مهندسون مغاربة متميزون

عبد الرزاق السنوسي معنى

عمر بنجلون المهندس الخبير
الذي اكتشف الطرد ملغوم

الشهيد عمر بنجلون المهندس الاتحادي الفذ، ذو قدرة كبيرة على العمل، الانسان المناضل الذي واجه أحكام الإعدام وتهجمات الخصوم السياسيين والنقابيين وعنف المخزن وعذاب المعتقل السري دار المقري ودرب مولاي الشريف… ومن الطرد الملغوم إلى الاغتيال القذر.
بنجلون ابن منطقة عين بني مطهر نواحي مدينة وجدة، بعد دراسته الابتدائية والثانوية في مسقط رأسه ثم في وجدة التي حصل فيها على القسم الثاني من البكالوريا، سافر إلى باريس حيث تابع دراسته العليا فحصل على الليسانس في الحقوق، ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، وبعدهما دبلوم المدرسة العليا للبريد, حيث نال الدرجة الأولى في فوج المتخرجين لسنة 1959-1960.
عمر صاحب النكتة، عرفه المغاربة في باريس طيلة إقامته شابا مناضلا لا يفتر عن العمل من أجل خدمة المبادئ التقدمية، كان أحد المدافعين عن أفكار ومبادئ الاتحاد في وسط الطلاب والعمال المغاربة، وأصبح مسؤولا عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في باريس، كما انتخب رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال افريقيا التي ظل رئيسا شرفيا لها.
بعد التحاق عمر بالمغرب عين مديرا إقليميا للبريد بالنيابة في الدار البيضاء، ثم مديرا إقليميا في الرباط, حيث عرفه عمال وموظفو البريد مناضلا نقابيا بينهم يتحمل الجزء الأكبر في تنظيمهم ووعيهم وفي قيادة كفاحهم من أجل تحقيق مطامح الطبقة العاملة، ليقدم استقالته بعد مدة.
شارك إلى جانب مهماته السياسية بنشاط وحماس في خدمة قضايا الطبقة العاملة ولعب دورا مهما في التوعية للعمال حيث كان أبرز المؤطرين، وهو ما أزعج القيادة النقابة آنذاك، من توعية العمال داخل الاتحاد المغربي للشغل بوضعهم وحقوقهم، ولعب أيضا دورا رئيسيا أثناء الاستعدادات لإضراب الموظفين البريدين في يوليوز ودجنبر 1961، حيث اختطف في الساعة الأولى ليلا بعد بدء الإضراب العام لجامعة البريد يوم 20 دجنبر 1961?
تعرض عمر من جراء عمله النضالي والنقابي للعديد من المضايقات والإيذاءات المختلفة، وأودع في معتقلات سرية عدة مرات وفي عدة سجون، منها اعتقاله يوم 16 يوليوز 1963 في حملة الاعتقالات الواسعة التي تعرض لها مناضلو حزب القوات الشعبية، من داخل مقر الحزب، حيث كان اجتماع لأعضاء اللجنة المركزية من أجل الإعلان عن قرار مقاطعة الإنتخابات الجماعية التي كانت ستنظم في المغرب، وذلك احتجاجا على الخروقات والتزوير وتدخل الدولة في استحقاقات ماي 1963.
أثناء تفتيش منزل عمر بنجلون، قيل أن البوليس وجد وثائق تهم تصميمه لشبكة الهاتف داخل القصر الملكي، اعتبرته الأجهزة الأمنية حينها صيدا ثمينا، ودليلا على مؤامرة تستهدف القصر.
وحكم عليه بالإعدام يوم 14 مارس 1964، وقد استبدل الحكم بالسجن المؤبد وذلك بمناسبة الذكرى 11 لثورة الملك والشعب، وفي 14 أبريل 1965 سيتم إطلاق سراحه، بعد صدور عفو عليه وعلى عدد من المعتقلين، يقول شقيقه أحمد بنجلون أنه عاد من الجزائر يوم 15 أبريل 1965 لرؤية أخيه عمر، وخصص ببني مطهر استقبال الأبطال، المعتقلين السياسيين انطلاقا من مكان يدعى عوين طريان إلى مدخل القرية، على امتداد 5 كلم، وقد اصطف على جانبي الطريق صفان من الفرسان ببنادق التبوريدة, فيما سار موكب المفرج عنهم من المعتقلين وبينهم عمر بنجلون وبعض معتقلي مدينة وجدة، مثل حرفي وعبد الرحمان المتوكل وبن شواط… الذين كانوا محكومين بمدد تتراوح بين 10 و30 سنة.
سيختطف من جديد عمر بنجلون في نفس السنة التي غادر فيها السجن، وبقي في المعتقل مدة عام ونصف، حيث أثناء محاكمته انتفض عمر داخل قاعة المحكمة ونعت القضاة ب»المخازنية ديال الدولة» فما كان من القاضي إلا أن أضاف سنة حبسا كاملة في حقه. وبعد الافراج عليه سيتعرض للإعتقال مرة أخرى ويحكم عليه لمدة سنة بعد متابعته بتهمة توزيع منشورات، حيث قال أمام الهيأة القضائية المكلفة بالنظرفي ملفه: «انكم مثل رجال القوات المساعدة الذين ينفذون الأوامر». بعد الافراج عليه سنة 1967 عاد للمحكمة مجددا ,لكن هذه المرة كمحام للدفاع عن معتقلي حزب القوات الشعبية.
عمر بنجلون هو من حرر المذكرة التنظيمية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1965 مباشرة بعد خروجه من السجن، وأبدع فيها وظلت هي المرجع التنظيمي للحزب لعدة سنوات. وكان المنظر لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم سنة 1966. انضم الى هيئة المحامين بداية السبعينات، في سنة 1971 تعرف بمعتقل دار المقري على عدة جلادين، في سنة 1972 تولى ادارة تحرير صحيفة «المحرر» التي كانت تنقل ما يجري في المغرب وكان يحرر افتتاحيات الجريدة وهو الذي حرر الوثائق التي ارتكزت عليها قرارات 30 يوليوز للاتحاد سنة 1972، ولعب دورا هاما في ذلك الإجتماع، كما حرر التقرير الإيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي في يناير 1975، و لعب دورا رياديا في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي، وهو الذي وضع الأسس لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978.
عمر بنجلون سيتوصل بطرد ملغوم في ليلة عيد الأضحى يوم 13 يناير 1973، حيث طرق ساع خاص باب منزله واستلمت زوجته طردا من الورق المقوى يحمل طوابع بريدية عادية مختوما عليها من طرف وكالة البريد المركزي بالدارالبيضاء موجها في اسم عمر بنجلون، وقد كان الشهيد داخل البيت عندما أتت له زوجته بالطرد المذكور، فارتاب في أمره بعدما لاحظ أنه لا يحمل اسم المرسل وحمله بين يديه بعناية كبيرة إلى درج حديقة البيت محاولا فتحه بمعرفة المهندس الخبير، وعندها اكتشف أن الطرد ملغوم، رمى به إلى الحديقة بعد أن أبطل مفعوله? كانت تجربته في قطاع بريد المغرب جعلته يتريث لوجود أشياء وضعت بشكل غريب داخل الطرد، كانت شبكة خيوط عبارة عن قنبلة وضعت بإحكام داخل الظرف لتنفجر مباشرة بعد فتحه.
كانت محاولة اغتيال عمر بن جلون من أجل إخراسه الى الأبد وقتل الفكر الذي يحمله? ورغم تلك المحاولة الاجرامية سيتعرض لاعتقل يوم 9 مارس 1973، ويبقى في السجن إلى غاية يوم 26 غشت 1974 بعدما أعلنت المحكمة العسكرية براءته، ورغم ذلك لم يطلق سراحه واقتيد إلى أحد المعتقلات السرية، حيث اتهم باستقباله أسلحة من أجل تنفيذ الانقلاب المزعوم والسيطرة على الحكم واغتيال الملك. أثناء هذا الاعتقال تعرض لأشد أنواع التعذيب قهرا وتأثيرا على البدن والنفس بدرب مولاي الشريف والسجن المركزي بالقنيطرة، وبعرض البحر مرارا وتكرارا لانتزاع اعترافات منه.
بعد خروج عمر من السجن تحمل مسؤولية إدارة «المحرر» مرة ثانية، وانتخب عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير 1975، وفي نفس السنة سيتعرض لحادثة اغتيال غادرة يوم الخميس 18 دجنبر 1975 في الساعة الثالثة وعشر دقائق، عندما كان يقف أمام باب سيارته الواقفة بباب منزله، من طرف عناصر مسخرة.
لقد كان اغتيال عمر بن جلون عمل إرهابي خططت له عدة اجهزة، ونفذه تلامذة الظلام ومحترفو العماء الإيدلوجي، وكان قتله يستهدف قتل الفكر الاتحادي وإطفاء الشعلة النضالية التي فجرها الوضوح الفكري والسياسي كما رسمه عمر ورفاقه في الحزب، وكان قرار القتل جاهزا وفي كل مرة كان الإخراج يتغير ولما لم يفلح الإعدام القضائي، جاء الإعدام بيد الإرهاب الفكري المتلبس بالدوغمائية العقائدية.

