تقرير  المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مجلسي البرلمان الاثنين 16 يونيو 2014

‏16 يونيو، 2014‏،

المملكة المغربية

المجلس الوطني لحقوق الإنسان

 

تقرير السيد رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مجلسي البرلمان

الاثنين 16 يونيو 2014

 

السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛

السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم؛

السيد رئيس الحكومة المحترم؛

السيدات البرلمانيات والسادة البرلمانيون؛

السيدات الوزيرات والسادة الوزراء؛

السيدات والسادة؛

السلام عليكم

 

أقف أمامكم اليوم تفعيلا للفصل 160 من الدستور وفي سياق مطبوع بتزايد اهتمام المنظومة الدولية اتجاه بلادنا لمجال حقوق الإنسان سواء رغبة منها في تقاسم التجربة أو مساءلتها أو استخلاص الدروس منها، مما يحتم علينا اليقظة اليومية والمزيد من الموضوعية والدقة والمصداقية في التعاطي مع ملف حقوق الإنسان الذي أصبح معولما أكثر من أي وقت مضى.

إن هذه اللحظة التي نحياها اليوم تشكل لبنة تأسيسية في العلاقة بين السلطة التشريعية ومؤسستنا، مسنودين في ذلك بمقتضيات الدستور، وبالنظام الداخلي لمجلس النواب والنظام الداخلي لمجلس المستشارين. وسأتناول في هذا التقرير مختلف إسهامات المجلس خلال الفترة الممتدة من مارس 2011 إلى غاية متم سنة 2013.

 

 

I-                    المجلس الوطني لحقوق الإنسان 

 

أيتها السيدات، أيها السادة

 

في سياق مسلسل الإصلاحات التي تشهدها بلادنا تم إحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان بمقتضى ظهير فاتح مارس 2011 وأنيطت به مهام الحماية والتعزيز وإثراء الفكر والحوار حول الديمقراطية وتمتيعه بالاستقلالية اللازمة للاضطلاع بصلاحياته وتنويع تدخلاته وتم الارتقاء به إلى مؤسسة دستورية وفق مقتضيات الفصل 161 من الدستور الحالي.

إن مؤسستنا هاته حاصلة على اعتماد الفئة (أ)، من طرف لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية التابعة للأمم المتحدة، بموجب “مبادئ باريس” التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993. وهكذا اعتبرت اللجنة أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة مستقلة وتعددية طبقا لهذه المبادئ.

و لقد تميز اختيار تركيبة المجلس الحالية بمقاربة اعتمدت، في اختيار الأعضاء، على توسيع دائرة الاستشارات لضمان تمثيلية ناجعة للجمعيات المُمثلة للمجتمع المدني، حيث تمت استشارة أكثر من 250 جمعية، لتوفير شروط التشبيب والتأنيث والتغطية الجغرافية وإشراك أعضاء ينتمون لمختلف مجالات أجيال حقوق الإنسان . كما تتميز تشكيلة المجلس بتنوعها وتعدديتها، وجرى الحرص على تحقيق المناصفة إذ أن 46%  من الأعضاء هن نساء، و تم تعيين عضوين من مغاربة العالم ضمن نفس الإطار.

و تتنوع تشكيلة المجلس من حيث الاختصاصات المهنية والاجتماعية، حيث يضم المجلس الجديد، بالإضافة إلى البرلمانيين، أساتذة جامعيين، أطر جمعوية ونقابية، مهن حرة (محامون وأطباء)، صحفيون، خبراء مغاربة من منظومة حقوق الإنسان لهيئة الأمم المتحدة، ونشطاء ينتمون إلى المنظمات غير الحكومية.

إِني أنتهز مناسبة تقديم هذا التقرير أمامكم لأذكر بإحدى نقط التجديدات المؤسساتية الهامة التي رافقت انتقال المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان من مجلس استشاري إلى مجلس وطني، ألا وهي تنصيص الظهير الُمحدِث له على إنشاء لجان جهوية تمارس الاختصاصات المُخولة للمجلس في مجال حماية حقوق الإنسان و النهوض بها على المستوى الترابي. وبهذا المعنى، فهي إحدى تجليات فلسفة القرب والتوطين المحلي لآليات حماية حقوق الإنسان.

وقد تم تنصيب اللجان الجهوية 13 في الفترة الممتدة من دجنبر 2011 إلى شهر فبراير 2012. لتستجيب لثلاثة انتظارات أساسية : أولُها حاجة المواطنات والمواطنين لآلية للانتصاف والتظلم، وثانيها الحاجة إلى تفاعل أفضل بين منظومة حماية حقوق الإنسان والنهوض بها على المستوى الترابي، وباقي المرافق العمومية، وثالثها المساهمة في دعم الوساطة بين الدولة والمواطنين.

وهكذا يبلغ عدد عضوات وأعضاء اللجان الجهوية 306 ، من بينهم 133 امرأة (43.46 في المئة) و 96 شابا (31 في المئة) و21 شخصا في وضعية إعاقة (6.8 في المئة). أما من حيث انتماءاتهم السوسيو مهنية، فقد توزعت بين القطاع العام والخاص ومهن الطب والصحافة والقضاء والمحاماة…

 

أيتها السيدات، أيها السادة

على الصعيد الدولي، يعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان اليوم عضوا فاعلا في لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان الممثلة لما يزيد عن 100 مؤسسة عبر العالم والشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، والجمعية الفرنكوفونية للمؤسسات الوطنية التي يترأسها، والحوار العربي الأوربي لهذه المؤسسات والشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التي يضطلع برئاستها. كما يعتبر من بين المؤسسات الوطنية الأكثر دينامية وحضورا ومساهمة على مستوى مجلس حقوق الإنسان بجنيف.

ويتفاعل المجلس مع منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بما فيها اللجان وفرق العمل والمقررين الخاصين ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة المعتمدة بالمغرب، وكذا التفاعل مع منظومتي الاتحاد الأوروبي ومجلس أوربا، والمنظمات الدولية غير الحكومية، والزيارات الدبلوماسية (استقبال الوفود والبعثات الدولية).

