الطاهر بن جلون: المشروع الإخواني فشل لأنه يناقض الحداثة ومنطق العصر

 

الكاتب المغربي لا يرى مستقبلا ولا أفقا للتيارات الإخوانية والإسلاموية، لأن المستقبل لا ينتظر إلا ما هو حداثي ومستقبلي متطلع إلى الأمام.

 

العرب مخلص الصغير [نُشر في 19/06/2014، العدد: 9594،

 

وصل الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، إلى أقصى دول أميركا اللاتينية، ليتحدث عن “الربيع العربي” وتداعياته، في مدينة “ليما” عاصمة البيرو، حيث حل ضيفا ومشاركا في ندوة نظمتها الأكاديمية الديبلوماسية التابعة لوزارة الشؤون الخارجية البيروفية حول “الربيع العربي”، مثلما شارك الأسبوع الماضي، بالعاصمة “ليما”، في مؤتمر حول العنصرية، إلى جانب عدد من كتاب أميركا اللاتينية، وفي مقدمتهم الكاتب والمحلل النفسي خورخي بروسي، بمناسبة تقديم ومناقشة كتابه “حظوظ متساوية: تحليلات نفسية وعنصرية”.

أصدر الطاهر بن جلون سنة 1997 كتابا مثيرا للجدل، بعنوان “العنصرية كما شرحتها لابنتي”، وهو أول كتاب في الفكر، يخاطب الأطفال، ويقربهم من قيم مناهضة العنصرية وإدانة كراهية الآخر، والإيمان بقيم المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الأجناس والألوان، من مقيمين ومهاجرين على الأرض الواحدة.

مطبات ومغبات

بالنسبة إلى الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، يبقى بلده المغرب استثناء، في ما يتعلق بمرحلة “الربيع العربي”، التي لا نزال نعيشها ونعيش تداعياتها. وهذا المغرب استثنائي، كما يقول صاحب “ليلة القدر”، لأنه استبق الإصلاحات، بفضل ما أسماها بن جلون “الاختيارات التي نهجها المغرب، بقيادة ملكه محمد السادس”، وكذلك بفضل نجاعة المشاريع الإصلاحية والتنموية الهيكلية التي باشرها المغرب في السنوات الأخيرة. هذا بالإضافة إلى أجواء الحرية التي بات يتنفسها المغاربة، بعد تجربة الانتقال الديمقراطي، التي انطلقت منذ تسعينات القرن الماضي.

كما ينبهنا الطاهر بن جلون إلى أن المغرب قد استطاع مواجهة “مطبات” و”مغبات” الربيع العربي بفضل لجوء المغرب السياسي واستناده إلى أساس قانوني أسمى، وإلى نص مكتوب ومتعاقد بشأنه، وهو “دستور فاتح يوليو 2011”، الذي ساهمت في صياغته سائر القوى والأحزاب السياسية، ومختلف الهيئات والإطارات المدنية، من جمعيات واتحادات للعمال ومراكز للبحث العلمي ومعاهد للبحث والتفكير، فضلا عن لجنة علمية موسعة، سهرت على إعداد وتحرير النص الدستوري. من هنا، كان المغرب “استثناء في العالم العربي”، على حدّ تعبيره، وتجربة أزهرت قبل تجربة الربيع العربي، الذي اشتعل بالحرائق في باقي الدول العربية.

على أن دستور فاتح يوليو 2011 كان مسبوقا، ينبهنا الطاهر بن جلون، بالخطاب الملكي التاريخي في المغرب، وهو خطاب 9 مارس 2011، الذي حسم مع إعمال مبادئ الديمقراطية، وإقرار قواعد دولة الحق والقانون، والإيمان بالحداثة والحرية والتنمية سبيلا إلى البقاء على قيد الحياة، ودليلا على الإيمان بالحق في هذه الحياة.

الجهر بالحرية

 

وإذا كان الطاهر بن جلون لا يرى مستقبلا ولا أفقا للتيارات الإخوانية والإسلاموية، لأن المستقبل لا ينتظر إلا ما هو حداثي ومستقبلي متطلع إلى الأمام، على حدّ قوله، فإن الآمال والتطلعات في المغرب إنما تتجه نحو ما هو أفضل ومطمئن. هذا قبل أن يعرج بن جلون على الحالة المصرية، ما بعد الربيع العربي، ليؤكد على فشل المشروع الإخواني “الماضوي”، الذي يناقض الحداثة ويناقض التاريخ ومنطق التطور، مثلما يقف على طرفي نقيض مع التحولات التي يعرفها العالم. وفي الوقت الذي يعلق فيه الكاتب المغربي آمالا أكثر بياضا على التجربة التونسية، فقد تحدث عن الوضع الليبي، وكذلك الوضع السوري، بنبرة “المتشائل”، أو بنبرة الأقل تفاؤلا.

لكن الطاهر بن جلون يمضي بثقة أكبر، وبنبرة الأقل تشاؤما، أيضا، حين يشدّد على أن الليبيين والسوريين، قد ربحوا من تجربة الربيع العربي صوتهم، وتمكنوا من تحرير كلمتهم، وأصبحوا قادرين على الجهر بالحرية، والمطالبة بها، بملء الصوت، وتحدّي الموت.

فإذا كانت بعض الشعوب العربية لا تزال تواجه ذلك الموت، وهي تتجه نحو أفق مجهول المصير، داخل دوامة من العنف اللامتناهي، فإن هذه الشعوب العربية قد تمكنت من “تحرير التعبير” بلغة بن جلون، حيث لم ينزل الليبيون والتونسيون والسوريون إلى الشوارع من أجل المطالبة بالخبز والخبز وحده، من أجل تحسين أوضاعهم المادية، مثلا، بل نزلوا إلى الشارع من أجل المطالبة بالكرامة والحرية.

هذا، وقد ختم الطاهر بن جلون زيارته لدولة “البيرو” في أقصى غرب أميركا اللاتينية، بتقديم محاضرة في مدينة أركيبا، جنوب البلاد، حول موضوع “مهنة الكاتب”، بعدما قام بافتتاح مكتبة الثانوية الفرنسية بالمدينة، وهي المكتبة التي حملت اسمه، قبل أن يوقع آخر إصداراته المترجمة إلى الإسبانية.

وكان مبرمجا أن يتوجه بعد ذلك الكاتب المغربي إلى مدينة برشلونة عاصمة إقليم كاتالونيا، في شمال إسبانيا، ليواصل سلسلة لقاءاته وتأملاته في مسارات ومآلات الربيع العربي، من خلال ندوة ينظمها ويحتضنها المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط، قبل أن يقوم الطاهر بن جلون بتوقيع العدد الأخير من مجلة “دفاتر المتوسط”، التي تحتفي بتجربته السرديــة والفكرية، خلال هذه السنة.