الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الأول- قراءة في الفكر لسلفي (8من 28)
د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

المذهب الحنبلي المرجع الأساس للفكر السلفي:

السلفيون يتبعون المذاهب الأربعة الفقهية المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي). ولكنهم يميلون أكثر للمذهب الحنبلي , ويكاد يكون مقصوراً عليهم .

الموقف الأشعري من ابن حنبل :

يعتبر الأشاعرة من الفرق السلفية الواسعة الانتشار في تاريخينا المعاصر, حيث تعتمد عليهم الكثير من حكوماتنا العربية في مؤسساتها الدينية, وأن قسماً كبيراً من أئمة التيارين الدعوي والمدخلي في هذه الحكومات ينتسبون إلى هذا التيار. والأشاعرة ينسبون إلى “أبي الحسن الأشعري.”

لقد كان “أبو الحسن الأشعري” معتزلياً لمدة أربعين عاماً، ثم مَنَّ الله عليه كما تقول السلفية، وعرف بطلان مذهب ” المعتزلة “، فوقف في المسجد يوم الجمعة وأعلن براءته من مذهب المعتزلة، وخلع ثوبًا عليه وهو يقول: (خلعت مذهبَ المعتزلة، كما خلعتُ ثوبي هذا). ولكنه اتبع بعد الاعتزال مذهب ” الكُلاَّبِيَّة “, وهم أتباع “عبد الله بن سعيد بن كُلاب .”وعبد الله بن سعيد بن كُلاب كان من الذين يقولون بصفاة الله؟, إلا انه يثبِت سبع صفات من صفات الله، وينفي ما عداها لاعتقاده ) أن العقل لا يدل إلا على سبعِ صفات فقط وهي : ” العلم ” ، و ” القدرة ” ، و ” الإرادة ” ، و ” الحياة ” ، و ” السمع ” ، و ” البصر ” ، و ” الكلا . وهذه الصفات برأييه دَلَّ عليها العقل، أما ما لم يدل عليه العقل من الصفات – عنده – فليس بثابتٍ( . ثم إن الله مَنَّ على أبي الحسن الأشعري ، وترك مذهب ” الكُلابِيَّةِ ” ، ورجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وقال : ( أنا أقول بما يقول به إمام أهلِ السنة والجماعة أحمد بن حنبل : إن الله استوى على العرش ، وإن له يدًا ، وإن له وجهًا ) . ذكر هذا في كتابه : ” الإبانة عن أصول الديانة. “، كما ذكر هذا الرأي في كتابه الثاني: ” مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” .ولهذا يقول بعض السلفيين بأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وإن بقيت عنده بعض المخالفات .
ولكن قسماً من أتباعه بقوا على مذهب ” الكُلابية “. ومع ذلك ظلوا أيضاً يسمون بـ ” الأشعرية ” : نسبة إلى الأشعري في مذهبه لأول.
أما بعد أن رجع إلى مذهب ” أهل السنة والجماعة “, فالقول بأنه من أتباع هذا المذهب, أي (الكلابية) هو ظلم له ولاتباعه ، والصواب أن يقال : مذهب ” الكُلابِيَّة “، لا مذهب أبي الحسن الأشعري, لأنه تاب عن هذا المذهب وتركه، وصَنَّفَ في ذلك كتابه “الإبانة عن أصول الديانة “. حيث صرح كما قلنا بتركه لهذا المذهب والعودة إلى ” أهل السنّة والجماعة ” وبالخصوص عودته لإلى فكر الإمام : أحمد بن حنبل، وإن ظلت عنده بعض المخالفات، مثل قوله في الكلام بالنسبة للقرآن الكريم : ( إنه المعنى النفسي القائم بالذات، والقرآن حكاية – أو عبارة – عن كلام الله ، وليس كلام الله.) . ( براجع في مسألة الأشاعرة التي جئنا عليها هنا: رسالة صغيرة بعنوان: “لمحة عن الفرق الضالة” د. صالح بن فوزان الفوزان. موقع منتدى الإسلام).
هذا وسيكون لنا وقفة أخرى أكثر تفصيلاً عند التيار الأشعري في القسم الثاني من هذه الدراسة.