وتحظى العلاقة مع اللجان وفرق العمل والمقررين الخاصين، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومجلس حقوق الإنسان بأهمية خاصة في عمل المجلس. حيث يعمل المجلس في اتجاهين: الحرص على إبداء رأيه وتقديم مساهمته في إعداد التقارير الدورية المنتظرة من المغرب، من جهة، وضمان تدخله المستقل إبان فحص تلك التقارير، من جهة ثانية، عن طريق تقديم تقاريره أو المداخلات الكتابية والشفوية في نطاق الحوار التفاعلي. كما عمل المجلس بتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان على تيسير مهمة فرق العمل والمقررين الخاصين الذين قاموا بزيارات لبلدنا وضمنها الجهات الجنوبية الثلاث للمملكة خلال هذه الفترة.

علاوة على ذلك، يحرِص المجلس على ترسيخ العلاقات مع الهيئات الدبلوماسية المعتمدة بالمغرب وتنمية علاقات التعاون مع المنظمات الحكومية الدولية والجهوية المعنية بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية (منظمة التعاون والأمن الأوربيين، الاتحاد الأوربي والاتحاد من أجل المتوسط…) وتمكين التمثيليات الدبلوماسية المغربية بالخارج من المعلومات والتقارير المرتبطة بحقوق الإنسان وتطوير علاقات الشراكة مع المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في المجال والمهتمة بأوضاع حقوق الإنسان بالمغرب. وخلال الفترة الممتدة من فاتح مارس 2011 إلى متم دجنبر 2013 ، استقبل المجلس 160 وفدا أجنبيا.

ويشارك المجلس بصفة ملاحِظ في أشغال اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لجامعة الدول العربية ويشغل عضوية لجنة الخبراء القانونيين الرفيعة المستوى المكلفة بإعداد مشروع النظام الأساسي للمحكمة العربية لحقوق الإنسان.

 

II-                 العلاقة مع البرلمان 

 

أيتها السيدات، أيها السادة

1-IIالنظامين الداخليين للمجلسين

شكل قرارا المجلس الدستوري (رقم 924 بتاريخ 22 غشت 2013 و رقم 929 بتاريخ 19 نونبر 2013) القاضيين بمطابقة مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب مع أحكام الدستور، لحظة مميزة بالنسبة لعلاقة البرلمان، مع باقي المؤسسات الوطنية المعنية بالحقوق والحريات والحكامة الجيدة، فقد تضمن النظام الداخلي 7 مواد تؤسس لعلاقة مضبوطة بين مجلس النواب والمؤسسات الوطنية الوارد ذكرها في المواد من 161 إلى 170 من الدستور.

وستمكن هذه المقتضيات الجديدة الواردة في النظام الداخلي لمجلس النواب ومثيلاتها في النظام الداخلي لمجلس المستشارين من تحقيق جملة من الأهداف أهمها:

  1. تثمين المجهودات المبذولة من قبل المؤسسات الوطنية في مجال المساهمة في جودة التشريعات، واعتبار الآراء الاستشارية ضمن الأشغال التحضيرية للنصوص التشريعية التي يمكن العودة إليها في فهم وتأويل بعض المقتضيات عند التطبيق ؛
  2. المساهمة في تطوير ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعاهدات الدولية التي صادقت عليها بلادنا؛
  3. تعزيز أدوار البرلمان في تقييم السياسات العمومية بالاستناد – عند الاقتضاء – على الآراء والدراسات المنجزة من قبل المؤسسات الوطنية الاستشارية؛

وإجمالا فإن معظم المقترحات التي تقدمت بها المؤسسات الوطنية إلى السيد رئيس مجلس النواب بخصوص النظام الداخلي لهذا الأخير وكانت موضوع ترافع من قبلها لدى مختلف مكونات البرلمان، قد تم إدماجها، مما جعل المغرب يكون أحد الدول السباقة لتفعيل “مبادئ بلغراد” ذات الصلة بالعلاقة بين البرلمانات الوطنية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. وهو ما تأكد من خلال اجتماع لجنة التنسيق الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان مؤخرا بجنيف (مارس 2014).

 

أيتها السيدات، أيها السادة

2.II . مبادئ بلغراد

 

إذا كانت مبادئ بلغراد تعتبر الوثيقة الدولية المرجعية في مأسسة العلاقة بين البرلمانات الوطنية والمجالس الوطنية المعنية بالحقوق والحريات، فإنه من المفيد الوقوف عند أهم ما جاءت به هذه الوثيقة حيث نصت على وجه الخصوص، على الالتزامات المشتركة للطرفين منها:

  • §      ضرورة أن تقوم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بتطوير علاقة عمل قوية مع اللجنة البرلمانية المتخصصة في مجال حقوق الإنسان، من أجل تعزيز تبادل المعلومات، وتحديد مجالات التعاون الممكنة في مجال حماية حقوق الإنسان. وأن يطال هذا التعاون باقي اللجان في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
  • §      تقديم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان المشورة والتوصيات والمعلومات، إلى البرلمانات بشأن القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان، ومساعدة البرلمان في ممارسة أدواره في التشريع ومراقبة وتقييم السياسات العمومية، بما في ذلك التزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولي.
  • استشارة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان من قبل البرلمانات بشأن محتوى مشاريع ومقترحات القوانين الجديدة، والتأكد من مدى احترامها لمبادئ ومعايير حقوق الإنسان والعمل على تقديم مقترحات، عند الإقتضاء، من أجل ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

3.II . مساهمات المجلس المعيارية

 

وإعمالا لهذه المبادئ وترصيدا لتجربة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مجال إبداء الآراء الاستشارية تطبيقا لأحكام المادة 16 من الظهير المحدث له، ساهم المجلس برأيه الاستشاري و بناء على طلب السيد رئيس  النواب (ماي 2012) في مشروع القانون رقم 01-12 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية، و خاصة المادة 7 منه. و ضمن نفس الإطار أبدى المجلس رأيا استشاريا بطلب من رئيس مجلس المستشارين حول مشروع القانون رقم 12-19 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلق بالعمال المنزليين (شتنبر 2013)، وقد وجه نفس الطلب إلى المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، و هو ما مكن لأول مرة مؤسستين استشاريتين من التنسيق من أجل التكامل في العمل الاستشاري الذي طلبه مجلس المستشارين.