محمد أيت قدور المهندس الكفؤ
مدير ميناء القنيطرة

محمد أيت قدور مناضل اتحادي من العيار الثقيل، ومهندس كفؤ، ومدير لميناء مدينة القنيطرة، وأحد قادة حزب القوات الشعبية. كان عضو اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ تأسيس، وعضو اللجنة الادارية للاتحاد الاشتراكي فيما بعد، وعضو اللجنة الخارجية للحزب لعدة سنوات، وممثلا لجريدة الحزب في الخارج لسنوات.
أيت قدور تربى في أحضان الوطنية وعاش وطنيا يحب وطنه، هو ابن قرية بوعياش تالخوخت الواقعة على بعد 25 كلومتر من ميدلت. كان وراءه المهدي بنبركة في الدخول إلى المدرسة، في هذا الصدد يحكي والده المرحوم السي أحمد، «في منتصف الأربعينات زار سريا المهدي بنبركة منطقة قرية بوعياش، وقال المهدي في تلك الزيارة لوالد أيت قدور: «الإستعمار استولى علينا لأن القبائل فضلت أن يكون أطفالها مجرد «سراح» يرعون الغنم واليوم إن أردتم أن نأخذ الإستقلال فعلينا أن نفكر في رجال الغد، إنهم أبناؤكم الذين يجب أن لا يبقوا مجرد سراح، وعليكم إذن أن تكونوا بجانب ملكنا وحزبنا» يضيف المهدي «ملكنا وحزبنا يريدان لأبناء المدينة والبادية أن يتعلموا ويتقدموا في العلم ولهذا نبحث الآن في كل مدينة وقرية، نصل إليها على أماكن تصبح مدارس لأبناء الشعب». وفي حديث بينهما قال والد أيت قدور للمهدي أن أفراد عائلته في تلك الحقبة تخلوا عن الخيام وأصبحوا يسكنون دور مبنية وبجانبها مكان كبير مغطى خاص بالبهائم قال المهدي: «البهائم ستنام برا وهذا «الكوري» سيكون هو المدرسة». في تلك الفترة سافر والد أيت قدور إلى الرباط وربط له المهدي بنبركة الإتصال بعدة رجال من الحركة الوطنية للتذاكر معهم في شؤون المدرسة ومنهم بلافريج واليزيدي، وفيما بعد أصبحت المدرسة تستقبل أطفال الدوار ومنهم محمد أيت قدور الذي كان من الممكن أن يكبر مع رعاة البهائم لولا زيارة المهدي بنبركة لقرية بوعياش. في سنة 1946 تعرض رجال قرية بوعياش للاعتقال من ضمنهم والد آيت قدور السي أحمد، من طرف سلطات الاحتلال.
محمد أيت قدور أخذ تعليمه الأولي بمنطقته، وفي سنة 1953 تخرج من مدرسة ميدلت، قبل أن يصل إلى الشهادة الابتدائية، حيث أخذه مدير المدرسة التي كان يدرس بها وهو فرنسي الجنسية، لاستكمال دراسته، بالمدرسة تربى على قيم الوطنية، في نفس السنة التحق بالمدرسة العسكرية الدارالبيضاء بمكناس وكان عمره 14 سنة، وكانت له علاقة بعدد من ضباط الجيش الذين تعرف عليهم في أقسام المدرسة العسكرية، كما كانت له صداقات كثيرة مع بعضهم. فيما بعد تخرج مهندسا والتحق يشتغل بالسكك الحديدية، قبل أن يقضى عدة شهور متدربا في محطة سيدي قاسم، ثم انتقل إلى الرباط وبدأ نضاله يتزايد في العاصمة وفي تافيلالت. في صيف سنة 1957 كان من بين متطوعي طريق الوحدة الذي أشرف عليه الشهيد المهدي بنبركة. في نفس السنة التحق بالمدرسة الصناعية والتجارية الخوارزمي بالدارالبيضاء، بعد سنتين من التدريس حصل على شهادة التقني العالي وتم اختياره للالتحاق بالسلك التحضيري لامتحان ولوج مدرسة الأشغال العمومية للدولة بباريس، حيث سيتخرج مهندسا بامتياز بداية الستينات.
واشتغل مهندسا بالمكتب الوطني للسكك الحديدية بالرباط، وهي المهنة التي أتاحت له إمكانية التحرك والترحال. ثم اشتغل بميناء آسفي وفيما بعد بميناء القنيطرة،. ساهم في تأسيس الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة، وتأسيس اللجنة الوطنية لمناهضة القمع والتعذيب. في ربيع سنة 1964 أخذ أيت قدور عطلة ليزور أباه بمدينة ميدلت، وهناك سيتعرض للاختطاف من طرف شخصين وألقيا به في وضع غير مريح تحت المقعد الخلفي للسيارة وربطت يداه ووضعت قطعة من القماش على عينيه، ثم نزلوا به إلى سرداب حار خانق وهو مخفر شرطة بمدينة مكناس، وتم الاستنطاق معه على سطح المبنى تحت شمس حارة، وفيما بعد تم نقله إلى مدينة الرباط. أثناء الاستنطاق اكتشف أن تنقلاته إلى تلمسان أمرا تشكل مس بأمن الدولة.
بعد اعتقال محمد أيت قدور أخذ نصيبه من القمع والتعذيب، قبل المثول أمام المحكمة العسكرية بمكناس التي حكمت عليه أنذاك بالبراءة، لأنه لم يهرب من العدالة ولو هرب لكان الحكم عليه بالإعدام كالآخرين، مثل شيخ العرب و14 من رفاقه يوم 27 مارس 1965. بعد مرور سنوات يتذكر أيت قدور دار المقري، عندما بدأت حصته من التعذيب وصله صوت مندهش وسط آلامه: «أنت هنا؟» إنه صوت الكولونيل الدليمي، رغم العصابة على عينيه. لقد أمضى أيت قدور ثمانين يوما في دار المقري، وفيما بعد اقتيد إلى السجن المركزي بمكناس وبعد أسابيع مثل أمام محكمة عسكرية وتمت تبرئته. فأوضح أيت قدور قائلا: «إن القاضي فسر ذلك بقوله إن البلد مازال يحتاج إلى مهندسين». بعد اختطاف الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965، قام أيت قدور بتعبئة شاملة من أجل إعلان عن إضراب عام داخل قطاع السكك الحديدية، رغم أن المحجوب بن الصديق لم يوافقه على ذلك..
