المعارضة السورية بين مطرقة القاعدة وسندان الوهم.

د.عدنان عويّد

     ثلاث سنوات ونيف مرت على الصراع بين المعارضة السورية (المجلس –الائتلاف والفصائل المسلحة), ومن يساندها عربياً وإقليميا ودولياً, وبين النظام السوري, والنتيجة هي انتصارات متتالية للنظام على كل المستويات أو الأصعدة, وبخاصة العسكرية والسياسية والشعبية منها, وخسائر أو هزائم متتالية للمعارضة على كافة المستويات أو الأصعدة أيضاً. فالمعارضة يوماً بعد يوم تزداد تشتتاً وتمزقاً, وبدلاً من مواجهة النظام موحدة, راحت تواجه نفسها وتعمل على تصفية بعضها سياسياً وجسدياً, هذا في الوقت الذي أخذت بعض القوى العربية والدولية تضع قسماً من المعارضة التي قدمت له الدعم المادي والعسكري واللوجستي في بداية انطلاقة الحراك تحت قائمة الإرهاب (النصرة وداعش والإخوان), وبذلك تبين أن هذه المعارضة لم تكن أكثر من أداة أرادت هذه القوى الداعمة لها أن تسخرها لتحقيق أجندات خاصة بها, وليس حباً بها أو بحرية وعدالة وديمقراطية الشعب السوري. هذا إضافة إلى هزائم أخرى تضاف إلى أجندتها, وهي على درجة عالية من الأهمية, وتتمثل في استغلال تنظيم القاعدة لحراك هذه المعارضة من أجل تحقيق مشروعها, وهو إقامة الخلافة الإسلامية انطلاقا من بلاد الشام. وهذه المسألة سوف أوضحها بعد قليل.

     أما على مستوى النظام, فقد حرر قسماً كبيراً من المواقع الهامة التي استطاعت المجموعات المسلحة أن تسيطر عليها في بداية حراكها المسلح مستغلة ضعف التواجد العسكري فيها لأسباب تتعلق بتوزيع الوحدات العسكرية من جهة, ومن جهة أخرى استخدام قوة السلاح اللامشروطة أخلاقياً في ترهيب الشعب الأعزل وتهجيره, هذا إضافة إلى بدء الشعب نفسه في سورية إدراك الأبعاد الحقيقة لما سمي ثورة بإسمه, حيث تبين له أن ما جرى ولم يزل يجري من دمار وسفك للدماء هو ليس لمصلحته بل هو ضد مصالحه ومستقبل أولاده, وما المسيرات المؤيدة للنظام التي تخرج من قبل الشعب في العديد من المناطق المحررة من سيطرة المجموعات المسلحة إلا دليلاً واضحاً على أن شعارات المعارضة التي رفعتها بإسم الشعب لم تعد تنطلي على الشعب. هذا إذا ما أضفنا إلى خانة الانتصارات, تراجع مواقف آل سعود عن دعمها لجبهة النصرة والإخوان بعد وضعهما تحت قائمة الإرهاب, ثم بدء تنديدها بكل من يروج للإرهاب في سورية. ثم جاء سقوط حكم الإخوان في مصر ليشكل أحد الضربات القاصمة لظهر المعارضة الإسلامية وبخاصة (الإخوان المسلمون), هذا دون أن نغفل في هذا الاتجاه العديد من المواقف الداعمة للنظام بشكل مباشر أو غير مباشر في محاربة الإرهاب على المستوى العربي, وبخاصة الموقف العراقي من الإرهاب والتنكيل به عبر التعاون الأمني واللوجستي مع النظام السوري, وهناك أيضاً موقف الحكومة اليمنية  والتحولات الأخيرة في ليبيا ضد الإرهاب, وهذه المواقف كلها عملت وستعمل على تجفيف مصادر الدعم لقوى الإرهاب في سورية الذي راح يشكل الوجه الآخر للمعارضة السورية. ويبقى أخيراً أن نشير إلى الدعم اللامحدود لأصدقاء النظام السوري وبخاصة روسيا وإيران والقوى المقاومة في لبنان.