مفهوم الجهاد عند السلفية وأنواعه:

يعتقد السلفيون أن الجهاد بموجب أحكام الشريعة الإسلامية, هو فرض كفاية قد يتعين على أهل زمان ومكان معينين. وهي فريضة طلب ودفع, ويقصد بفريضة طلب, أي الدعوة إلى الله ونشر كلمته. وفريضة دفع, أي الدفاع عن المقدسات الدينية وعن النفس والعرض والمال والعقل, ولهذا فقد حرص أئمة السلفية على الدعوة إلى الجهاد والحث عليه, كما قاموا بأداء واجبهم الجهادي بأنفسهم لمقاومة أعداء الإسلام كما حددوه هم, وهذا ما سوف نبينه في القسم الثاني من هذه الدراسة. (33).
يؤدي ازدراء الجهاد عند (بعض السلفيين) في الدعوة السلفية التقليدية إلى الاشتغال بالنشاطات الخيرية, حيث يتحملون نفقات الأطفال في المدارس القرآنية ويجمعون العاطلين في المساجد للصلاة، ويعملون على إعادة تنظيم وجودهم بتقليد المثال النبوي حرفيا، فهم يبعدون هؤلاء عن الجنوح والسلوكيات الاحتجاجية كما يبعدونهم عن السلفية الجهادية.
لقد جَرّتْ الامتثالية المطلقة للتيارات السلفية التقليدية الدعويّة والمدخلية المحابية للسلطة على نفسها هجوما من أقطاب السلفية الجهادية التكفيرسة, بحيث نعتوهم بالمهادنين والمعطلين بفريضة الجهاد. حتى أن بعضهم يصرون على تسمية اتجاههم الدعوي باسم (أهل السنة والجماعة) تمييزا للخط السلفي التقليدي. بيد أنه, عند الحركات الجهادية التكفيرسة ومنها الوهابية، لا يعبر الجهاد سوى عن عمل فردي, (فرض عين). بمعنى انه غير مؤطر بأيديولوجيا محددة يصبح معها عملا جماعيا مؤسساتيا. فبالرغم مما يعطيه الجهاديون من أهمية وأولوية للجهاد، فإنه يبقى واجبا شخصيا (فرض عين) على كل فرد وفي كل وقت، في حين أن التقليد الجماعي ومنه التقليد السلفي التقليدي يعتبره واجبا جماعيا (فرض كفاية)، أي أنه ينحصر ضمن حدود جغرافية وزمنية محددة، ويتوجب هذا الجهاد على كل جماعة تتعرض لتهديد عدواني. وعليه فإن السلفية الجهادية تتصور العنف الذي يمارس باسم الإسلام، بأنه تصرف فرد, ولا يعبر مطلقا عن إرادة الجماعة. (34). وبما انه جهاد فردي، فإنه لا يعتمد على أي خطة إستراتيجية ولا يرسم أي أهداف سياسية، والدليل أنه لم يرسم أية خطة مفصلة ودقيقة في حركتها وتنظيمها, هو ما نلمسه اليوم في موقف وسلوكيات الجهاديين التكفيريين الذين يقاتلون في سورية والعراق, فالتحاقهم في الجهاد هنا يأتي على أساس التطوع أو الالتحاق الفردي من جهة, ثم هم لا يعرفون إلا هدفاً استراتيجياً واحداً وهو إقامة الخلافة الإسلامية, بغض النظر عن مموليهم ومن يدفعهم أو يسخرهم لتحقيق أهداف هذا الممول تحت لواء هذا الشعار العريض. إن هؤلاء على العكس تماماً من عنف الإسلاميين الكلاسيكيين الذي يبقى الجهاد عندهم دوما قابلا للمفاوضة، بينما عنف هؤلاء التكفيريين بصيغته التي أشرنا إليها هنا, فهو عنف رجال اختاروا الموت لما يحمله من معان ورموز. لذلك فالتفاوض معهم مستحيل.(34).
عموماً إن مسألة الجهاد التي جاءت تحت ما سمي (الاجتهاد الظني), راحت تأخذ وجهاً آخر أكثر حدة وتطرفاً تحت راية التنظيمات الجهادية السلفية التكفيرية تجاه من يخالف فكرهم السلفي تحت ذريعة مصطلح “الكفر” الذي فتحوا دلالاته على كافة المستويات العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وهذا ما نظر له الكثير من مشايخ هذه التيارات الجهادية وعلى رأسهم الشيخ ” عبد الله عزام” الذي أشرنا إلى أهمية كتابه في التأثير على السلفيين الجهاديين, والذي سنأتي عليه أيضاً في القسم الثاني من هذا البحث بشكل مفصل.

الدكتور عدنان عويد ..كاتب وباحث من سورية..

لنشرة المحرر

17 يونيو 2014