ابن كيران.

 

عن العرب فاطمة الزهراء كريم الله [نُشر في 30/05/2014،

الرباط – انتقد محمد اليازغي، الأمين العام السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض، الحكومة المغربية قائلا “إنها لا تتعاطى إيجابيا مع دستور 2011 وقد أخلفت وعدها بمحاربة الفساد، كما أنه لدى رئيس الحكومة عبدالإله ابن كيران حساسية مفرطة تجاه المعارضة”.

طالب محمد اليازغي، الوزير المغربي السابق، البرلمان المغربي بتحمّل مسؤولياته ويتوجّه إلى الرأي العام في الأقطار الديمقراطية، التي هي مع تقرير المصير للشعوب، لإقناعها بالتطور الذي يحصل في المغرب وهو تطور إيجابي سواء بالنسبة إلى الدستور أو بالنسبة إلى نتائج الإنصاف والمصالحة.

ودعا القيادي الاتحادي، في لقاء مع “العرب”، الحكومة إلى الرد على التقارير المتحيّزة ضد المغرب، وأن تفتح حوارا مع الجهات التي تصدرها، وتقدّم لها الحجج على أن المغرب يتقدم في مجال النهوض بحقوق الإنسان.

وكان محمد اليازغي صرّح في حوارات عديدة بأن من يريدون إعطاء دروس للمغرب في مجال حقوق الإنسان ليست لهم الأهلية للحديث عن هذه الحقوق. ومما نقلت عنه وكالة المغرب العربي للأنباء، أن “المغرب كسب مصداقية لدى المجتمع الدولي و”ليس لديه ما يخفيه”، على عكس الجزائر التي تتحدث عن حقوق الإنسان عند الآخرين وهي “ميدان لخروقات جسيمة لحقوق الإنسان على أرضها وفوق ترابها بما في ذلك رفض إحصاء اللاجئين في مخيمات تندوف ولحمادة”.

وأضاف أن المغرب أرسى أدوات لحماية حقوق الإنسان ممثلة في المجلس الوطني لحقوق الإنسان وفروعه الجهوية، كآلية مستقلة لها الأهلية الكافية لمراقبة هذه الحقوق في مختلف جهات المملكة ومن بينها جهة العيون والداخلة، بالإضافة إلى وجود منظمات وطنية مستقلة غير حكومية تراقب وتدافع عن حقوق الإنسان.

وأكد الوزير المغربي السابق أن أية محاولة لإسناد مراقبة حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية إلى آلية دولية أمر مرفوض رفضا مطلقا، وقال إن (المينورسو) “لما تأسست حددت لها مهامها باتفاق مع المغرب وهي منحصرة في مراقبة وقف إطلاق النار والإعداد للاستفتاء في الصحراء وتحديد الهوية للذين سيصوتون، وبالتالي فإنه لا يمكن لأي أحد أن يضيف إليها مهمة أخرى”.

وفي سياق الحديث عن ملف الصحراء المغربية وتداعياته على العلاقة المتوتّرة بين المغرب والجزائر، قال اليازغي، إن التوترات بين البلدين تعود إلى تاريخ استرجاع المغرب لأراضيه الجنوبية. وعبّر عن استغرابه للمواقف التي تتخذها الجزائر إزاء المغرب، “البلد الذي تطورت فيه حقوق الإنسان تطورا إيجابيا مع مرور الزمن”، وذكّر بمسلسل الإصلاحات التي شهدها المغرب في هذا المجال منذ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة.

وأضاف في حديثه مع “العرب” إن “قضية الصحراء اليوم مطروحة لدى مجلس الأمن للبحث عن حل سياسي متوافق عليه. وأظن أن ما قرره وزراء خارجية المغرب العربي مؤخّرا في اجتماعهم خلال هذا الشهر بالرباط، ودعوتهم لعقد قمة مغاربية في تونس في أواخر هذه السنة، كان قرارا صائبا، وآمل أن ينجح اللقاء وتصبح العلاقات بيننا وبين الجزائر طبيعية”.