     أما بالنسبة لموقف القاعدة من المعارضة السورية فيمكننا أن نقول في هذا الاتجاه:

      إذا كانت المعارضة السورية قد تحولت إلى أداة بيد القوى الإقليمية والدولية التي تعمل على إنهاء النظام السوري وما يمثله من حامل لمشروعين أساسيين في الوطن العربي وهما, مشروع المقاومة أولاً, الذي يهدد الكيان الصهيوني, والمشروع القومي ثانياً, الذي يهدد آل سعود ودول النعاج من جهة, والمشروع الإسلامي ألأممي ممثلاً هنا بـ (الإخوان المسلمون) من جهة ثانية. فإن المعارضة السورية قد تحولت من ناحية ثالثة في الجانب الآخر أيضاً إلى أداة بيد القاعدة التي تهدف إلى إقامة مشروع الخلافة الإسلامية انطلاقاً من بلاد الشام, حيث يعتبر تنظيم القاعدة أن بلاد الشام هي قلب أو وسط المنطقة التي تخطط لها القاعدة من أجل إقامة هذه الخلافة, لتنطلق منها إلى المناطق المباركة (برأييها) والتي تشمل (مناطق الصراع الواقعة شمال الجزيرة العربية، وتركيا ومصر والعراق وحواف الشمال الغربي لإيران وأقصىحواف الشمال الشرقي للسودان وحواف من الشمال الشرقي لليبيا وقبرص وبحر إيجة وأطراف من جنوب أوروبا ونحو ثلثي البحر الأبيض المتوسط.).

     ومن الواضح إذاً أن منطقة الحشد والرباط في بلاد الشام التي توافد إليها اليوم الآلاف من عناصر القاعدة تحت مظلة دعم المعارضة السورية ضد النظام, هي المنطقة التي  تقع في قلب منطقة المخطط الذي وضعته القاعدة لإقامة الخلافة الإسلامية, مما يعني أن المواجهة القادمة بين التيار الجهادي السلفي وأنموذجه القاعدة سيطال دولا وشعوبا لطالما اعتبرت نفسها بعيدة عن ساحة الصراع المباشر أو أنها اكتفت بمواقف سياسية أو أيديولوجية أو تقديم دعم مالي للمعارضة السورية, دون أن تدرك أنها تقدم هذا الدعم في الحقيقة للقاعدة. والتفكير في مثل هذا الأمر سيعني قطعا توريط وجر الكثير من القوى والشعوب والدول إلى ساحة الصراع بطريقة تؤدي فعلا إلى إيقاع “تخريب” فعلي يصعب السيطرة عليه. وهذا ما يجري اليوم في سورية ومصر والعراق وليبيا واليمن ولبنان والحبل على الجرار.

       من هنا نرى كيف تحولت المعارضة السورية إلى أداة بيد القاعدة, وما يجري اليوم من صراع في سورية بين داعش والنصرة والجماعات الإسلامية من جهة, وبين داعش والنصرة وما يسمى الجيش الحر من جهة ثانية, إلا دليلاً على ما ترمي إليه القاعدة في سورية, ومؤشراً أيضاً على أن الهدف من الصراع الدائر في سورية لم يعد له أية علاقة بما تسميه المعارضة (ثورة).

هكذا نرى المعارضة السورية تقع في الحقيقة بين مطرقة القاعدة ومصالح الدول العربية الإقليمية والدولية من جهة, وسندان وهمها في تغيير النظام في سورية وإقامة مشروعها (الثورجي) من جهة ثانية.

خريطة القاعدة التي تبين حدود الخلافة الإسلامية كما هو واضح في الخط الدائري .

 

كاتب وباحث من سورية

الدكتور عدنان عويد لنشرة المحرر

31 ماي 2014