بخصوص العلاقة التي كانت تربط أيت قدور بعمر الخطابي, أكد أيت قدور أنه تعرف عليه في سنة 1968 عندما عين بالقنيطرة على رأس مينائها، آنذاك كان عمر الخطابي يدير صالونا للنقاش بداره، بدأت علاقاتهما بنقاش القضايا السياسية في إطار تكويني متبادل وإخباري ثم تطورت إلى صداقة تقوت عبر جملة من الالتزامات. يقول أيت قدور كان عمر الخطابي معارضا، وهذا أكيد لا غبار عليه لكنه لم يكن منتميا سياسيا، كان مزاجيا وصاحب الكلمة «الساخنة»، والفعل «الوعر».. وكان على علاقة بالكثير من الرجالات وكان عنيفا.. عمر الخطابي كان محملا بأفكار وورث ثلاثة أشياء، أولها أنه من عائلة الأمير الخطابي.. وثانيها عاش بمصر وعاين كيف تمت الإطاحة بالملكية وكيف قام تنظيم الضباط الأحرار بالثورة، إذن ظلت عينه على هذه التجربة التي عاينها عن قرب وهو شاب يافع، وكانت بالنسبة إليه حلا من الحلول لبلوغ التغيير، وثالثها أنه درس بسويسرا ، وبالتالي كان عليه أن يكون ثوريا وعلمانيا، لكنه مسلم.. ويعتقد محمد أيت قدور أن عمر الخطابي ركب القطار في تلك المرحلة التي كان يغلب عليها التغيير باستعمال العنف، وتمكن من الاطلاع على جملة من الخبايا لأن منزله كان بمثابة مزار لكل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وحتى المخابراتيين الأمنيين، ولولا إرادته القوية لكان قد اندمج في أوساط القصر الملكي، إذ في البداية حاولت مجموعة الأمير مولاي عبد الله جلبه واستقطابه لإدماجه في اللقاءات الحميمية.. أما بخصوص العلاقة التي كانت تربطه بأمقران والكويرة، فمادام أنهما من الريف كان من الطبيعي أن تربطهما علاقات بمدينة القنيطرة، شأنهما شأن كل ريفي… الذين كانوا يحجون إلى داره بمن فيهم رجال الأمن الريفيين. أيت قدور كانت له لقاءات انفرادية مع أمقران والكويرة، يقول أن لهما إرادة وروح التضحية ويحبان بلدهما ولم يهتما قط بـ «تسويس» السياسة…
غادر أيت قدور المغرب في أوائل شهر يونيو 1972 الى فرنسا، واختاره عبد الرحمان اليوسفي لكي يتحمل مسؤولية السهر على برنامج «التحرير» بإذاعة ليبيا، لكنه فضل الاستقرار بباريس والنضال السياسي الحزبي.
وبخصوص علاقة عمر الخطابي بانقلاب 16 غشت 1972، أكد محمد أيت قدور أنه لا يمكن أن يشهد إلا بما عاين، وفي هذا الإطار يظن أنه كان له دور مادام أمقران كان معنيا بالأمر، لكن يقر أيت قدور أن عمر الخطابي كان على علم بمشروع الانقلاب.. ويضيف محمد أيت قدور أنه التقى بأمقران بالديار الفرنسية أياما معدودة قبل الهجوم على الطائرة الملكية (ما بين أسبوع و10 أيام) لتسليمه رسالة الفقيه البصري، آنذاك كان أمقران في فترة نقاهة، لم يقل له شيئا بخصوص مشروعه الانقلابي، لكن قبل مغادرته ابتسم وقال له: «سأبعث لك بطائرة..»، لم يفهم أيت قدور إلا بعد أن حدث الانقلاب. بعد أحداث الإنقلاب سنة 1972، حكم على محمد أيت قدور غيابيا بالإعدام، وتمكن من الحصول على وضع لا جئ سياسي في فرنسا منذ سنة 1973.
يحكي الأخ محمد الحبابي حين كان يدرس بعض المسؤولين العسكريين، أن آيت قدور كان مديرا لميناء القنيطرة، يستدعيه من حين إلى آخر، لتناول وجبة الغداء في بيته إلى جانب كبار العسكريين، ومنهم الكولونيل الشلواطي. وكان عبد الرحيم بوعبيد ينبهه الحبابي عن تلك اللقاءات، ويطلب منه ألا يلبي دعوة آيت قدور لوجود بعض المسؤولين العسكريين، وبعض الشخصيات التي لها علاقة بالنظام وبالمخابرات المغربية آنذاك. محمد أيت قدور حضر كل الاجتماعات التحضيرية التي انبثق عنها قرار 30 يوليوز 1972، وقد كانت كلها ملتفة حول عبد الرحيم بوعبيد. ويضيف أنه شارك في اجتماع الدارالبيضاء والرباط ، وكانت الغاية من هذه الاجتماعات، هــي توضيـح قـــرارات الحزب، ورغم أنه غادر المغرب في منتصف سنة 1972
الى فرنسا، كان متتبعا لما يجري من نقاشات حول القرارات المتخذة. ويضيف ومباشرة بعد اطلاعه على قرار الحزب، بعث برسالة إلى الأخوين عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي، بشأن موافقته على القرارات. هذه الأخيرة التي جاءت من أجل وضع حد لخطة التجميد وسياسة الغموض.
في منتصف السبعينات, قام الشهيد عمر بن جلون بزيارة لفرنسا والتقى بمحمد أيت قدور وفي حديث معه قال عمر: أحب شوارع باريس وهذه المعالم ولكن أفضل أن أكون فقط زائرا للعاصمة الفرنسية لأسبوع أو أسبوعين, وإذا كان علي أن أعيش مبعدا عن المغرب وعن تطورات المجتمع المغربي منفيا هنا, فأنا أفضل أن أعيش في السجن المغربي أو أن أرقد نهائيا في قبر بالمغرب. هذا الحديث أثر في آيت قدور وجعله يفكر باستمرار في العودة إلى وطنه. وبعد 17 سنة من المنفى، وفي سنة 1989 تحمس محمد أيت قدور لحضور المؤتمر الوطني الخامس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، واندفع إلى الطائرة كأنه يتذكر كلمة الشهيد عمر بنجلون حين قال له أعيش في سجن المغرب ولا أعيش مبعدا عن بلدي، التي قالها في زيارة له بعد المؤتمر الإستثنائي.
وصل أيت قدور إلى الرباط مساء يوم 29 مارس ليلة افتتاح المؤتمر الوطني الخامس للاتحاد، من أجل المشاركة في أشغال المؤتمر، جاء على متن طائرة قادمة من مطار أورلي بباريس، مستعملا جواز سفر الوكالة الفرنسية لحماية اللاجئين وبمجرد وصوله مطار الرباط- سلا تم اعتقاله من طرف مصالح الأمن واحتفظت به السلطات المغربية حيث حملته إلى مكان مجهول. أثناء البحث معه استنطقوه بخصوص تسمية ابنه «أمقران»، وقال لهم هو الذي كشف رئيس العملية الذي جعل الدولة المغربية تظل راسخة وجعلكم أنتم الذين تستنطقونني، موظفين تتقاضون رواتبكم، ولولاه لما ظل المغرب كما كان.. لم يعجبهم قول أيت قدور، يضيف أيت قدور «إنه يستحق أن يبنى له تذكار لإعطائه حقه في التاريخ».