وفيما يتعلق بمساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في النصوص المعيارية المؤسسة لعلاقته بالبرلمان، فقد اقترح المجلس في غشت 2011 مراجعة بعض مقتضيات القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تقدم المجلس في نفس الشهر بمقترحاته المتعلقة بالقانون 30.11 الخاص بالملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات.

 

أيتها السيدات و السادة

شهدت الفترة الممتدة من نونبر 2011 إلى غاية متم سنة 2013 تقوية علاقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمؤسسة التشريعية على أكثر من مستوى، وهكذا:

1. حرص المجلس على المساهمة في معظم اللقاءات الدراسية والندوات التي نظمت سواء بمبادرة من مجلس النواب أو مجلس المستشارين، بما في ذلك مبادرات الفرق البرلمانية وبعض اللجان البرلمانية الدائمة، وقد بلغ مجموع الندوات والأيام الدراسية التي شهدت مشاركة فعلية للمجلس ما مجموعه 33 يوما دراسيا كان أبرزها مشاركة المجلس في الفعاليات المنظمة بمناسبة تخليد البرلمان المغربي للذكرى الخمسين لإحداثه والندوة الدولية المنظمة بهذه المناسبة في 25 نونبر 2013.

2. تزايد عدد الوفود البرلمانية الأجنبية التي استقبلت بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي وصل عددها إلى ما مجموعه 58 وفدا برلمانيا

3. حرص المجلس أيضا على ديمومة تواصله بالمؤسسة البرلمانية عبر تمكين كل مكونات البرلمان من مختلف إصداراته.

4. المساهمة في الديبلوماسية البرلمانية، وبصفة خاصة مواكبة عمل البرلمان المغربي ضمن إطار الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا حيث يتمتع البرلمان المغربي بوضع “شريك من أجل الديمقراطية”.

5. وفي هذا الإطار واكب المجلس العمل البرلماني للجنة المشتركة بين البرلمان المغربي والبرلمان الأوروبي، وساهم على الخصوص في مناقشة تقريرتانوك يوم 18 شتنبر 2013 ببروكسيل.

6. دعم مبادرات الفرق البرلمانية على هذا المستوى وخاصة، مشاركة المجلس في اللقاء المنعقد بمراكش في 1-2 فبراير 2013 بمبادرة مشتركة مابين التحالف الأوروبي للمحافظين الإصلاحيين بالبرلمان الأوروبي AECR، والفرق البرلمانية للعدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الدستوري، والمخصصة للحوار حول “الأمن والديمقراطية في المنطقة المغاربية”، حيث شارك المجلس بمداخلة حول الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان”.

والمشاركة في منتدى الاشتراكيين التقدميين المغاربيين والأروبيين المنظم بمراكش يومي 14-15 نونبر 2013 والمنظم من طرف الفريق الاشتراكي بالبرلمان الأوروبي والفريق الاشتراكي بمجلس النواب تحت شعار “من أجل قيام مغرب كبير تقدمي”، حيث اعتمد المنتدى وثيقة مرجعية تحت اسم نداء مراكش الذي تم فيها التنويه بعمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

 

4.II. مساهمات دالة للبرلمان في مجال حقوق الإنسان

 

أيتها السيدات و السادة،

لقد تابع المجلس بكل اعتزاز ، عمل البرلمان  في مجال حقوق الإنسان و ذلك عبر: 

  1. النقاش المفتوح بين البرلمان والحكومة بمناسبة مناقشة الميزانيات الفرعية لمجموعة القطاعات ذات الصلة المباشرة بالحقوق الحريات وخاصة (قطاعات الداخلية، العدل، الخارجية، المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج…).
  2. تخصيص لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب للقائين خاصين الأول في 23 أكتوبر 2012 بمساهمة رئيس مؤسسة وسيط المملكة حول “أوضاع حقوق الإنسان” والثاني يوم 23 أبريل 2013 للنقاش حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب بمساهمة المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان.
  3. مبادرة مجموعة من الفرق البرلمانية بتنظيم أيام دراسية ودعوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان للمساهمة فيها لإبراز المقاربة الحقوقية في التعاطي مع بعض القضايا أو التفاعل مع بعض التقارير الموضوعاتية الصادرة عن المجلس، أو القضايا التي تندرج ضمن الإهتمام المشترك للمؤسستين : أوضاع السجناء، الأطفال المودعين بمراكز حماية الطفولة، حقوق الإنسان والصحة النفسية والعقلية، الحريات النقابية، حقوق النساء، حقوق المهاجرين وتدبير التعدد الثقافي واللغوي…الخ.
  4. استحضار البرلمانيات والبرلمانيين لقضايا حقوق الإنسان في مختلف أوجه عملهم سواء على صعيد العلاقات البرلمانية الثنائية أو في مختلف الهيئات والمنتديات البرلمانية،
  5. استحضار أهمية مبادرة شبكة برلمانيات وبرلمانيين ضد عقوبة الإعدام وترافعهم من أجل إلغائها.
  6. 6.       أيتها السيدات أيها السادة، إن المجلس واع كل الوعي أن موضوع إلغاء عقوبة الإعدام محل نقاش وتضارب الافكار والمواقف داخل المجتمع خصوصا أمام بعض الجرائم البشعة ومخلفاتها لدى اقارب الضحايا، وإذ يدعو المجلس إلى حوار هادئ ورصين ومعقلن حول هذا الموضوع، لينتهز المجلس هذه المناسبة ليؤكد على موقفه الداعي إلى انضمام بلدنا للبروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، القاضي بإلغاء عقوبة الإعدام و أن تعمل بلادنا على التصويت الايجابي على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، في أفق إلغائها.
  7. إقدام مجلس النواب على تشكيل لجنة استطلاعية لزيارة سجن عكاشة وزيارة نائبات ونواب لحي الإعدام بالسجن المركزي بالقنيطرة.
  8. تزايد اهتمام البرلمانيين بأوضاع حقوق الإنسان يؤشر عليه أيضا حجم ونوعية الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى الحكومة حيث شهدت سنة 2013 لوحدها توجيه ما مجموعه 253 سؤالا ضمنها 162 سؤالا شفويا، 91 سؤالا كتابيا. ولا تشمل هذه الأرقام سوى أربع قطاعات (العدل، الداخلية، التنمية الاجتماعية والعلاقة مع البرلمان).

