” المرجئة” الجدد

 بقلم عبد الجليل طليمات

 

 

 في مقاربة نتائج وتداعيات ” الربيع العربي ” ,خاصة ما تعلق منها بحالة انهيار أسس السلم الاجتماعي  واستفحال خطرالإنزياح النهائي نحو وضع ” اللادولة”, بدأت تتبلور قناعة لدى  جزء من النخب السياسية والثقافية مفادها أن أي حديث عن الديمقراطية في وضع كهذا هو حديث عبثي , ” لا محل له من الإعراب” , وبالتالي ” لا بد من إرجائه في انتظار أن تقوم ” دول ” بحق وحقيق ” , كما كتب ذلك  الإعلامي الكبير والمقتدر طلال سلمان في السفير ( عدد 28 ماي الماضي ) .  

ويقوم هذا الرأي الرائج في أوساط ليبرالية وقومية على معطيات واقعية أليمة , سواء في العراق أو اليمن أو سوريا ولبنان والسودان  وليبيا , أو مصر ذاتها كدولة عريقة , حيث نقف عند مظاهر وهن وهشاشة  بعضها , وعند تمزق أوصال بعضها الآخر , وعند اختراق أشكال من الاحتراب الطائفي والمذهبي لكل الحقل السياسي والنسيج المجتمعي لأخرى, ما يجعل سؤال وجود الدولة ككيان هو السؤال المصيري للمرحلة التاريخية الراهنة  . فمطلب هذه المرحلة, هو إرساء قواعد دولة قوية موحدة ومستقرة وقادرة على ضمان السيادة والأمن والسلم الاجتماعي.  ووفق هذا المنطق المبرر موضوعيا, فإن مسألة طبيعة النظام السياسي: هل هو ديمقراطي أم بيروقراطي ؟  منفتح أم منغلق ؟ يحكم بانفتاح على مكونات المجتمع أم بقبضة من حديد ؟  لم تعد هي المسالة المركزية, ولا مدخل التقدم والوحدة والتنمية..  بل ,وكما كتب أحدهم ,  نحن في مرحلة أضحى فيها لا ” الإ سلام هو الحل ” و ” لا الديمقراطية هي الحل ” ᴉᴉ     

 و بناء على ذلك,  فكل نقاش اليوم حول مواصفات الدولة ( مدنية,  ديمقراطية, علمانية..الخ)  هو نقاش” يضع العربة أمام الحصان,” لأن المطلوب هو التساؤل حول توفر مقومات وجود الدولة ,  وعن مدى قيامها ” بحق وحقيق “, فالديمقراطية  _ حسب هذا المنطق _ غير ممكنة في ” دول ” ممزقة أو مهددة بالانقسام,   وفي ” دول ”  تقوم العلاقات فيها على الروابط العقدية والطائفية والقبلية لا على رابطة المواطنة  التي هي العمود الفقري للمنظومة الديمقراطية .. ..     إذا كان لهذا المنطق كما قلت ما يبرره موضوعيا في ظل ” الفوضى ” التي عمت أكثر من دولة من دول ” الربيع العربي ” , فإنه ينطوي على منزلقات سياسية ونظرية تضع أصحابه في موقع ” الاتجاه المعاكس ”  للتيار الشعبي العارم الذي كان وراء انتفاضات وثورات أسقطت طغاة , وخلقت شبه إجماع  على أن الديمقراطية السياسية والاجتماعية هي الحل  ..     

  إن هذا المنطق ألتأجيلي للديمقراطية هو ما شكل خلفية المشاهد الانتخابية التي عرفتها مصر وسوريا , فالقوى  التي “صنعت” رئيسا لمصر قبل الانتخابات بشهور,ركزت على الحاجة إلى رجل قوي ينقذ الدولة من خطر ” الاخونة ” والإرهاب ,  ولعل فيما قاله الكاتب والصحفي الشهير حسنين هيكل لخير معبر عن  ذلك  :  ” السيسي ضرورة تاريخية”, فا لحيوي هو الحفاظ على قوة وهيبة وتماسك الدولة , وليس هناك غير رجل واحد , أفرزه مخاض ” الربيع المصري ” وهو سليل التاريخ العسكري للدولة المصرية,  بإ مكانه إنجاز ذلك ..      

