الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الأول- قراءة في الفكر لسلفي (7من 28)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

7- التزكية:

التزكية في الفكر السلفي هي إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏
قال تعالى ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين.). (سورة الجمعة- الآية -2)
والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح, وبأعمال القلوب والجوارح, وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل “قد افلح من زكاها وخاب من دساها”. فالفلاح كل الفلاح لمن زكى نفسه وتعلم العلم وعمل به ودعا غيره لتعلمه والعمل به, ثم صبر على ما يلاقيه في طريق الدعوة إلى الله. و ويقول أئمة السلفية هذا ما دعانا إليه الرسول الكريم أيضاً. فعن أبي هريرة قال رسول الله (ص) : (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم مجاهد, ومنفق. أما العالم فيسأله الله يوم القيامة عن علمه فيقول: يارب تعلمت العلم وعلمته للناس في سبيلك , فيقول له الله عز وجل الله : كذبت, تعلمت ليقال انك عالم, وقد قيل, فيأمر الله فيأخذ إلى النار.).
وأما المنفق فيسأله رب العزة عن ماله, فيقول يارب أنفقته في سبيلك, فيقول له رب العزة: كذبت, أنفقته لكي يقال عنك جواد كريم وقد قيل, فيأمر الله ويؤخذ إلى النار.)
والعبادات كلها – مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب بالخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب. ومن اتقى وخاف ربه ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل‏.‏ ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكرارها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله‏.‏(29).

مسألة الإيمان عند السلفية:

ينقسم السلفية في هذه المسألة إلى اتجاهين : الأول وهم الأشاعرة ومن يلتقي مع مدرستهم الفكرية, حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب. بينما الاتجاه الثاني وهو الاتجاه الوهابي السلفي فيقر بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح, ويزيد بزيادة الأعمال, وينقص بنقائصها. ولا يُكمل قول الإيمان إلا بالعمل, ولا قول ولا عمل إلا بنية, ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة, أي بما يتفق بما جاء بالقرآن أو الحديث أو عند أهل الجماعة, وأئمة السلفية متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع. وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله. … لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية, إلا أن يزول أصل الإيمان, ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص, وبالتالي هم من يقررون ويضعون المعايير لمن هو مؤمن ومن هو كافر, ولمن هو مذنب أو عاص, ولمن هو غير مذنب أو عاص. وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه. بل تجوز عليهم الذنوب, ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط, ويكذبون من يعطيها لغيرهم, ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه معذورون, إما مخطئون أو مصيبون, ويكفرون من يسئ لهم, وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء. (30)

السلفية بين الاجتهاد والتقليد:

الاجتهاد لغة : هو بذل الجهد والوسع في بلوغ الغرض. أما اصطلاحاً: فهو بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية باستنباط الأحكام منها . والمقصود بهذا هو تحصيل أدوات الاجتهاد مثل : دراسة القرآن والعلم بما يتعلق بالناسخ والمنسوخ, والمطلق والمقيد, والخاص والعام, ومحكمه ومتشابهه, وأسباب النزول. وكذلك دراسة الأحاديث النبوية ومعرفة الصحيح والضعيف والموضوع, وعلوم أصول الفقه من خلال معرفة اللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها, ومعرفة الجرح والتعديل. وبالتالي معرفة الواقع الذي تطبق عليه الأحكام الشرعية. ويعتقد بعض السلفيين بأن باب الاجتهاد كان ولم يزل مفتوحاً لأهل الاجتهاد والاستنباط, وبخاصة في مجال المعاملات, “كالشاطبي” بينما يرى بعضهم الآخر أو يزعم بأن باب الاجتهاد قد أغلق ولم يبق للمسلمين إلا التقليد, ويشترط من يقول بفتح باب الاجتهاد للمجتهد أن يستكمل شروط الاجتهاد العلمية التي جئنا عليها قبل قليل.(31).

البدع عند السلفية :

البدعة لغة إحداث أو إنشاء أمر ما أو وضعه بدون الأخذ والاقتداء بأصل أو مقال سابق. أو بتعبير آخر هي إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة.. والبدعة اصطلاحاً, هي الإضافة إلى الدين في أصوله لا فروعه دون إسناد إلى نص يقيني الورود وقطعي الدلالة.
ويتطلب الاجتهاد إضافة لما جئنا إليه أعلاه اتصاف المجتهد بوصفين: وصف “فهم مقاصد الشريعة على كمالها” الذي يستلزم الانطلاق من كليات الشريعة، ووصف التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها من جهة، وبناء على وعيه بخصوصية النازلة/الحادثة في عصر من العصور أوفي مجتمع من المجتمعات في تقاليده وأعرافه وعاداته من جهة أخرى. وعليه يعتبر بدعة كل اجتهاد ينتفي فيه أحد الوصفين أو هما معا، لذا يعرف “ألشاطبي” البدعة بقوله: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية). لكن امتناع الاختراع ليس مطلقا، لأن له حدود يوضحها تقسيم الشريعة إلى عبادات ومعاملات. ويسمح بالاختراع في مجال المعاملات بعد اخذ شرعنتها من الشريعة وأصولها التي يقر بها أهل السنة. (32) .
وبحسب هذا التعريف, فمن معالم العقيدة السلفية كراهيتهم لما يعتبرونه بدعاً. كما يكرهون من يعتبرونهم أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه, أو ما فهموه هم منه, ولا يحبونهم ولا يصاحبونهم ويحذرون منهم ومن يتقرب إليهم, ولا يألون جهداً في نصحههم وزجرهم عن بدعهم.
كاتب وباحث من سورية