 

وبما أن إحدى أهداف هذا التقرير هو محاولة تقييم موضوعي ودقيق لديناميات حقوق الإنسان في المغرب، فإن المجلس يعتبر أن مختلف أوجه التفاعل مع المؤسسة التشريعية التي سبق ذكرها تشكل ممارسة فضلى حظيت باستحسان دولي.

 

III-               العلاقة مع الحكومة

 

أيتها السيدات، أيها السادة

لقد شهدت علاقة المجلس بالحكومة تطورا سواء على صعيد رئاسة الحكومة، أو على صعيد العلاقة بين المجلس، وبعض القطاعات الحكومية على وجه التحديد، إذ حرص المجلس على دعوة مختلف القطاعات الحكومية للمشاركة في كل الندوات والتظاهرات التي ينظمها، وكذا تمكينها من مختلف إصدارات المجلس. كما حرص أيضا على المشاركة والحضور في مجمل التظاهرات والندوات التي دعي إليها من قبل مختلف القطاعات الحكومية.

فعلى صعيد رئاسة الحكومة، بادر المجلس مباشرة بعد تنصيبها إلى توجيه مذكرة إلى السيد رئيس الحكومة يستحضر فيها بعض أولويات السياسة العمومية في مجال حقوق الإنسان في إطار استمرار وفاء المغرب بالتزاماته. أعقبها عقد جلسة العمل الأولى مع السيد رئيس الحكومة والسيد وزير الدولة في مطلع سنة 2012 وذلك لتقديم رؤية المجلس وبرامجه بالنسبة لهذه المرحلة، إثرها تم الاتفاق على أجندة لمتابعة تنفيذ مختلف الالتزامات المشتركة، خاصة منها تلك المتعلقة بتصفية ما تبقى من ملفات هيئة الإنصاف والمصالحة.

وفي هذا الاطار يسجل المجلس:

  1. ايجابية التعاون الذي ما فتئت تبديه رئاسة الحكومة لتسريع انهاء الملفات العالقة في مجال جبر الأضرار الفردية؛
  2. تثمين مبادرة دعوة المجلس للمشاركة في الحوارات العمومية المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة و المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي والأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني؛  
  3. التنويه بالتعاون الذي ابدته بعض القطاعات الحكومية فيما يخص تمكينه من 7 مشاريع نصوص تشريعية ومشروع دورية واحدة لإبداء رأيه بشأنها، ويتعلق الأمر ب: (مشروع الدورية المتعلقة بالشراكة بين الدولة و الجمعيات، الصيغة الأولى من قانون المجلس الوطني للصحافة، الصيغة الأولى من مشروع قانون حق الحصول على المعلومات، مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقان بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي للقضاة، مشروع قانون المسطرة الجنائية، مشروع القانون المتعلق “بحماية الأشخاص المصابين من اضطرابات نفسية أو عقلية وكيفية التكفل بهم“ و مشروع قانون الطب الشرعي)؛
  4. ايجابية تفاعل الحكومة بشأن تفعيل الاختصاصات المنصوص عليها في المواد 14 و15 و21 و 22 و 23  من الظهير المحدث للمجلس: (المساهمة في التقارير التي تقدمها الحكومة لأجهزة المعاهدات و التعاون في مجال حماية حقوق الإنسان و المساهمة في النهوض بثقافة حقوق الإنسان و إشاعتها و المساهمة في تنمية قدرات المصالح العمومية)؛ 
  5. عدم إحالة عدد آخر من مشاريع القوانين ذات العلاقة بحقوق الإنسان على المجلس، ويتعلق الأمر بمشروع قانون بشأن شروط تشغيل العمال المنزليين ومشروع القانون المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء، ومشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية والقانون الإطار المتعلق بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. غير أن هذا الأمر لم يمنع المجلس من إبداء ملاحظاته، مما تأتى له من نصوص، عبر آراء استشارية ومذكرات؛
  6. أنه لم يتم إلى حد الآن تفعيل الإمكانية المنصوص عليها في مقتضيات المادة 16 من الظهير المحدث له؛
  7. اعتبار فرصة وضع مشروع القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، مناسبة لتقوية مأسسة علاقة المجلس بالحكومة في مجال المساهمة الاستشارية في مشاريع القوانين ذات العلاقة بمجال اختصاص المجلس. ولهذا الغرض فقد أعد المجلس بمعية الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة مذكرة حول القانون التنظيمي المذكور. وقد تضمنت المذكرة عددا من المقترحات منها على الخصوص أن تُضاف إلى قائمة عناصر دراسة التأثير ثلاثة عناصر: دراسة الآثار من منظور حقوق الإنسان ودراسة الآثار على الجماعات الترابية ودراسة الآثار المتعلقة بمخاطر الفساد.

 

 

IV-               المكتسبات والتحولات

أيتها السيدات، أيها السادة

 

1.IV. المكتسبات

 

إن كل تحليل لوضعية حقوق الإنسان ببلادنا لا يستقيم إلا باستحضار مجمل المسار الإصلاحي الذي دشنته بلادنا على الأقل منذ 1999، والمكتسبات المحققة في إطاره بدءا من: إدماج الحقوق الثقافية و اللغوية في أجندة السياسات العمومية مع إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، و قرار بلادنا فتح ورش العدالة الانتقالية مع إحداث هيأة الإنصاف و المصالحة، و تمكين بلادنا من عناصر سياسة تروم توسيع الولوج إلى الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية خاصة بالنسبة للفئات الهشة مع انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، و التفكير الجماعي في نموذجنا التنموي من خلال تقرير الخمسينية. وانطلاق المراجعة العميقة لنمط الحكامة الترابية مع ورش الجهوية.