يوسف أزواوي صاحب قطار عويطة

يوسف ازواوي, أحد المناضلين الأوفياء الذين يجسدون المثال في التواضع ونكران الذات والكفاءة العلمية والخبرة التقنية العالية. ولد بقبيلة النيف بتافيلالت إقليم الراشدية يوم 30 مارس 1944، سنة المطالبة بالإستقلال ليكون في قبره ليلة ذكرى وثيقة الإستقلال ، كما يصادف ميلاده يوم الذكرى الثانية والثلاثين لمعاهدة الحماية.
أزواوي كبر وترعرع في أسرة متواضعة، فقد والده وهو في الثانية من عمره مع خمسة من إخوانه تحت كفالة أم تعرضت للترمل وهي في مقتبل العمر، فواجه معركة الحياة في تافيلالت، تلقى دراسته بين النيف وأرفود ثم الراشيدية. في سنة 1961 انتقل إلى الرباط والتحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين تخرج منها سنة 1967 مهندسا في الكهرباء، ثم ذهب إلى فرنسا وحصل على شهادة مهندس دولة في الهندسة الكهربائية في المدرسة العليا للكهرباء بباريس سنة 1971. وبعد رجوعه إلى المغرب أصبح من أطر السكك الحديدية حيث بدأ عمله المهني في نونبر 1971 وعين بمديرية المعدات والجر، ابتداء من سنة 1975 رقي إلى رتبة مهندس رئيسي مساعد وأسندت إليه مسؤولية قسم المعدات، المحرك الكهربائي، المحطات الفرعية، خطوط التيار الكهربائي.. ساهم بفعالية في إعطاء الإنطلاقة الصحيحة للنقل السككي في عدة مشاريع كالتزويد بقطارات كهربائية يابانية الصنع وكهربة الخط المزدوج الرباط -الدارالبيضاء. بعد وفاته تمت تجزئة القسم الذي كان يرأسه إلى ثلاثة أقسام.
يوسف أزواوي المثقف الملتزم، الإطار الكفؤ، المناضل المخلص، الشخص الودود.تولى رئاسة جمعية خريجي المدرسة المحمدية للمهندسين ثم انتخب رئيسا للاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة،
ساهم مساهمة كبيرة في وضع الخط السياسي الذي بلوره المؤتمر الإستثنائي في يناير 1975، وكان مناضلا في اللجنة الإدارية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كما ترشح في انتخابات سنة 1977 وقاد حملته الإنتخابية بأرفود. أزواوي كان مسؤولا في الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة.
عجلته المنية ليلة الخميس 9 يناير 1986 إثر حادثة سير مابين الرباط والدارالبيضاء، حيث كان متوجها للقيام بواجبه المهني من أجل تطوير تقنيات النقل عبر السكك الحديدية. و كان رحيله كالصاعقة بين إخوانه ورفاقه، وهو في قمة عطائه ونضجه الفكري والعلمي كان في إحدى الليالي الرمضانية سنة 1985 مشاركا في الإذاعة ضمن برنامج المغرب في أفق 2000 ، وكان يوسف يتحدث عن الذكاء الإصطناعي، وعن نظم التفكير الحالية، والأشكال الجماعية للبحوث المعرفية والعلمية ، مؤكدا على أهميتها… كان يوسف يتحدث ويستحضر تجربة اليابان …».

ابراهام السرفاتي أول مهندس مغربي
تخرج من المدرسة الوطنية الفرنسية للمعادن

ابراهام السرفاتي يتحدر من أسرة أندلسية، استقرت بمدينة صفرو. من عائلة يهودية مغربية من أصول عربية التي طردت من إسبانيا. ولد بمدينة الدارالبيضاء يوم 12 يناير 1926، ترعرع داخل أسرة ناهضت المستعمر الفرنسي.
درس براهام بثانوية ليوطي، وحصل على شهادة الباكالوريا في شعبتي الفلسفة والرياضيات سنة 1937، ليلتحق سنة 1945 بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، وحصل على دبلوم في الهندسة المدنية للمعادن، ويعتبر أول مغربي تخرج من المدرسة الوطنية الفرنسية للمعادن، انخرط في صفوف الشباب الشيوعي سنة 1944، وتحمل مسؤوليات مهمة، وانتخب في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية، وعين سنة 1950 سكرتيرا لناحية الدارالبيضاء، في الخمسينات صاغ منشورا موقعا بناحية الدارالبيضاء للحزب الشيوعي المغربي، يدعو فيه اليهود المغاربة إلى الالتحاق بالحركة الوطنية ومناهضة الصهيونية. ألقي عليه القبض في أبريل 1950 وهو محمل بحقيبة مملوءة بمناشير تطالب بخروج المستعمر الفرنسي، وحكم عليه بشهرين