في الذكرى الستين لاستشهاد البطل الفذ محمد الزرقطوني

آن الأوان لإعادة الاعتبار لليوم الوطني للمقاومة

الحاج الحسين برادة


تحتفي أسرة المقاومة وجيش التحرير، ومعها كل المغاربة الأوفياء، يوم الأربعاء، 18 يونيو 2014، بالذكرى 60 لليوم الوطني للمقاومة، الذي يخلد لذكرى استشهاد البطل الفذ محمد الزرقطوني، في مثل هذا اليوم من سنة 1954، ائتمانا منه، رحمة الله عليه، على أسرار تنظيم المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال.
إنها مناسبة مجيدة وعزيزة ظللت حريصا على استثمارها، كل سنة، لتجديد اللقاء مع القراء الأعزاء، من عموم المواطنين، ولاسيما منهم فئة الشباب، فتيانا وفتيات، لإشراكهم مع هذه الأسرة المجاهدة، في الاحتفاء بذكرى «يوم المقاومة». لكنني، هذه المرة، سأعتذر للقراء الكرام، لأن وقفتي، اليوم، ستكون، على غير العادة، مطبوعة بالحسرة والمرارة، بسبب التراجع الذي يعرفه الاحتفاء بهذه المناسبة على توالي السنوات، حتى أصبح الكثير من أفراد الشعب المغربي، عاما بعد عام، لا يعرفون شيئا يذكر عن هذا اليوم الوطني المجيد، بل ولا يعرفون حتى أنه يوم عيد وطني، خصوصا وأنه ليست هناك عطلة خاصة به.
تنتابني الحسرة والمرارة كلما لاحظت التراجع المهول في الاحتفاء بهذا اليوم الذي لم يعد له إشعاع يذكر، حتى كادت المناسبة أن تُختزل في حضور مجموعة من رفاق الكفاح، وفي عائلة الشهيد، وفي الأقربين، بخلاف تخليد ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، مثلا، فهو حدث يعلم به القاصي والداني، وهو عيد وطني تكون فيه عطلة رسمية، وهي مناسبة يجري تخليدها، منذ 70 سنة، وفق وتيرة منتظمة، تواكبها الخطب والتظاهرات والمهرجانات والإشادات برموزها، وهم أهل لكل إشادة وتقدير.
وحتى لا يكون هناك سوء فهم لفكرتي، أود أن أؤكد أنه ليس المقصود هنا أن نبخس ذكرى 11 يناير حقها. إن الشعوب العظيمة هي التي تعلي من شأن كافة أعيادها وذكرياتها الوطنية العظيمة، لأنها تشكل منارات شامخة تزرع في نفوس الناشئة، وكل مكونات الشعب، حب الوطن، والاستعداد للتضحية من أجل إعلاء رايته خفاقة شامخة…
إن حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يعتبر معلمة مجيدة في مسيرة النضال السياسي الوطني… لكن النضال التحرري، من أجل الحرية والانعتاق، الذي خاضه ثلة من أبناء الشعب المغربي الأحرار، عبر المقاومة المسلحة وعمليات جيش التحرير، هو الذي تصدى لقوات الاحتلال وفرض تحقيق الاستقلال…
ولذلك، وبكل صراحة، أؤكد أن بلادنا مقصّرة كثيرا في إيلاء هذه الذكرى، ذكرى اليوم الوطني للمقاومة، ما تستحقه من عناية تكون في مستوى وقائعها التاريخية، الغنية بالدلالات الرمزية التحريرية، وتكون في مستوى التطلعات السامية، التي عبر عنها جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، في وقفته التاريخية، يوم 18 يونيو 1956، أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني، رحمة الله عليه، حيث حرص جلالته، طيب الله ثراه، على جعل يوم 18 يونيو يوما للمقاومة، للتذكير بالأعمال الجليلة للمقاومة المسلحة، وللفخر والاعتزاز بتضحيات كل الشهداء، الذين استرخصوا أرواحهم فداء للوطن… ومازلت، إلى اليوم، أستحضر تلك الكلمة الملكية المؤثرة، التي كتبت اسم شهيدنا البطل بمداد الذهب في سجل التاريخ. في ذلك اليوم الأغر، قال جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، مخاطبا روح رفيقنا المرحوم محمد الزرقطوني: «أيها البطل الشهيد، شاء الله عز وجل أن نقف اليوم على قبرك، لا لنبكي شبابك الغالي، فإن أمثالك لا تقام ذكراهم بالبكاء، ولا لنجدد التعزية لأهلك وذويك، فإن فقدانك أعظم شرف أصبحت تعتز به أسرتك، ولكننا جئنا اليوم لنتذكر المثل العليا التي بذلت فيها روحك الطاهرة. لقد أبت عليك غيرتك الوطنية وتفانيك في حب وطنك وملكك إلا أن تسترخص الموت، فأقبلت، وعلم المقاومة خفاق في يمينك، مطمئن النفس، إلى المصير المحتوم، تردد بين الفينة والأخرى (يا نفس إلى الجنة… يا نفس