و على المستوى المعياري تمت المصادقة على عدد من النصوص و تعديل بعضها بما يسمح بتوسيع مجال الحقوق و الحريات المضمونة في نظامنا المعياري الوطني، و من ذلك صدور مدونة الأسرة (2004)، والتي هي الآن محل تقييم بعد مرور عشر سنوات على صدورها و تعديل قانون الجنسية (2007)، و تعديل و مراجعة قوانين الحريات العامة (2002)، ووضع مدونة للشغل(2004)، و التطوير المتدرج لقانون المسطرة الجنائية (2003،2006) و القانون الجنائي من خلال تجريم التعذيب في 2006 و التحرش الجنسي سنة 2003، و تحسين التنظيم القضائي بإلغاء محكمة العدل الخاصة (2004).

وفي إطار هذا المسلسل، تم العمل على إعداد خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، طبقا لتوصيات تصريح وخطة عمل مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان المنعقد سنة 1993 بهدف تمكين بلادنا من إطار منسجم ومندمج للسياسات العمومية المرتكزة على حقوق الإنسان.

إن هذه المكتسبات هي  التي مكنت بلادنا من تدشين دينامية جديدة انطلاقا من سنة 2011 مع  إحداث مؤسسة الوسيط لحماية وتعزيز حقوق المواطنات والمواطنين أمام الإدارات العمومية، وكذلك خلق المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، كآلية حكومية لضمان تنفيذ السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان، وهو ما جعل مجلس حقوق الإنسان، في إطار توصيات الاستعراض الدوري الشامل، يوصي بتعميم مثل هذه الآلية على باقي الدول.

كما تعززت الممارسة الاتفاقية للمغرب وبصفة خاصة المصادقة على الاتفاقية الدولية للأشخاص في وضعية إعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها (2009) والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري (2013)، والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب (2013)، وقرار المغرب برفع التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء.

 

أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد شكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة (المحدثة في7 يناير 2004 والمنتهية ولايتها في 30 نونبر 2005) والتي اشتغلت على ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى غاية 1999، بوصفها الجواب الوطني على الحق في معرفة الحقيقة، والانتصاف وجبر الأضرار والحق في الذاكرة في إطار العدالة الانتقالية، علامة فارقة في الانتقال والتثبيت الديمقراطيين وترسيخ دولة القانون عبر اعتماد الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية والسياسية لضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان. ولم يكن هذا النجاح ممكنا بدون استناد التجربة إلى توافق وطني قوي. وفي هذا الصدد وجب التذكير بالخطاب الملكي السامي في 07 يناير 2004 بأكادير بمناسبة تنصيب الهيأة وتوصيفه لهذه التجربة، بحيث جاء فيه :”…هي إنجاز من لدن شعب لا يتهرب من ماضيه ولا يظل سجين سلبياته، عاملا على تحويله إلى مصدر قوة ودينامية لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي يمارس فيه كل المواطنين حقوقهم وينهضون بواجباتهم بكل مسؤولية وحرية والتزام.”

في هذا السياق، تمكنت بلادنا من تعويض 26.063 من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي وذوي حقوقهم سواء الذين صدرت لفائدتهم مقررات تحكيمية من هيئة التحكيم المستقلة للتعويض أو  الذين صدرت لفائدتهم مقررات تحكيمية من هيئة الإنصاف والمصالحة، وذلك بغلاف مالي وصل إلى 1.804.702.899,80 درهم إلى غاية 31 دجنبر 2013، ضمنهم 5027 من الضحايا المنحدرين من الأقاليم الجنوبية للمملكة بمبلغ مالي إجمالي مقدر ب 618.529.270,00 درهم؛ كما تم تعويض الضحايا المدنيين الذين تعرضوا للاختطاف واحتجزوا لدى البوليساريو، ويبلغ عددهم 217 بمبلغ مالي إجمالي مقدر ب 85.234.375,00 درهم.

 

أما بالنسبة للإدماج الاجتماعي فقد بلغ مجموع المستفيدين من توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ولجنة متابعة تفعيل توصياتها 1306 حالة، منها 828 حالة تم تنفيذها، و335 حالة في طور التنفيذ، و118 حالة تبين بعد دراسة ملفاتها أنها استطاعت الاندماج ذاتيا، و25 توفوا.

وعلى مستوى تسوية الأوضاع الإدارية والمالية: بلغ مجموع المستفيدين من توصية التسوية الإدارية والمالية 540 حالة، تمت التسوية الفعلية ل 366 حالة، فيما 72 حالة في طور التسوية، و102 حالة في طور الدراسة من قبل القطاعات الحكومية المعنية.

 

أما بالنسبة للتغطية الصحية فقد بلغ عدد البطائق الصادرة عن الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى حدود 31 دجنبر 2013: 7271 بطاقة لفائدة المؤمن لهم، وعدد المستفيدين من ذوي المؤمنين: 15690. تتكفل الميزانية العامة للدولة بتغطية تكلفتها المالية حيث بلغت 11 مليون و 833 ألف درهم سنة 2012 و 13 مليون و 295 ألف درهم سنة 2013.

 

أما فيما يخص برنامج جبر الضرر الجماعي، فقد أشرف المجلس على تتبع تنفيذ 149 مشروعا ب 13 إقليما بالمملكة، شملت أربعة محاور رئيسية وهي: دعم قدرات الفاعلين المحليين، حفظ الذاكرة، تحسين شروط عيش السكان والنهوض بأوضاع النساء والأطفال؛ وقد تمت تعبئة 159.799.892,00 درهم، تتوزع بين المساهمة الحكومية، و مساهمة التعاون الدولي ( مندوبية الاتحاد الأوروبي، صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة…)، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير، ومساهمات الجمعيات المحلية.