 

دستور 2011

وأشاد محمد اليازغي بمرحلة الإصلاح التي دخل فيها المغرب ابتداء من الخطاب الملكي في التاسع من مارس 2011، والذي أعلن فيه عن صياغة دستور جديد للملكة، وهذا يعد مكسبا كبيرا. وهو ليس بجديد على المغرب الذي دخل مرحلة النضال الديمقراطي ضد الاستبداد منذ حكومة التناوب التوافقي سنة 1968، واستمر ذلك إلى غاية 2011، إلى أن جرت انتخابات قبل أوانها سنة 2011، وتصدّر حزب العدالة والتنمية، علما وأن هذا الحزب لم يكن من القوى الديمقراطية التي ناضلت من أجل الحرية والديمقراطية ضد الاستبداد، لكن الناخبين والرأي العام جعلا هذا الحزب يكون في الصدارة.

وخلال تعليقه عن عمل الحكومة الحالية في المغرب، التي يتزعمها الحزب الإسلامي، قال وزير الدولة السابق، إن الحكومة الحالية التي جاءت بعد دستور 2011، للأسف لم تنجح في العمل على تأويل ما جاء في الدستور. وهذا التغييب للدستور قد يُنتج مخاطر في المستقبل، وأخشى أن يشهد المغرب أزمة سياسية.

الحكومات السابقة عملت، وفق اليازغي، في إطار دستور 1996، وهو ما لا يعطي رئيس الحكومة آنذاك ما يمنحه إياه الدستور الجديد، بحيث أنه يسمى الآن رئيس الحكومة وفي السابق كان يدعى بالوزير الأول، وهذا أحد الفروق.

والحكومة الحالية لها اختصاصات ومسؤوليات حددها لها الدستور لم تتمتّع بها أية حكومة في السابق. مع التنويه بأن حكومة التناوب التوافقي لسنة 1968، أدخلت المغرب في مرحلة جديدة نعيش على صداها إلى اليوم. وكذلك حكومة إدريس الجطو وحكومة عباس الفاسي استمرتا على نفس المنوال.

ويمكن أن أقول إن ملفات المشاريع المهمة المطروحة على طاولة الحكومة الحالية كلها ورثتها من الحكومات السابقة، على غرار المغرب الأخضر أو “اليوتيس” أو مخطط برنامج إصلاح التعليم أو قانون مدونة الشغل والقانون الجديد للجماعات، وكلها برامج موروثة من الحكومــات السابقـة.

وفي ما يخص ملفات الفساد قال اليازغي، “هو مجرد شعار عند الحكومة الحالية، وابن كيران بنفسه اكتفى بالقول، “عفا الله عما سلف” وهذا دليل على أنه لم يستطع مواجهة المفسدين، وشعارات الفساد التي يحملها لم تخف إلا النزهاء في الإدارة، أما المفسدين الحقيقيين فهم مطمئنون كل الاطمئنان”.

 

اغتيال عمر بن جلون

عاد اليازغي إلى الماضي واستحضر بعض الأحداث التاريخية وكشف عن قضية اغتيال عمر بن جلون، القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي. وأوضح في هذا السياق، “أن عمر بن جلون اغتالته قيادات إسلامية سنة 1975، ووقع اعتقال منفذي الجريمة، لكن العناصر المسؤولة عنهم هربت إلى الخارج.

وكان الدكتور عبدالكريم الخطيب الذي قلت سابقا إنه لم يشارك في النضال الديمقراطي من الناس المسؤولين عن هذه الوضعية، وهو الذي أوجد المحامين للدفاع عن قتلة عمر بن جلون”.

وأضاف اليازغي، أنه “في السنوات الأخيرة قرّر الملك محمد السادس العفو على المتورطين في القضية، فاستشارني وكذلك تمت استشارة زوجة بن جلون وكان ردّنا: هم قضوا في السجن أكثر من عشرين سنة وهذا يكفي ونحن لسنا بحاقدين”.

وفي تحليله لوضع اليسار المغربي اعتبر اليازغي، أن الأحزاب الوطنية اختارت أن ترسخ الديمقراطية الداخلية. وأشار إلى أن هناك نقطة خاطئة تحدثت عنها الصحافة وهي وحدة المعارضة.

وهو يرى أن المعارضة قوية بتعدّدها وليس بوحدتها عكس الأغلبية، فمثلا في البرلمان المغربي هناك معارضة اشتراكية ومعارضة ليبرالية ومعارضة محافظة، وكل معارضة يجب أن تعبّر عن توجهاتها حسب اختياراتها ولا يجب أن تكون معارضة مبهمة وغامضة.