إلى الجنة…). وهكذا لبى القدر دعاءك، فلم يمهلك عن بلوغ مثواك الخالد…». وأضاف، رحمه الله، قوله: «… ولئن كان إخوانك المواطنون من قبل يحيون ذكراك تحت ظلام الرعب الكثيف، فإنهم اليوم هبّوا، وعلى رأسهم ملكهم، يتناجون ببطولتك الخالدة، التي رسمت صورتك في كل قلب، وحركت باسمك كل لسان، وفرضت على التاريخ أن يضيفك إلى سجل الخالدين من أبنائه». ثم أكد جلالة المغفور له في خطابه أمام قبر الشهيد «إن الشعب مطبوع على الاعتراف بالجميل، ولن ننسى عمل أولئك الذين كان لهم فضل المقاومة، سواء بالسلاح أو باللسان أو بالمال، وإنه لجدير بذكرى المكافحين، أمثال محمد الزرقطوني وعلال بن عبد الله، أن يخصص لهما يوم يكون أحد أيامنا المشهودة، لتكون ذكرى لائقة بنضالهم المجيد، ناطقة بعظمة كفاحهم، وهذا ما عقدنا عليه العزم بحول الله».
واليوم، بعد مرور 60 سنة على استشهاد البطل محمد الزرقطوني، ما أحوجنا لاستحضار تلك الوصية السامية، التي عبر عنها أب الأمة جلالة المغفور له محمد الخامس، وفاء لكل الشهداء، ومن أجل إعادة الاعتبار لهذا اليوم التاريخي المشهود، ومن أجل إيلاء العناية اللازمة بأسرة المقاومة وجيش التحرير، وبأحوال أفرادها الصحية والمعنوية، وإبراز الصفحات المضيئة لبطولاتهم وتضحياتهم فداء لوطنهم وبلادهم وملكهم، عوض أن يتركوا الأجيال الصاعدة مفصولة عن التراث الجهادي لآبائهم وأجدادهم، ويفتحوا الباب أمام أناس يحرفون التاريخ، حتى وجدنا في السنة الماضية من يصدر مذكراته يتكلم فيها باسم جيش التحرير وهو لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بجيش التحرير، أو نجد من أعضاء هذه الأسرة من يقدم الوقائع التاريخية حسب المزاج والأهواء السياسية، كما حدث، مثلا، مع مذكرات المناضل الوطني محمد الفقيه البصري، التي أعادت جريدة «الأخبار» نشرها خلال السنة الماضية، والتي لدي عليها تحفظات كثيرة، وخصصت لها، ولمواضيع أخرى، كتابا يوجد حاليا قيد الطبع…
من هذه المؤاخذات، مثلا، ارتباطا بموضوعنا، ما جاء في شهادة الفقيه البصري، من مغالطات في حق الشهيد محمد الزرقطوني، حتى وصفه بأنه كان «مندفعا» و»متهورا»!!
وللشهادة وللإنصاف وللتاريخ، وباعتباري كان لي شرف مرافقة الشهيد محمد الزرقطوني ومعايشته منذ البدايات الأولى لانطلاق المقاومة إلى حين استشهاده، أؤكد أن شهيدنا البطل كان على العكس من ذلك تماما. لقد كان الشهيد شديد اليقين والإيمان بالأعمال، التي كان يخطط لها مع الجماعة، في هدوء وتبصر وعقيدة واتزان. وكان، رحمه الله، قوي المراوغة والمناورة حيال المستعمر، شديد الانتباه والحذر من أولئك الذين يتعقبونه ويفتشون عنه. وكان الشهيد كثير التنقل وتغيير الأماكن، التي يتردد عليها، بل وحتى السيارة، التي كان يستعملها، كان نادرا ما يركنها في المكان ذاته بانتظام. كما كان الشهيد يتمتع ببعد النظر، وباستباق الأحداث والتوقعات المحتملة، وبمساهماته الجليلة في انطلاق المقاومة وتخطيط أهدافها وتعزيز تنظيماتها، بتنسيق وتخطيط مع رفاقه في النضال، دفاعا عن مقدسات الوطن، إلى أن لقي ربه شهيدا يوم 18 يونيو 1954، إثر اعتقاله من طرف سلطات الاستعمار، حيث فضل هذا البطل الفذ الشهادة حفاظا على أسرار المقاومة والتضحية من أجل استمرارها معطيا بذلك المثال على روحه الوطنية الصادقة، وتفانيه في الدفاع عن مقدسات وطنه، هذه الروح الخالدة، التي جسدها الشهداء الأبرار عبر كل جهات المغرب والمقاومون وأعضاء جيش التحرير الأفذاذ متحملين كل الشدائد إيمانا بحرية بلادهم واستقلالها وصيانة مقوماتها، وتفاصيل مختلف هذه المحطات سيلتقي معها القراء الكرام في كتابي الجديد، الذي يتضمن معطيات مفيدة حول المقاومة وجيش التحرير.