 

وفيما يتعلق بالأرشيف والتاريخ وحفظ الذاكرة، فقد ساهم المجلس في إخراج مؤسسة أرشيف المغرب إلى حيز الوجود إثر قانون الأرشيف، كما أشرف على إعداد العديد من المشاريع،حيث نظم أربع ندوات حول التُّحافة والتراث، ودعم إحداث ماستر حول التاريخ الراهن وآخر للدراسات الصحراوية، ومركز الدراسات والأبحاث الصحراوية بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمركز المغربي للتاريخ الراهن وإعطاء الانطلاقة لانجاز متحف الريف بالحسيمة ومتحف الصحراء بالداخلة ومتحف الواحات بوارزازات ودار تاريخ المغرب بالدار البيضاء.

 

كما أن تفرد التجربة في محيطها الإقليمي، هو ما جعلها بعد التطورات الأخيرة بالمنطقة مَصدرَ إلهام للجميع. وأؤكد لكم هنا وبكل اعتزاز أن هناك رغبة كبيرة اليوم للاستفادة من التجربة المغربية من طرف أصدقائنا وأشقائنا في تونس وليبيا وموريتانيا ومصر والبحرين واليمن والسودان ولبنان وفلسطين وسوريا و العراق، الطوغو، مالي والكوت ديفوار وبوركينا فاسو والكامرون والنيجر. كما يشارك المجلس عبر عضواته و أعضائه وأطره وخبرائه في تأطير العديد من الورشات التكوينية لوضع أسس العدالة الانتقالية على مستوى هذه الدول. وقد استقبلتْ بلادُنا خلال السنوات الثلاث الأخيرة أزيد من 22 وفدا من مختلف الدول العربية والإسلامية والإفريقية بغاية التعرف عن قرب على التجربة وسبل الاستفادة منها.

 

إن السياقات المحيطة بنا، تتطلب منا جميعا، من جهة، التَملُّكَ الجماعي الجيد والواعي بأهمية هذا المسار كمرجع تاريخي وضع العديد من الأسس الكفيلة بتطوير تجربتنا الديمقراطية الواعدة وتحصينها، ومن جهة أخرى استثمارها بما يقوي حضور بلادنا في المنتديات العالمية الرسمية والمدنية من أجل تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية في كل بلدان العالم وكذلك من أجل تقاسمها مع الآخرين باعتبارها رصيدا حقوقيا إنسانيا، بما لها وما عليها، ومِلْكا للباحثين في مجال تاريخ الزمن الراهن، يجب العمل على استلهام الدروس منها.

 

ولقد كانت هذه المجهودات موضوع تنويه ملكي سامي يعتز به المجلس في الرسالة الملكية السامية إلى المشاركين في الندوة الدولية حول “التراث الثقافي بالريف: أية تُحافة؟” بالحسيمة يوم 15 يوليوز 2011 والذي أكد في منطوقه أن دور المجلس في “مواصلة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بمساراتها المتعددة، وبخاصة في شقها المتعلق بجبر الضرر الجماعي، ومجال التاريخ وحفظ الذاكرة،” تكتسي أهمية بالغة في تعزيز النموذج المغربي المتميز.” 

 

أيتها السيدات أيها السادة ؛

 

إن عناصر قوة هذه التجربة تكمن في:

  1. التقدم الملحوظ في استجلاء الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والإقرار العلني بمسؤولية الدولة بخصوصها، وأنتهز هذه المناسبة للإشارة إلى الضرورة الملحة لمواصلة الجهد لكشف الحقيقة في بعض الملفات العالقة المرتبطة بالاختفاء القسري ضمانا لحق العائلات وذويهم في معرفة الحقيقة كحق غير قابل للتقادم؛
  2. جعل الإصلاحات المؤسساتية التي أوصت بها الهيئة، مرجعا أساسيا، توجت بتأكيد العرض الدستوري الوارد في الخطاب الملكي ل9 مارس 2011 على ضرورة دَسْترة التوصيات الوجيهة منها. وهو ما تحقق في الدستور الحالي.
  3. التسريع بإعمال التوصيات المتعلقة بجبر الأضرار الفردية مباشرة بعد الإعلان العمومي عن التقرير الختامي للهيئة وتكليف مؤسسة وطنية قارة (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك) لتتبع تنفيذ تلك التوصيات، كخطوة غير مسبوقة على صعيد الدول التي عرفت تجارب العدالة الانتقالية؛
  4. برنامج جبر الضرر الجماعي الذي يشكل قيمة مضافة في تجارب العدالة الانتقالية؛
  5. اعتبار مقاربة النوع الاجتماعي في مختلف برامج الهيئة؛
  6. اتخاذ مجموعة التدابير المتعلقة بحفظ الذاكرة والأرشيف والتاريخ.

 

أيتها السيدات أيها السادة ؛

إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بوصفه وريثا مؤسساتيا لمهمة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، يود أن يذكر أنه مكلف بتتبع تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وليس الجهة المعنية بالتنفيذ.

لقد تم تنفيذ أغلب توصيات الهيئة إلا أن بعض التوصيات المركزية المؤسساتية مازالت لم تعرف سبيلها إلى التفعيل كالانضمام إلى نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية وإلغاء عقوبة الإعدام و الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإفلات من العقاب.

وأنتهز هذه الفرصة لأسجل إيجابية تعهد الحكومة في شخص رئيسها المحترم السيد عبد الإله بنكيران، بتوفير كافة الإمكانيات لإنهاء ملفات جبر الضرر الفردي في مُتِمِّ السنة الجارية.

 

أيتها السيدات، أيها السادة

 

إن هذه المكتسبات تطرح تحديات كبرى من منظور حقوق الإنسان و بشكل خاص باستحضار التحولات المجتمعية ورهانات إعمال الدستور و التزاماتنا الاتفاقية، و تطلعات المواطنين.

 

2.IV . التحولات

 

لقد عرف المجتمع المغربي تحولات ديمغرافية و مجالية و اقتصادية و ثقافية، لعل أهمهابروز الشباب كفاعل جديد في الساحة الاجتماعية. ويتوقع خلال السنوات القادمة تزايد حضور هذه الفئة بقوة في التشكيلة المجتمعية مما يستلزم الأخذ بعين الاعتبار ثلاث تحولات عميقة تتعلق بالانتقال الديمغرافي و تسارع وثيرة التمدن وتزايد وثيرة الولوج إلى المعرفة.