سجنا نافذا، ثم اعتقل في شتنبر 1952 في إطار الحملة الشرسة التي تعرضت لها الحركة الوطنية، بعد الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات يوم 8 دجنبر احتجاجا على اغتيال فرحات حشاد، ليتم إبعاده في دجنبر من نفس السنة خارج التراب المغربي من طرف سلطات الحماية، باعتباره مواطنا ليس مغربيا. وبعدها بأيام طردت أخته إفلين السرفاتي المناضلة في صفوف الحزب الشيوعي إلى فرنسا بسبب نشاطها ضد سلطات الحماية والتي تعرضت للاعتقال في كوميسارية المعاريف بالدارالبيضاء، (والتي توفيت في شهر أكتوبر 1974، بعد سنتين من التعذيب الوحشي في ضيافة الشرطة، كي تدلهم عن مكان الذي يختبئ فيه أخيها).
قضى ابراهام وأخته أزيد من ثلاث سنوات في المنفى، وفيما بعد أعادا حقوقهما الوطنية بعد مذكرة رفعت للحكومة المغربية في شخص وزير العدل أنذاك عبد الكريم بن جلون. مارس السرفاتي مهامه كمهندس للمعادن بمناجم الفوسفاط ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و 1950، تقلد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 1959 إلى يونيو 1960، شغل مديرا تقنيا للمكتب الشريف للفوسفاط منذ 1960. وفي نفس الفترة كان مكلفا بمهمة في ديوان عبد الرحيم بوعبيد، وزير الإقتصاد الوطني في حكومة عبد الله ابراهيم. ساهم في بلورة وإطلاق المشاريع الكبرى الصناعية في سنوات ما بين 1958 و1960 وفي الاتفاقيات البترولية مع الايطالي انريكوماتيي.. والتي كانت تعني بداية سياسة نفطية مستقلة للمغرب. وهي السياسة التي تم نسفها بالتقلبات السياسية في ماي 1960. وللتذكير فإن السرفاتي هو من اكتشف مشروع سرقة خرائط وملفات ودراسات جيولوجية أنجزت بأموال مغربية في عهد الحماية، من طرف خبراء فرنسيين، وتم إخبار الوزارة بذلك، واضطر الوزير الوزاني (المكلف بحقيبة الانتاج الصناعي والمعادن) رفقة ادريس بن عمر والسرفاتي أن يحرسوا باب مقر الوزارة مع بعض السائقين والشواش، حتى تم ضبط اللصوص في حالة تلبس بعد منتصف الليل. في 4 دجنبر 1959 توجه إلى جرادة رفقة عبد الرحيم بوعبيد لتخليد ذكرى الشهداء الذين سقطوا في مجزرة 1948.
عمل ابراهام السرفاتي كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، يعطي دروسا في استثمار الآبار، بالإضافة إلى إدارة «مشروع المعادن» بالقسم النهائي، وتدريسه لمادة التكنولوجيا بكلية العلوم الإقتصادية بين 1964 و 1965، لعب دورا في وضع قانون العامل المنجمي، ورغم إغراءات منصبه، كمدير قسم الأبحاث والتنمية في المكتب الشريف للفوسفاط، ومن موقعه كمدير تقني، أعلن تضامنه المطلق مع إضراب 7000 منجمي للفوسفاط بخريبكة والذي دام شهرا ونصف في صيف 1968، وهو ما عرضه للطرد، في 23 نونبر تم إرجاعه إلى مديرية المناجم، التي كان يشتغل بها، أعطيت الأوامر بعدم اسناد أية مسؤولية إليه. وقتها طلب منه ادريس بن عمر أن يدرس في المدرسة المحمدية للمهندسين والإشراف على قسم المناجم فيها، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و 1972 بنفس المدرسة، انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وفيما بعد الحزب الشيوعي المغربي سنة 1949، كما واصل نضاله داخل حزب التحرر والإشتراكية، وقدم ترشيحه رفقة الهادي مسواك للانتخابات البلدية سنة 1963، لكنهما سحبا ترشيحهما في اليوم الذي تعرضت فيه اللجنة الوطنية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية لحملة اعتقالات واسعة بالدارالبيضاء، كما أنهما أصدرا منشورا موقعا بإسميهما احتجاجا منهما على ذلك. واستمر يناضل في صفوف هذا الحزب إلى نهاية الستينيات. وبعد استقالته من حزب علي يعتة في 30 غشت 1970 غادر حزب التقدم والاشتراكية، وساهم مع مجموعة من رفاقه في تأسيس حركة إلى الامام المتشبعة بالماركسية اللينينية، كما ساهم في إصدار مجلة»أنفاس» الناطقة بإسم الجبهويين، التي كان يديرها عبد اللطيف اللعبي.

