مظاهر العطب المؤسساتي في البلاد..

عبد الحميد جماهري


عندما انطلقت مشاورات موجة الربيع العربي، بين مكونات الحقل السياسي، كنا على وعي تام بأن المرحلة تحتمل انفتاحا كبيرا . وأعقب ذلك الاعلان الرسمي عن دخول المغرب إلى دينامية تاريخية غير مسبوقة، ولعل عنوانها الكبير كان هو تغيير الدستور، من أجل تغير طبيعة الدولة ، وطبيعة النظام نفسه، باتفاق معه.
ولنا أن نتساءل اليوم: أين نحن من تلك الأحلام الواقعية، السياسية والمؤسساتية التي غذت ممارستنا السياسية وغذت الثقة في المغرب، باعتباره نموذجا في الدائرة العربية الاسلامية، على تحريك مياه التاريخ واستباق وقائع السياسة؟
يمكن القول إننا غامرنا بالحلم، مع حكومة انبثقت من هذه الدينامية نفسها، وتجرأنا على أن نبني من هذا الحلم إمكانية تاريخية.
واقع الحال أن العنوان الكبير اليوم أن هناك عطبا في الميكانيكا المؤسساتية، يصل أحيانا إلى الشلل
التام مؤسساتيا، ولقد كنا نطالب بتفعيل وتنزيل الدستور من طرف رئيس الحكومة، بعد أن كنا نراهن على هذه الحكومة بعد خطاب 9 مارس والدستور الجديد 2011، أن تنقل البلاد الى ملكية برلمانية ديمقراطية اجتماعية دستورية حسب منطوق الدستور ذاته، ونسأل الآن ماذا تحقق بعد مسيرة ثلاث سنوات من الفعل الملموس؟
1 – شلل بسبب الديكالاج الدستوري
وجود تفاوت دستوري في مؤسسات البلاد، ليس مسألة وهم بصري . فالواقع الملموس يبين بأن هناك مؤسسات تشتغل بناء على دستور 1996، وأكبرها الغرفة الثانية والجماعات والجهات، وهناك مؤسسات نتجت عن دستور 2011 وعلى رأسها الحكومة ومجلس النواب .
ولنا أن نتصور هذا البناء الذهني والمادي الذي يشتغل موزعا بين زمنين، والتجاوز بين لحظتين دستوريتين، يفترض أن المنطق الذي يتحكم فيهما يختلف من حالة الى أخرى، ومن لحظة الى أخرى … وقد عشنا التوتر المؤسساتي، المبني على التفاوت الدستوري في قضية تهريب الأموال وقانون المالية الحالي.. وأيضا بوجود رغبة قوية لدى الحكومة بتعطيل المؤسسة الحالية بدون اتخاذ القرار الواضح والقوي بتغيير الغرفة الثانية عبر تنظيم الاقتراع.
2 – عدم استكمال البناء الدستوري للمغرب
نسميها القوانين التنظيمية التي لم تر الوجود، وهي قوانين تنظم الحياة الوطنية كما تسمح بميلاد المؤسسات التي تدور وتدير معها البلاد، مثل المجلس الأعلى للصحافة، المجلس الأعلى للجمعيات والشباب، والجهوية بالشكل الذي يتماشى مع الدستور الجديد وتغير معها استراتيجية وطبيعة القرار السياسي بالبلاد .
عمليا، نحن في وضعية لا دستورية في جزء كبير من الممارسات السياسية أو في وضعية ما قبل دستور في مجموعة من المؤسسات .
وحتى بالنسبة للسقف الزمني الذي حددته الخطب السامية التي بنت الدستور الجديد أو رافقته، فنحن متأخرون بثلاث سنوات.
للتذكير، كان الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى 12 لعيد العرش ( الذي صادف آنذاك 30 يوليوز 2011) قد تحدث بالواضح حول الأجندة الزمنية المحددة .
وقتها قال ملك البلاد بالحرف : «ندعو كافة الفاعلين المعنيين، إلى اعتماد جدولة زمنية مضبوطة (…) لإقامة المؤسسات الدستورية في الآماد القصيرة والمتوسطة .
وكان جلالته، في نفس المناسبة قد قال حرفيا: «فعلى المدى القريب، ينبغي إعطاء الأسبقية لإقرار القوانين الجديدة، المتعلقة بالمؤسسات التشريعية ،التنفيذية والقضائية!»
ليضيف في الفقرة الموالية يجب في البداية انتخاب مجلس النواب الجديد(..) أما بالنسبة لمجلس المستشارين، فإن إقامته رهينة بالمصادقة على القوانين التنظيمية والتشريعية، المتعلقة بالجهوية المتقدمة وبالجماعات الترابية الأخرى وبالغرفة الثانية ؛ وكذا بإجراء الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بها ؛ وفق جدولة زمنية محددة، يتم إكمالها بتنصيب مجلس المستشارين، بتركيبته الجديدة، قبل متم سنة 2012 ».