وبخصوص الانتقال الديمغرافي، فقد سجل انخفاض نسبة الخصوبة بالمغرب بشكل ملحوظ، حيث شهد بدايته في منتصف السبعينات حيث انتقلت نسبة الخصوبة من 7.2 طفل للمرأة سنة 1962 إلى 2.19 طفل للمرأة سنة 2010 في حين أن الخصوبة في المجال الحضري، تعادل اليوم 1.84 طفل للمرأة.

ويترتب عن هذا الانتقال الديمغرافي القوي تركيبة اجتماعية جديدة متسمة بالحضور المكثف للشباب. حيث أن أزيد من 51 في المئة من الساكنة تقل أعمارهم عن 25 سنة، أي ما يناهز 10.4 مليون شخص ما بين 10 و 24 سنة. وهذا يضع بلدنا أمام تحديات كبرى في طليعتها التربية والتكوين والصحة والشغل وإدماج الشباب في مسلسل التنمية والحياة المدنية.

ويتقوى هذا الاتجاه بفعل التحولات التالية:

أقل من 30 في المئة من الساكنة المغربية كانت تعيش في المدن سنة 1960، وفي سنة 2007، أصبح 57 في المئة من السكان يعيشون في الوسط الحضري، حيث انتقلنا من 112 مدينة سنة 1960 إلى 350 مدينة سنة 2004.

ومن جهة أخرى ساهم تطوير البنيات التحتية الأساسية في الحركية الجغرافية للساكنة المغربية وبهجرات داخلية مهمة. وأبرز البحث الوطني حول الهجرات الديمغرافية المتكررة أن البادية المغربية فقدت خلال سنة 2010 ما يناهز 200 ألف شخص لفائدة المدن.

كما أن هذه الظواهر الديمغرافية غالبا ما تتغذى من التحولات الثقافية والسلوكية للمجتمع ومن انبثاق الكائن الفرد. كما يساهم توسع العرض التربوي ووسائل الإعلام في ذلك.

أما فيما يتعلق بتزايد وثيرة الولوج إلى المعرفة، فقد ارتبط بمسار تعلم غالبية الساكنة (أزيد من 50 في المئة من الشباب الذكور في مرحلة أولى متبوعين بالشابات في مرحلة ثانية) بفضل تعميم التمدرس وما يستتبع ذلك من تحولات في القيم والأدوار والعلاقات الاجتماعية.

كما سينتج عن هذه الدينامية، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، -كما يتوقع المختصون- آثار متعددة الأبعاد، من بينها المساهمة في التقليص من الفوارق الثقافية بين المجال الحضري والقروي والعمل على تحقيق مستوى عال من الإدماج الثقافي في المجتمع المغربي وضمان حضور أقوى للفتيات في مختلف مستويات التعليم وتسريع وثيرة ولوج النساء للفضاء العمومي والاقتصادي والإداري وتقوية مسار بروز الفرد مع ما يترتب عن ذلك في نظام القيم والذهنيات والعلاقات.

 

V-                  التحديات والأولويات

 

أيتها السيدات، أيها السادة؛

 

1.V . التحديات

 

إن هذه التحولات الجذرية المشار إليها بشكل سريع، تسائل مختلف المؤسسات والفاعلين وتطرح عددا من التحديات قد حددت أولويات عملنا في المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

و تتمثل أولى هذه التحديات في تحقيق المساواة بين الرجال و النساء و المناصفة و مكافحة التمييز ، و هذا ما حذا بالمجلس إلى أن يخصص أولى مذكراته للإطار القانوني المخصص للهيأة المكلفة بالمناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز. و إلى أن يولي اهتماما خاصا بالإطار القانوني لمكافحة العنف ضد النساء و كذا الإطار القانوني للعمال المنزليين.

أما ثاني التحديات فهي تلك المتعلقة بمنظومة العدالة و هي تدور حول أربع رهانات أساسية: تكريس ضمانات المحاكمة العادلة بما في ذلك الولوج إلى العدالة و استقلال السلطة القضائية و مكافحة التعذيب و الوقاية منه، وضمان حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، و تطوير المنظومة الجنائية خاصة عبر إدماج العقوبات البديلة و مراجعة الإطار القانوني للعفو. و لقد خصص المجلس لكل هذه الرهانات عددا من مذكراته و تقاريره.

ويتمثل التحدي الثالث في تكريس ضمانات الحريات العامة (الجمعيات و التظاهر السلمي و الصحافة). و لقد اعتمد المجلس مذكرة حول حرية الجمعيات و هو الآن بصدد نشر دراسته حول حرية التظاهر السلمي و مذكرته بهذا الخصوص، كما أولى المجلس أهمية مماثلة لتطوير الإطار القانوني للصحافة و النشر.

أما التحدي الرابع فهو المتمثل في تقوية الإطار القانوني و السياسات العمومية المتعلقة بضمان حقوق الفئات الهشة خاصة الأشخاص في وضعية إعاقة و الأطفال والمسنين والأجانب واللاجئين… و لقد كان للمجلس مساهمات في هذه الموضوعات جميعها. 

وهناك، أيتها السيدات و السادة، تحد أساسي و مركزي يخترق كل هذه التحديات سالفة الذكر و المتمثل  في كيفية تشجيع المشاركة المواطنة في آليات الديمقراطية التمثيلية و التشاركية، والنهوض بأدوار المجتمع المدني و بالمنظومة التعليمية كرافعة للمواطنة و بثقافة حقوق الإنسان التي لا تنفصل عنها.        

إن هذه التحديات تشكل أساس رؤية المجلس و أهدافه الاستراتيجية و أجندته، و مقترحاته، سواء على المستوى المعياري أو على مستوى السياسات العمومية.

ذلك أن المجلس يعتبر أن أولوية الأولويات، تتمثل في إصدار القانون المحدث للهيأة المكلفة بالمناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز، و قانون مكافحة العنف ضد النساء و الإطار القانوني لشروط تشغيل العمال المنزليين.    