إن أبسط ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء المجاهدين الميامين، أبطال المعارك التحريرية المصيرية، معارك المقاومة المسلحة ومعارك جيش التحرير، ونحن نحيي هذه المناسبة العزيزة، هو القيام بمراجعة حقيقية لهذه المسيرة الوطنية، في اتجاه أن تستعيد أسرة المقاومة وجيش التحرير مكانتها وقيمتها، التي بدأت تضيع، عاما بعد عام، ومعها تضيع حتى مؤسستها التي احتضنت رجالاتها، منذ تأسيس المجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، بظهير شريف حمل الخاتم الشريف لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله روحه، الذي ترأس شخصيا المؤتمر التأسيسي، يوم 15 يونيو 1973، وأبرز، في كلمة بالمناسبة، أهمية هذا المجلس في تمثيل قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وفي تيسير العمل على تحسين أوضاعهم المادية والمعنوية، والتكفل بالدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، والمساعدة في إيجاد السبل الملائمة للاستجابة لانتظاراتهم وتطلعاتهم المشروعة، إضافة إلى إبراز مواقف هذه الأسرة المجاهدة من مختلف الأحداث الوطنية والدولية، وفي المقدمة قضية الدفاع عن الوحدة الترابية والسيادة الوطنية.
وإذا كان المجلس الوطني المؤقت قام، منذ تأسيسه، بأعمال جليلة في جميع المجالات، إلا أنه سيعرف، بعد ذلك، تهميشا متتاليا، وأبلغ دليل على ذلك أنه بقي، إلى اليوم، مجلسا مؤقتا، بل وحتى محاولة المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لرفع صفة المؤقت، من خلال إشرافها على إجراء انتخابات شابها ما شابها، كانت محاولة فاشلة، إذ أن مؤسسة المجلس الوطني بقيت معلقة، بسبب عدم اكتمال تشكيلتها القانونية. وأصبحت نتيجة هذا الفشل أسوأ مما كانت عليه الأوضاع من قبل: فالمجلس الوطني الشرعي أصبح في حكم الإلغاء، والمجلس الوطني المنتخب غير قانوني!!
ونتيجة لذلك، أصبحت أوضاع أسرة المقاومة وجيش التحرير، في ظل تغييب مؤسسة المجلس الوطني، تحت رحمة التسيير والتصرف المنفردين من قبل الجهاز الإداري، ممثلا في المندوبية السامية، فهي تتصرف في ميزانيتي التجهيز والتسيير بلا حسيب ولا رقيب، بل أصبحت تتصرف حتى في الاعتمادات المخصصة لتسيير المجلس الوطني السابق!!! دون أن يكون لذلك، طبعا، أي انعكاس إيجابي على أسرة المقاومة وجيش التحرير، التي يعاني الكثير من أفرادها الفقر والمرض!!!
إن هذه الوضعية تتطلب من المسؤولين الحسم في هذه القضية، فالمجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ليس له وجود في الدستور، خلافا لباقي المجالس الوطنية، فهل هناك إرادة لإلغائه من الوجود؟ من الواضح أن المسؤولين سينفون ذلك ويؤكدون أهمية وجود المجلس. وإذن، وفي هذه الحالة، يجب، أولا، اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل المجلس من حالة المؤقت إلى وضعية الرسمي، وثانيا، توفير الإمكانيات الضرورية لجعل المجلس يمارس مهامه وصلاحياته الأساسية للقيام بأهدافه السامية، وتبقى المندوبية في الحدود المرسومة لها كجهاز إداري لا غير…
لكل ذلك، ونحن نعيش الأجواء الوطنية ليوم المقاومة، أرجو أن تكون آذان المسؤولين صاغية، من أجل استدراك ما فات، من خلال إعادة الاعتبار لليوم الوطني للمقاومة، وتوجيه الاهتمام لمؤسسة المجلس الوطني، وإيلاء العناية البالغة بأوضاع أسرة المقاومة وجيش التحرير، والعمل الجاد والمسؤول على تعريف شبابنا وشبيبتنا بما يزخر به تاريخ الآباء والأجداد، من أمجاد بطولية، ومن تلاحم وثيق بين العرش والشعب، وما حققه هذا التلاحم من أعمال خالدة في النضال والكفاح، وفي التضحية بالغالي والنفيس، من أجل عزة ورفعة هذا الوطن، استحضارا لكلمة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، بمناسبة العودة المظفرة من المنفى، التي جاء فيها «وعدت بالإخلاص ووفيت أحسن الوفاء، وكنت من الصابرين، فكان لك ما وعد الله به: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». وأضاف طيب الله ثراه «لقد خلصت الوفاء، كما أخلصت. وأديت الواجب أحسن الأداء، كما أديتُ. وها أنذا بينكم، كما تعهدونني: حب البلاد رائدنا، وخدمتها غايتنا»…
«وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» صدق الله العظيم.

أحد مؤسسي المقاومة
وجيش التحرير

…………….

عن جريدة .ا.ش

18 يونيو 2014