التمساح الكبير

بقلم بديعة الراضي

تزاحمت في ذهني الكثير من القضايا وأنا أتابع من شرفة البرلمان جلسة الأسئلة الشفوية بالغرفة الأولى، أول أمس بمقر البرلمان ، بدا النواب بالفعل يبحثون عن بقايا الخيوط التي تربطهم بحكومة غادرت أغلبية كراسييها في فضاء السلطة التشريعية، بعدما تمكنت بالفعل من تحويل المجال الرقابي والتشريعي إلى غرفة للتسجيل وتمرير الضربات القاضية على برلمان ناضلنا في مغربنا أن نجعل منه واجهة تمثيلية لنواب الشعب في الدستور الأخير ببنود كنا نتمنى أن تكون مصاحبة بقوانين تنظيمية واضحة في تدبير هذا الفضاء ضد أي منزلقات تعود بنا إلى سنوات الجمر والرصاص. وشدني بالفعل في زحمة هذه القضايا، قضية العلاقة بين الحكومة والنواب التي فقدت توازنها في الاستعمال السيئ للزمن المشترك المخصص للأسئلة الشفوية وأجوبة الحكومة،حيت تعمد وزراء بنكيران التواطؤ المفضوح مع الأغلبية داخل البرلمان وتجنيدها في الدفاع عن الوهم واستعمال كل الأساليب غير اللائقة ضد نواب ونائبات في المعارضة، محاولين بشتى الطرق خلق بدعة الترافع المصاحب بالتصفيقات ولسان حالهم يقول : آتونا “بطعارج الدقيقية” لاستكمال زمن الضحك على ذقون المغاربة، “بالأسلمة” مرة و ب” الشيوعية”، مرة أخرى خصوصا عندما ينتشي بعض المحسوبين على الفكر الشيوعي بلحظات النجاح المفتعل على ظهور رفاقنا ورفيقاتنا في زمن خلط الأوراق بامتياز للظفر بالمقاعد الأخيرة في رحلة طائرة ذاهبة إلى الزمن المجهول. وهو الزمن الذي تبدو فيه اللحي المسترسلة غير مفرقة بين لحية الإخوان ولحية جيفارا، وكلاهما عنصران في وظيفة مسقط الطائرات على رؤوس شعب ركب سفينة اعتقد انها وسيلة للنجاة والوصول الى بر الامان بعدما فقد مجدافه عشية انكسار مؤلم في المسار. وهو انكسار دعا اليوم في قبة البرلمان الى تكميم الأفواه المعارضة ونعث نائبات ونواب بكلام وإشارات غير لائقة، استعملها الوزراء وأغلبيتهم، في مؤسسة دستورية نحتاجها اليوم قبل أي وقت مضى من أجل تحقيق ثورة المغاربة الممثلة في الدستور2011 ، عبر تفعيله، وجعله وثيقة للإعمال بالقوانين المصاحبة ، وذلك هو مربط الفرس الذي يبدو فيه بنكيران تمساحا كبيرا متواطئا مع شياطينه وعفاريته وكل دوائره السرية والعلنية داخل الوطن و خارجه، في خيانة واضحة لثقة الشعب المغربي التواق إلى انتقال ديمقراطي يؤسس لدولة المؤسسات القوية من أجل مغرب منسجم مع تطلعاته في بناء المغرب الديمقراطي الحداثي. كما شدني في جلسة الأسئلة الشفوية أول أمس، دفاع الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان على إخفاء الحقيقة على المغاربة في قضية شهيد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فقيدنا كريم لشقر الذي لازالت ظروف وفاته في مخفر الشرطة بالحسيمة غير معروفة. هي اللغة التي استعملها بالفعل إخوان بنكيران من موقعهم في الحكومة، مكررين أن ما يهمهم ليس النواب أو البرلمان أو الدستور أو القوانين بل الذي يهمهم، هم المغاربة، وكأن لسان حالهم يقول أن ” أصوات المغاربة” هي هدفهم لأنها السبيل الوحيد لعودتهم إلى مراكز القرار من أجل استكمال مشروعهم التواق إلى التحكم في الرقاب والعباد في مختلف مؤسسات البلاد ليتسنى لهم بعد ذلك تنفيذ العمل الإستراتيجي في الأخونة، وهو عمل يشكل فيه المغرب بوابة حقيقية لصونه، وتستعمل فيه اليوم كل أساليب الترهيب والترغيب والمراوغة و التمسكن والتقرب لمن يهمه الأمر للتعبير عن صدق النوايا في السير “جنب الحائط ، وتلك طرق يفهمها المغاربة جيدا ، لأن شعبنا الطيب رغم كل الصبر والتحمل ، فإنه شعب حاسم في قراراته في لحظات التغيير الحقيقية، ولن تنطل عليه تخريجات الشوباني الذي حل محل القضاء في قضية الشهد كريم لشقر ، ولا تخريجات الوزير الناطق باسم الحكومة مصطفى الخلفي المتحايل على القانون لصالح زبانيته التي يسعى اليوم الى تثبيتها في مراكز القرار الإداري في وزارته ضد كل المساطر المعمول بها ، منتصرا لجماعته و حزبه، في سرقة حق الأطر المغربية في التباري على مناصب سعى الوزير الاعلامي الى تفصيلها على المقاس. كما هو شعب لا تخدعه لغة وزير التعليم العالي لحسن الداودي المتصدعة في كل أساليب طرح قضايا التعليم العالي ، إلا في أسلوب تمرير ” الهمزات” لأنصاره في الأخونة وهو تمرير محكم يعي ضرورة محو بصماته تأهبا لأي تحقيق أو متابعة أو رقابة من الخصم المدني أو السياسي. ولأن أسلوب القدرة على الاختفاء هي من السمات الحقيقية في الفكر والممارسة الإخوانية، فإن وزيرة التضامن والمرأة بسيمة الحقاوي، أوهمت الرأي العام المغربي أنها مؤمنة بمبدأ التشارك، الذي استعملته بالفعل لتبرير تعطيل الدستور في الشق الخاص بإخراج هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، الى الوجود، غير أن الوزيرة لم تضع في حسبانها أن الشعب المغربي والمغربيات منهن على الخصوص يتمتعن بذاكرة قوية تلك التي سجلت فيها بسيمة الحقاوي مرافعاتها داخل البرلمان للوقوف ضد أي توجه تشتم فيه رائحة المناصفة والمساواة، وهي بذلك منسجمة جدا مع فكرها و قناعاتها ضد المباديء والالتزامات المنصوص عليها في المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان المتعارف عليها عالميا. كل هذه القضايا شدتني في زمن ضيقت فيه الحكومة وأغلبيتها الخناق على زمن البرلمان، متناسية أن رأس الحبل المشدود بالنواجذ لدى شعبنا، هو الحبل الذي سيجرها للمحاسبة في الأزقة والدروب والممرات و المداشر والسفوح والجبال وكافة الفضاءات، بيد عارية وأخرى في طريقها الفعلي إلى ذلك، كما الأيادي المتضررة من كل هذا العراء الموجود بالفعل والقوة.

…….

لنشرة المحرر … بديعة الراضي

4 يونيو 2014