و هكذا يعتبر المجلس أن رفع جزء هام من التحديات المشار إليها، خاصة تلك المتعلقة بمجال الحماية، تستلزم تزويد منظومتنا القانونية بآليات الوقاية من التعذيب، و تلقي تظلمات الأطفال ضحايا انتهاك حقوقهم، و مكافحة التمييز في تكامل مع عمل الهيأة المكلفة بالمناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز، و حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. و إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بوصفه المؤسسة الوطنية المرجعية في مجال حماية حقوق الإنسان و النهوض بها، ليقترح أن يتوسع اختصاصه ليشمل هذه الآليات.     

و يعتبر المجلس أيضا أن الأولويات القانونية المتعلقة بإصلاح العدالة تتمثل في إصدار القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، و الإطارين القانونيين للعقوبات البديلة و العفو.

و تندرج مراجعة كل المنظومة القانونية المتعلقة بالحريات العامة، (الجمعيات والتظاهر السلمي والصحافة والنشر) ضمن أولويات المجلس بما يكرس على الخصوص توسيع ممارستها، و مركزية دور القضاء في حمايتها. 

و في مجال حماية الفئات الهشة، فإن المجلس يعتبر أن التعجيل بإصدار القانون الإطار لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أمر ملح، و على نفس القدر من الأهمية يعتبر أن إصدار القوانين الجديدة المتعلقة بالهجرة و اللجوء و مكافحة الاتجار في البشر هو أمر يتوقف عليه جزء كبير من نجاح السياسة الجديدة للهجرة.

و على مستوى السياسات العمومية، فإن المجلس حريص على متابعة استكمال مسار إعداد و اعتماد الاستراتيجيات الوطنية للطفولة و الإعاقة و الشباب، كما سيتابع بمقترحاته مسار إعمال الخطة الوطنية للمساواة (إكرام).

كما يعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن اعتماد مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والمناصفة كأحد أولويات السياسات العمومية تستلزم تثمين التقدم المنجز في مجال الميزانية المبنية على مقاربة النوع الاجتماعي منذ 2007 عبر ترجمته المعيارية في مشروع القانون التنظيمي للمالية.

و يعتبر المجلس أن الخطة الوطنية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والتي يتمنى أن تُعْتمَد في أقرب الآجال في منطقها الكلي والمترابط وغير القابل للتجزيئ، هي بمثابة ضمان لالتقائية السياسات العمومية من منظور مقاربة مرتكزة على حقوق الإنسان.

 

أيتها السيدات أيها السادة،

إن المجلس يعي أن التكريس المستدام للمواطنة، و النهوض بثقافة حقوق الإنسان، هما أمران يتطلبان تخطيطا بعيد المدى، غير أن ذلك لا يمنع المجلس من تحديد أولويات على المدى القصير و المتوسط. و تتمحور هذه الأولويات حول ثلاث نقط أساسية: تحسين الإطار القانوني المنظم للعمليات الانتخابية، و إعمال المقتضيات الدستورية المتعلقة بالديمقراطية التشاركية، و تكريس الدور الاستراتيجي للمنظومة التعليمية في النهوض بثقافة حقوق الإنسان.   

تلكم هي، أيتها السيدات و السادة، أهم أولويات المجلس، و التي سأفصل الآن، في منجزها، و تحدياتها، و توصياتها.   

 

 

 

2.V. الأولويات

المناصفة وعدم التمميز

 

أولى المجلس الوطني لحقوق الإنسان أهمية قصوى للمبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة والمناصفة وحظر كل أشكال التمييز، وفي هذا الإطار اشتغل المجلس على أَوْلويتين أساسيتيْن:  تقديم المقترحات المتعلقة بإحداث هيئة المناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز المنصوص عليها في الفصلين 19 و 164 من الدستور، والإطار القانوني المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء والطفلات. 

 

أيتها السيدات، أيها السادة ؛

ففيما يتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز فقد أصدر المجلس مذكرة اعتمدت على خلاصات دراسة علمية أنجزها المجلس وتضمنت هذه المذكرة عددا من المقترحات بخصوص النظام الأساسي للهيئة وانتدابها ومهامها و وظائفها وتشكيلتها وهيكلتها و توطينها الترابي.

وفي أفق اعتماد القانون المنشئ للهيئة، يعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أنه يتعين إدراج التعريفات المتعلقة بالمساواة والمناصفة والتمييز ضد النساء ضمن مقتضيات القانون المرتقب، بالإضافة إلى مقترحات أخرى تهم الاختصاصات الاستشارية للهيئة و تقوية اختصاصاتها في مجال الحماية والوقاية من التمييز كآلية وطنية للانتصاف، و رصد و تتبع حالاته والتقرير عنها.

وبخصوص الإطار القانوني للعنف ضد النساء فقد أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان مذكرة انصبت على الإطار المعياري الذي يجدُر اعتمادُه في إعداد القانون والتعريف الدقيق للعنف و أنماطه وكذا جملة من التدابير  الدقيقة ذات الصلة بالجوانب الحمائية والزجرية وجبر ضرر الضحايا وتدابير أخرى ذات طبيعة وقائية تهم الجوانب التربوية والتعليمية لتغيير السلوكات والعقليات من جهة، وتلك المتعلقة بوسائل الإعلام والمندرجة في اختصاصات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، من جهة أخرى والهادفة إلى محاربة الصور النمطية اتجاه النساء.

و إعمالا لمقتضيات الفصول 31 ، 32 و 34 من الدستور، وخاصة تلك المتعلقة بالحق في الشغل، وحقوق الطفل، ومعالجة الأوضاع الهشة لبعض الفئات، قام المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بناء على طلب السيد رئيس مجلس المستشارين، وهو الأول من نوعه، بإصدار رأي استشاري حول مشروع قانون 19-12 الذي يحدد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين.

وقد أوصى المجلس في هذا الرأي بالمصادقة على اتفاقية العمل اللائق للعمال المنزليين (رقم 189) لمنظمة العمل الدولية، كما اعتبر المجلس أن اختيار المشرع تنظيم “شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعُمّال المنزليين الذين تربطهم علاقة عمل مع صاحب بيت “بقانون خاص” هو اختيار يرتبط بممارسة السلطة التشر