وليس من باب الصدفة أن يؤكد السيسي بطريقته  هذه الخلفية التي وجهت الملايين إلى صناديق الإقتراع  بفعل تأطير نفسي رهيب للإعلام المصري , حيث قال مخاطبا رؤساء تحرير الصحف : ” إن مصر بحاجة إلى أكثر من عشرين سنة لتصبح ديمقراطية حقيقية ” , وعاتب الصحفيين المنادين بحرية التعبير قائلا ” ما هذا ؟ .. من السائح الذي سياتي إلينا ونحن نتظاهر كل يوم ؟ ” 

ودون الوقوف هنا عند غرائب هذه الانتخابات , يمكن القول إن السيسي يمثل اليوم ” هزيمة العقل الديمقراطي ” , وتراجع القوى السياسية والاجتماعية في النضال المستقل من أجل الديمقراطية دون ترهيب وتخويف من ” فزاعة” الإخوان

 

أما في سوريا فليس لانتخاب رئيسها لولاية ثالثة غير بعد وحيد ولكنه هام ومصيري : بعد دولي وإقليمي , فهو  رد قوي على الإرهاب الدولي والتكفيري والمؤامرة على الكيان السوري , هذا مما لا شك فيه , ولكن هي انتخابات لا علاقة لها بالديمقراطية كنهج سياسي ومساطر, فمن ألفها إلى يائها هي انتهاك للمعايير الانتخابية الديمقراطية حقا   , ولا مجال هنا للتفاصيل المعروفة لدى كل متتبع , سيقول “المرجئة الجدد” عن بشار ما قالوه عن السيسي: هو أيضا ” ضرورة تاريخية”  

لقد بدأ ترسيم التراجع عن كل التطلعات التي حركت الشارع العربي , خاصة في مصر التي بدأت تلوح فيها  مؤشرات العودة إلى سياسة التحكم والقبضة الحديدية  مدعومة من طرف أعتى الرجعيات الإقليمية المناهضة لأي تحول ديمقراطي  ( رسالة العاهل السعودي حرضت بوضوح عل إنها ء ما أسمته ” الفتنة” وقطف رؤوسها دون هوادة  بتعبير  الرسالة “)

فهل سيعطل الرئيس  السيسي العمل بأرقى دستور في تاريخ مصر الحديث  بمبرر “إنهاء الفتنة” ومكافحة الإرهاب ؟  وباسم إقامة الأمن والاستقرار أولا؟ أم أنه سيؤسس عليه قاعدة التحول الديمقراطي المطلوب ؟

إن مطلب الاستقرار والأمن الذي هو مطلب شعبي واسع , لا يتعارض مع البناء الحثيث والمنتظم لأسس دولة ديمقراطية ,  فالديمقراطية هي أرضية الاستقرار والعيش المشترك في أمن وأمان ,  أما نزعة ” الغلبة” وخطاب ” الشيطنة ” للخصوم السياسيين , والسلوك الإستئصالي لهم, فقد أتبث ذلك كله فشله طيلة عقود , ولم ينتج إلا الويلات التي كانت وراء اندلاع مختلف الثورات ..  

وعليه فلا خيار اليوم في كل البلاد العربية غير خيار الديمقراطية , الذي بقدر ما يتم إرجا ؤه  أو التعثر في ترجمته إلى خط سياسي رسمي وشعبي للبلاد , بقدر ما يتم تقوية قوى التحكم في الدولة والمجتمع , وإعادة إنتاج الاستبداد  في لبوس جديد  , وبنخب جديدة كذلك تنظر له , وتعطل انبثاق نقيضه ..  

 إنه بالحوار الوطني الشامل حول كل القضايا الكبرى , وبالتوافق الممكن والواجب درءا  للاحتراب الداخلي , وبالمصالحة كهدف, يمكن لمصر أن تلتحق  بالنهج التونسي  , فتشكل بالتالي قاطرة التحول الديمقراطي في كل المنطقة العربية … أما خارج ذلك , وهو ما تبدو ملامحه واضحة مقلقة , فسيجعل من ثورات شعوبنا ثورات مستمرة….

……………………………………

السبت 7 يونيو2014

عبد الجليل طليمات.. لنشرة المحرر