وتجنب كبير الاتحاديين في المغرب، التعليق عن التوترات الداخلية التي يشهدها حزب الاتحاد الاشتراكي والخلافات الحاصلة بين كاتبه الأول إدريس لشكر وأحمد الزايدي، مكتفيا بالقول،”ليس لدي أي تعليق عن هذه الخلافات”.

وأكد في خلاصة هذا الحوار على “أن الشعب المغربي استطاع أن يتطور ويتقدم، والمغرب بلد إسلامي اختار المذهب المالكي، كما رسّخت الحركات الصوفية قيما كبيرة داخل المجتمع المغربي، ونحن لا نحتاج لأن يؤسلمنا أحد كما حصل في أقطار أخرى، لذلك أنا أشير إلى أن هناك خطرا يكمن في الدعوة الدينية المنغلقة التي تقوم بها حاليا حركة التوحيد والإصلاح، ومع الأسف فإن هذه الحركة هي من تتحكم في حزب العدالة والتنمية الذي هو على رأس الحكومة الحالية، وأنا أعتقد أنه خيار سيئ بالنسبة إلى المستقبل”.

حياة سياسية حافلة

ولد محمد اليازغي في 28 سبتمبر من سنة 1935 بفاس وبها أنهى تعليمه الابتدائي قبل أن ينتقل إلى مدينة الرباط التي أكمل فيها دروسه الثانوية وحاز فيها على الإجازة في الحقوق، ومنها انتقل إلى باريس كطالب بالمدرسة الوطنية للإدارة، وبعد تخرجه منها عمل محاميا بالعاصمة الفرنسية ومنذ 1968 وهو يزاول نفس المهنة بالرباط.

انخرط محمد اليازغي في العمل السياسي، وعمره 16 سنة، وكان المغرب في أوج سنوات المقاومة ضد الاستعمار بعد نفي الملك محمد الخامس. واعتقل عدّة مرات. وفي سنة 1954 انخرط في حزب الاستقلال واحتك بأبرز قياديي الحركة الوطنية وشارك في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959.

وفي منتصف السبعينات كان اليازغي مع ثلة المناضلين الذين حضروا المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المؤتمر الذي تبنى استراتيجية النضال الديمقراطي، وحدد بكل وضوح خياره الأيديولوجي ومشروعه المجتمعي وهي الوثيقة التي صاغ أرضيتها الأولى ومحاورها الأساسية عمر بنجلون.

من أبرز الأحداث في حياة محمد اليازغي ما وقع له سنة 1973 حين انفجر بين يديه طرد ملغوم كاد يودي بحياته، إذ أنقذه الأطباء من موت محقق، واستمرت العملية الجراحية لإعادة ترتيب أحشائه وبعض أطرافه عدة ساعات.

إلى جانب مساهماته الفكرية في هذه الوثيقة، صاغ اليازغي التقرير التنظيمي للحزب الذي يعد من أبرز أدوات بناء الاتحاد وهيكلته، وطيلة أكثر من نصف قرن ارتبط اليازغي بالآلة التنظيمية وبقضايا الاتحاد الاشتراكي وشغل عضوية المكتب السياسي. وفي سنة 1991 أنيطت بعهدته مسؤولية الكاتب الأول بالنيابة، ولما اغتيل عمر بن جلون في ديسمبر 1975 أصبح اليازغي مديرا لجريدة المحرر.

شغل اليازغي عدة مسؤوليات إلى جانب مسؤولياته الحزبية ومنها الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية ما بين سنتي 1977 و 1993، ونائبا برلمانيا منذ 1993 بالقنيطرة والرباط. كما تقلد مسؤولية رئيس مصلحة ميزانية التجهيز بوزارة المالية في عهد حكومة عبدالله إبراهيم، الحكومة التي أسست اقتصاد المغرب الحديث ودشّنت أهم بنياته التحتية والإنتاجية.

ومع حكومة التناوب التي شُكلت سنة 1998، تقلد اليازغي حقيبة وزارة إعداد التراب والسكنى والتعمير والبيئة، وشهد القطاع الذي أشرف عليه عملية حوار وطني شارك فيه مسؤولون محليون وجهويون ووطنيون بالجماعات المحلية والقطاعات الحكومية والمعاهد والمجتمع المدني، توج بالمصادقة على الميثاق الوطني لإعداد التراب.