وقد فتح وقتها نقاش في أوساط الطبقة السياسية والنخبة الحاكمة، وشارك الاعلام. وكان قد طولب، في معرض النقاش قبل حسمه، بأن يحرص الجميع على التأمين السياسي لمسلسل الاصلاح، وأن يتم ذلك عبر فتح المجال للاحزاب السياسية لتأهيل ذاتها، وذلك عبر التأهيل التنظيمي وتجديد النخب وما إلى ذلك.
لا حاجة إلى التذكير بالحملة التي كان الاتحاد هدفا لها وقتها، تارة باسم الشعور بالعجز من طرفه وتارة أخرى باسم الدورة الاقتصادية وجمودها ، وتارة أخرى باسم الإسراع في الدخول في ما بعد الحراك العربي.
وإذا كانت بعض الاسباب ذات وجاهة يصعب نكرانها، فإننا مع ذلك أدينا ثمنا من طرف الكثير من الأقلام والهيئات.
وبعد ذلك ثبت ما قلناه، وأنصفنا التاريخ كاتحاد اشتراكي .
هل كان من الممكن أن نربح لو انتظرنا مدة قصيرة حتى تنضج شروط التأهيل la mise a niveau وشروط التأمين السياسي للمسلسل الدستوري securisation politique du processus constitutionnel بدل أن نعيش الآن أزمة وعطبا مؤسساتيا لا يخفى على العين المجردة ؟ وها أنتم تنظرون منذ 2011 الى الآن لم تستكمل .
3 – الشلل المؤسساتي في الحكومة :
لم تستطع رئاسة الحكومة أن ترسخ هويتها الدستورية الجديدة، حيث أن رئاسة الحكومة فشلت في أول امتحان لها، وهو التعيين في المناصب العليا والاستراتيجية . ونحن نعتبر رئاسة الحكومة هي مؤسسة دستورية بعد دستور الجديد ، وأن عبد الإله بنكيران تنازل عن اختصاصاته وعطل الارادة المشتركة بين الملك والشعب الذي صوت بنسبة كبيرة على هذا الاستفتاء، وتعطل معها بروز مؤسسة رئاسة الحكومة .
وبعد تشكيل الحكومة الثانية تنازل عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة على الحزبية لفائدة التقنوقراط، ونعرف من بينهم من اشتغل على دستور 1996 ومنهم من مارس قبله، ومنهم من لا يخضع لسلطة رئاسة الحكومة .
رئاسة الحكومة، في تقديري، فكرت بالعقل السياسي المأزوم الذي يرى أن انهزام الاخوانية في مصر وسقوط وارتفاع منسوب المعارضة ضد النهضة في تونس، كبلدين من رحم الربيع العربي، يقضي الجواب عليه بتعطيل مقتضيات الربيع المغربي!!
يجب أن نجيب على أزمة الإخوان في البلدين المذكورين بالتنازل عن الإرادة المشتركة في المغرب ! وإبطال العقل السياسي .
وصاحب ذلك التنازل للقرارات الداخلية، تنازل على مستوى القرار الخارجي والانصياع للوصفات التي تأتي من صندوق النقد الدولي.
التعطيل المؤسساتي ، تجلى كذلك في تعطيل «الآلية الاخلاقية للبرلمان». والتطبيع العلني مع الفساد، بالسماح بعودة الأموال المهربة، المشبوهة مصادرها، بدون إقناع سياسي أو ترصيف أخلاقي يسمح بعودتها على سكة واضحة.
4 – السعي إلى تعطيل المعارضة:
أصبح من ثوابت السلوك الحكومي، العمل على تعطيل المعارضة السياسية بوسائل عديدة أهمها
* الالتفاف على مشاريع القوانين التي تتقدم بها أو ما سماه نائب اتحادي بقرصنة مشاريع القوانين وتهريبها (قصة مشروع قانون الحق في المعلومة).
*تعطيل دور المعارضة عبر حرمانها من قانونية رئاستها للجن تقصي الحقائق، علما بأن حزب رئيس الحكومة، كان قد تقدم، في مذكرته الخاصة باقتراحات التعديل الدستوري، التي تلقتها لجنة إعداد مشروع دستور 2011 ، كان قد اقترح أن تكون اللجن برئاسة المعارضة.
* الاستفراد بالقرار التشريعي، وثمة رهان على أن يغيب الحوار المؤسساتي كليا ويحل محله الحسم العددي.
5 – تعطيل الوسائط الاجتماعية للسياسة
عبر تعطيل الحوار الاجتماعي
ليس في تعطيل الحوار الاجتماعي رسالة سياسية عن ضيق الأفق الحكومي فقط، بل هو تعطيل لآلية من آليات إنتاج القوانين والمشاريع، وتدبير الشأن العام.
فغياب الحوار الاجتماعي الجدي، لا يسقط فقط إمكانية التنمية والتوزيع العادل للثروة، بل هو في صميم تعطيل المشاريع ، وما يليها من مؤسسات.
وكل هذه المؤسسات العاطلة عن العمل، لأنها موجودة خارج زمنها الدستوري أو لأنها لم تولد بعد، يضعنا في فترة ما قبل دستورية، وفي لحظة فراغ مؤسساتي (نسبته لا تهم ) في كل ما يتعلق بتدبير مغرب ما بعد التغيير الكبير .
عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
31 ماي 2014