الوطنية العليا للمعادن بباريس، وحصل على دبلوم في الهندسة المدنية للمعادن، ويعتبر أول مغربي تخرج من المدرسة الوطنية الفرنسية للمعادن، انخرط في صفوف الشباب الشيوعي سنة 1944، وتحمل مسؤوليات مهمة، وانتخب في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية، وعين سنة 1950 سكرتيرا لناحية الدارالبيضاء، في الخمسينات صاغ منشورا موقعا بناحية الدارالبيضاء للحزب الشيوعي المغربي، يدعو فيه اليهود المغاربة إلى الالتحاق بالحركة الوطنية ومناهضة الصهيونية. ألقي عليه القبض في أبريل 1950 وهو محمل بحقيبة مملوءة بمناشير تطالب بخروج المستعمر الفرنسي، وحكم عليه بشهرين سجنا نافذا، ثم اعتقل في شتنبر 1952 في إطار الحملة الشرسة التي تعرضت لها الحركة الوطنية، بعد الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات يوم 8 دجنبر احتجاجا على اغتيال فرحات حشاد، ليتم إبعاده في دجنبر من نفس السنة خارج التراب المغربي من طرف سلطات الحماية، باعتباره مواطنا ليس مغربيا. وبعدها بأيام طردت أخته إفلين السرفاتي المناضلة في صفوف الحزب الشيوعي إلى فرنسا بسبب نشاطها ضد سلطات الحماية والتي تعرضت للاعتقال في كوميسارية المعاريف بالدارالبيضاء، (والتي توفيت في شهر أكتوبر 1974، بعد سنتين من التعذيب الوحشي في ضيافة الشرطة، كي تدلهم عن مكان الذي يختبئ فيه أخيها).
قضى ابراهام وأخته أزيد من ثلاث سنوات في المنفى، وفيما بعد أعادا حقوقهما الوطنية بعد مذكرة رفعت للحكومة المغربية في شخص وزير العدل أنذاك عبد الكريم بن جلون. مارس السرفاتي مهامه كمهندس للمعادن بمناجم الفوسفاط ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و 1950، تقلد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 1959 إلى يونيو 1960، شغل مديرا تقنيا للمكتب الشريف للفوسفاط منذ 1960. وفي نفس الفترة كان مكلفا بمهمة في ديوان عبد الرحيم بوعبيد، وزير الإقتصاد الوطني في حكومة عبد الله ابراهيم. ساهم في بلورة وإطلاق المشاريع الكبرى الصناعية في سنوات ما بين 1958 و1960 وفي الاتفاقيات البترولية مع الايطالي انريكوماتيي.. والتي كانت تعني بداية سياسة نفطية مستقلة للمغرب. وهي السياسة التي تم نسفها بالتقلبات السياسية في ماي 1960. وللتذكير فإن السرفاتي هو من اكتشف مشروع سرقة خرائط وملفات ودراسات جيولوجية أنجزت بأموال مغربية في عهد الحماية، من طرف خبراء فرنسيين، وتم إخبار الوزارة بذلك، واضطر الوزير الوزاني (المكلف بحقيبة الانتاج الصناعي والمعادن) رفقة ادريس بن عمر والسرفاتي أن يحرسوا باب مقر الوزارة مع بعض السائقين والشواش، حتى تم ضبط اللصوص في حالة تلبس بعد منتصف الليل. في 4 دجنبر 1959 توجه إلى جرادة رفقة عبد الرحيم بوعبيد لتخليد ذكرى الشهداء الذين سقطوا في مجزرة 1948.
عمل ابراهام السرفاتي كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، يعطي دروسا في استثمار الآبار، بالإضافة إلى إدارة «مشروع المعادن» بالقسم النهائي، وتدريسه لمادة التكنولوجيا بكلية العلوم الإقتصادية بين 1964 و 1965، لعب دورا في وضع قانون العامل المنجمي، ورغم إغراءات منصبه، كمدير قسم الأبحاث والتنمية في المكتب الشريف للفوسفاط، ومن موقعه كمدير تقني، أعلن تضامنه المطلق مع إضراب 7000 منجمي للفوسفاط بخريبكة والذي دام شهرا ونصف في صيف 1968، وهو ما عرضه للطرد، في 23 نونبر تم إرجاعه إلى مديرية المناجم، التي كان يشتغل بها، أعطيت الأوامر بعدم اسناد أية مسؤولية إليه. وقتها طلب منه ادريس بن عمر أن يدرس في المدرسة المحمدية للمهندسين والإشراف على قسم المناجم فيها، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و 1972 بنفس المدرسة، انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وفيما بعد الحزب الشيوعي المغربي سنة 1949، كما واصل نضاله داخل حزب التحرر والإشتراكية، وقدم ترشيحه رفقة الهادي مسواك للانتخابات البلدية سنة 1963، لكنهما سحبا ترشيحهما في اليوم الذي تعرضت فيه اللجنة الوطنية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية لحملة اعتقالات واسعة بالدارالبيضاء، كما أنهما أصدرا منشورا موقعا بإسميهما احتجاجا منهما على ذلك. واستمر يناضل في صفوف هذا الحزب إلى نهاية الستينيات. وبعد استقالته من حزب علي يعتة في 30 غشت 1970 غادر حزب التقدم والاشتراكية، وساهم مع مجموعة من رفاقه في تأسيس حركة إلى الامام المتشبعة بالماركسية اللينينية، كما ساهم في إصدار مجلة»أنفاس» الناطقة بإسم الجبهويين، التي كان يديرها عبد اللطيف اللعبي.
تعرض للاعتقال في دجنبر 1962، خلال حملة الاستفتاء على الدستور، بعد الاضراب الذي نظمه تلامذة المدرسة المحمدية للمهندسين، ثم في مارس 1965 في غمرة الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الدارالبيضا بعد أحداث 23 مارس. و تعرض أيضا في يناير 1972 للاعتقال وتم الإفراج عنه بعد ثلاثة أشهر، ليحاكم غيابيا في صيف 1973 بالسجن المؤبد ضمن المجموعة 48 بالدارالبيضاء. وسيواصل عمله السري إلى أن اعتقل في نونبر 1974، حيث ذاق مختلف أصناف التعذيب لمدة 14 شهرا في دهاليز درب مولاي الشريف وهو معصوب العينين وأصفاد تشد معصميه، قبل أن يحاكم بالسجن المؤبد ضمن مجموعة 77 في 15 نونبر 1977، بتهمة الإخلال بالأمن العام، والتشكيك في مغربية الصحراء المغربية. تطوع للدفاع عنه ثلة من المحامين، وعلى رأسهم عبد الرحيم بوعبيد، وبقي رهن الاعتقال ما يزيد عن 17 سنة في السجن المركزي بالقنيطرة، منها أكثر من ثلاث سنوات من العزلة في سجن الدارالبيضاء. كما كان إلى جوار عبد الرحيم بوعبيد بسجن لعلو سنة 1981 على إثر نشر بلاغ المكتب السياسي الاتحاد الاشتراكي، حول قضية الصحراء.
يقول السرفاتي بأن اسمين اثنين شكلا حضورا متميزا في مسار حياته المهنية والسياسية. ويتعلق الأمر بالراحلين عبد الرحيم بوعبيد، والذي اشتغل معه في وزارة الإقتصاد ضمن حكومة عبد الله ابراهيم، وعبد اللطيف زروال الذي رافقه في تجربته السياسية التي أسساها تحت اسم «إلى الأمام»، كما كان يعتبره معلمه في الحياة، ويقول أنه منذ تعرف عليه بدأ يهتم بالفلسفة ويستفيد من ثقافته الفلسفية.
كان السرفاتي اليهودي الديانة، إلى جانب رفاقه من المغاربة اليهود ممن نددوا بالإحتلال الإسرائيلي في حرب 1967. فهو معارض شرس للفكر الصهيوني. ورفض الجنسية الإسرائيلية وانتقد الصهيونية بشدة وساند بدون شروط القضية الفلسطينية. وسبق له أن زار قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن، ومنحته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين العضوية داخل تنظيماتها، كما عينت له منظمة التحرير الفلسطينية محاميا لمؤازرته في محاكمته سنة 1977. بعث برسالة هو وسيمون أسيدون من وراء قضبان سجن القنيطرة إلى القائد الفلسطيني ياسر عرفات سنة 1982، نشرتها مجلة «البلاغ» في نفس السنة، يعبران فيها عن تضامنهما مع الفلسطينيين أثناء حصار بيروت، ويقولان أن الأمة العربية والصهيونية لا سبيل للتعايش بينهما، وأعلنا من خلالها استعدادهما للانضمام إلى المقاومة الفلسطينية. كان السرفاتي باحثا وكاتبا، فقد نشر عدة مقالات في جريدة «فلسطين» التي كان يديرها محمد الوديع الأسفي، وكان يوقعها بإسم «حدو».
صدر له كتاب سنة 1977 بباريس، ووضع مقدمته هاني الحسن، المستشار السياسي للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، يكشف فيه عن الطابع العنصري للصهيونية وتعارضها مع الدين اليهودي … في 13 شتنبر 1991، استعاد حريته تحت ضغط داخلي ودولي ونفي إلى باريس، حيث حاول ادريس البصري فصله عن هويته المغربية، تحت ذريعة أنه برازيلي الجنسية. عاش كلاجئ سياسي واشتغل بالتدريس ما بين 1992 و 1994 بجامعة سان دوني بباريس في مادة «الهويات الديمقراطية بالعالم العربي». كما أنه ظل يصدر نشرة «إلى الأمام» منذ أبريل 1992 في حلتها الجديدة. ولم يعد من منفاه القسري حتى شتنبر 1999، حيث جرت أكثر من محاولة للسماح له بالعودة كان أبرزها محاولة عبد الرحمان اليوسفي الذي أصبح رئيسا للحكومة في مارس 1998. بعد العفو عليه ودخوله إلى المغرب قال «القوى المناهضة لحقوق الإنسان قد انقضت مرحلتها» وأضاف أن «هذه إشارة من جلالة الملك».
بعد 8 سنوات في المنفى، أعيد له جواز سفره، لكنه عاد فعليا سنة 2000. حيث تم الإقرار بحقوق مواطنته كاملة وضمان ظروف إقامة محترمة له، كما تم تعيينه مستشارا لدى المكتب الوطني للأبحاث والتنقيب عن النفط. قال في مقابلة صحفية سنة 2005 «لن أزور فلسطين إلا عند قيام الدولة الفلسطينية وبعدها سأزور أصدقائي اليهود في إسرائيل». في سنة 2000 كتب بيد ترتجف: «بعد مرور اثنتي وثلاثين سنة، أتأمل الطريق، والتضحيات التي بذلت والأخطاء المقترفة والنجاحات والإخفاقات. لكني سأبقى مقتنعا، بأن مشروع صيف 1970، ترسخ بعد ذلك بعمق لدى الشعب المغربي».
المناضل السرفاتي قضى 27 سنة بعيدا عن شمس المغرب، سنتان قضاهما في العمل السري و 17 سنة بالسجن، و8 سنوات بالمنفى. عانى من تبعات سنوات الرصاص التي عاشها كل هذه السنين ما بين العمل السري والاعتقال والترحيل. ورفض الحصول على تعويضات هيئة الانصاف والمصالحة، وهو يعتقد أنه لم يقم إلا بالواجب الذي لا يجب أن يحصل على أي تعويض مقابله. وبعد وفاته التفت حوله جميع التنظيمات اليسارية التقدمية الوطنية، رغم الفجوة والإختلاف في القناعات والمواقف فيما بينها لتوديعه الوداع الأخير. لقد قضى السنوات الأخيرة في منزله بحي أسيف بمراكش، وإن كان يحب مدينة المحمدية، وكان يعاني متاعب صحية في أواخر أيام حياته وبدأت تنتابه حالات فقدان الذاكرة، نقل في 3 نونبر 2010 في حالة صحية حرجة إلى غرفة العناية المركزة، لاحدى المصحات بمراكش حيث ظل في حالة غيبوبة منذ حوالي أسبوع، إلى أن توفي يوم 18 نونبر 2010، عن سن تناهز 84 سنة، وجرت مراسيم تشييع جثمانه بالمقبرة اليهودية بالدارالبيضاء.

محمد الدويري أصغر مهندس في أول حكومة مغربية

محمد الدويري القيادي الاستقلالي العنيد، من مواليد سنة 1926 بمدينة فاس، المهندس الذي درس في فرنسا، و تخرج من مجموعة من المدارس العليا كمدرسة المهندسين بباريس سنة 1948 والمدرسة العليا للمعادن سنة 1950.
محمد الدويري كان من بين أصغر الوزراء الاستقلاليين في أول حكومة مغربية في قطاع تقني، وزارة الأشغال العمومية، واستمر في مهمته خلال الحكومات الأولى، ثم عاد كوزير الاقتصاد الوطني والمالية في الحكومة الرابعة، واستمر في حكومتين قادمتين. سيعود من جديد كوزير للتجهيز والانعاش الوطني سنة 1977، وفي سنة 1981 سيعين وزير التخطيط وتكوين الأطر والتكوين المهني، واستمر في مهمته إلى غاية سنة 1984.
محمد الدويري عضو مجلس الرئاسة لحزب الاستقلال، ترأس مجلس جهة فاس بولمان عدة مرات، شغل عدة مناصب وزارية إلى جانب انتخابه كبرلماني لسنوات…

عبد العزيز مزيان بلفقيه مهندس مدني في القناطر والطرق

عبد العزيز مزيان بلفقيه من مواليد 1944 بتارودانت، حصل على دبلوم مهندس مدني من المدرسة الوطنية للقناطر والطرق، ودبلوم مهندس من المعهد الوطني للعلوم الطبيعية، وعلى شهادة الدروس المعمقة في الميكانيك الصلب، ودبلوم الدراسات العليا في تدبير المشاريع.
عبد العزيز مزيان بلفقيه عين سنة 1968 بوزارة الأشغال العمومية بصفة مهندس، ورئيس للقسم التقني بمديرية الطرق سنة 1974، ثم رئيسا لدائرة الأشغال العمومية والمواصلات بالرباط، في سنة 1975 عين منسقا بالعيون لمجموعة مصالح وزارة الأشغال والمواصلات بالأقاليم الجنوبية إلى غاية سنة 1978.
بعد عودته إلى الرباط اشتغل في نفس السنة كمدير للمفتشية العامة بوزارة التجهيز والانعاش الوطني إلى غاية 1980، ومدير الطرق والسير إلى غاية 1983، وكاتب عام لوزارة الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر إلى غاية 1992، ثم عين سنة 1993 وزيرا للفلاحة والاصلاح الزراعي، وفي سنة 1995 كلفه الملك الراحل الحسن الثاني بمهام وزارة الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر بالنيابة، وفي نفس السنة عين وزير الأشغال العمومية، ثم وزير الفلاحة والتجهيز والبيئة سنة 1997 إلى غاية سنة 1998، وفيما بعد عين مستشارا بالديوان الملكي، كما عين سنة 1999 رئيسا للجنة التي عهد إليها باقتراح مشروع لاصلاح نظام التربية والتكوين. وفي سنة 2010 سيلتحق بالرفيق الأعلى بإحدى المستشفيات بالرباط.

2 يونيو2014
عن جريدة الاتحاد الاشتراكي