• المصالح تحرك التاريخ

    (إيـــران أنمـــــــوذجاً)

 بقلم د.عدنان عويّد

المصالح في سياقها العام تقسم إلى قسمين, مادية ومعنوية. وإذا كانت القضايا الاقتصادية بكل أشكالها ودلالاتها تشكل جوهر المصالح المادية. فإن الأخلاق بكل أشكالها ودلالاتها تشكل في المقابل المصالح المعنوية. وانطلاقاً من هذه الرؤية المنهجية, هناك من ينطلق في رؤيته وتحليله للتاريخ من منطلق أخلاقي/ مثالي بكل ما يحمل هذا التاريخ من علاقات اجتماعية وقيمية, وبكل ما ينتابه من حركة وتطور. وهؤلاء يعرفون فلسفياً بالمثاليين.
أما الذين ينطلقون من البنية الاقتصادية أولاً (كعامل رئيس وليس وحيداً) في نظرتهم وتحليلهم للعلاقات الاجتماعية التاريخية وما يرتبط بها من علاقات قيمية, فهؤلاء هم من يطلق عليهم بالماديين فلسفياً.
إذاً نحن هنا أمام حكمين منهجين في تقويمها للتاريخ هما : حكم القيمة, وحكم الواقع. فحكم القيمة هو من يحكم على الوقائع بمعايير أخلاقية مسبقة, غالباً ما تكون مفارقة للواقع, إما لكونها ماضوية تجاوزها الزمن, أولأنها ذات توجهات مستقبلية لم تتوفر ظروف تحققها الموضوعية والذاتية بعد. أما حكم الواقع فهو الحكم الذي يأخذ بالقوانين الموضوعية والذاتية المرتبطة بالواقع العياني المعيوش كمعيار أثناء حكمه على الظواهر أو الوقائع.
وانطلاقاً من هذا الموقف المنهجي أيضاً, نود الحديث أو التعليق على تلك الآراء التي تحكم طبيعة الصراع الدائر منذ ثلاث سنوات ونيف في سورية ولبنان, وما يجري اليوم في العراق من خلال محاولة البعض الحكم على ما يجري من صراع بأحكام قيمة, كون من يتحكم بإدارة الصراع وتأجيجه وبخاصة من يمثل الموقف الضعيف في هذا الصراع وهم أمراء الخليج وعلى رأسهم رأس الفتنة العربية والإسلامية (آل سعود), ومن يتعامل معهم في منطقتنا العربية, أو تلتقي مصالحه بمصالحهم, أرادوا من هذا الصراع أن يلبس لبوساً طائفياً, وهم يعرفون حق المعرفة أن الصراع هو صراع مصالح .
نعم, هكذا أراد آل سعود ومن معهم أو يؤيدهم في موقفهم هذا أيضاً من العالم الاستعماري, كأمريكا والغرب وتركيا, وكل من يريد من دول العالم أن يظل الشرق بشكل عام والمشرق العربي بشكل خاص قائماً على فوهة بركان خدمة لمصالحهم.
دعونا أمام هذا الموقف الانتهازي لآل سعود وأمراء الخليج وأتباعهم من سياسيي البترو دولار من ثوار الخريف العربي, أن ننظر إلى الأمور بمنظور واقعي عقلاني, انطلاقاً من مقولة : إن التاريخ تحركه المصالح.
في لعبة المصالح بين الدول, عندما لا تتحقق مصالح الدول المادية/ الاقتصادية بين بعضها بشكل منطقي وسلمي, تبرز على السطح المصالح المعنوية, وتتحول هذه المصالح هنا إلى أدوات رخيصة تستخدم بإسم الإنسانية. وهذا ما تمارسه دائماً الدول العظمى على سبيل المثال تجاه حكومات الدول الضعيفة التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق مصالح هذه الدول العظمى, حيث نجد أن هذه الدول العظمى وبخاصة أمريكا وفرنسة وبريطانية, تلجأ إلى اتهام حكومات الدول الممانعة بالمستبدة لشعوبها, والممارسة للطائفية والتمييز العرقي, والمهددة للأمن والسلم الدوليين, وبالتالي يجب أن تحال هذه الحكومات إلى مجلس حقوق الإنسانية, وإلى محكمة الجرائم الدولية. وفي حال كانت هذه الدول من الدول الحليفة أو المحققة لمصالحها, فهي في المعايير القيمية/ المعنوية عندها, دول ديمقراطية وتمارس العدالة والمساواة تجاه شعوبها حتى ولو كانت دولة مستبدة وظالمة وفاسدة ومتخلفة ومصدرة للإرهاب العالمي مثل السعودية مثلاً, أو دولة محتلة وتمارس التمييز العنصري وتشرد شعب, وتمتلك كل أسلحة الدمار الشامل, مثل دولة الكيان الصهيوني. وغالباً ما استخدمت هذه الدول العظمى العنف بذاتها ضد الدول التي لا تلبي لها مصالحها, بإسم القيم الإنسانية, وهذا حدث أثناء الحروب الصليبية التي ادعوا بأنها قامت لحماية المسيحيين والأماكن المقدسة في العصور الوسطى, ثم أثناء استعمارها الشعوب تحت رسالة الرجل البيض, مع بداية العصور الحديثة, كما جرى في استعمار فرنسا وبريطانيا وايطاليا للمشرق العربي. أو كما جرى في غزو العراق من قبل أمريكا والعديد من الدول الأوربية تحت ذريعة حماية العالم من الأسلحة النووية.
إيران وصراع المصالح في الشرق الأوسط:
عندما كان الشاه حاكماً إمبراطورا لإيران يتحكم وأسرته وحاشيته من الساسة والاقتصاديين الإيرانيين, بأموال الشعب الإيراني ويتصرفون بها كما يشاؤون, شانهم شأن آل سعود وحكام الخليج وحاشيتهم. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الإيرانية الشاهنشاهية عميلة بامتياز لأمريكا وتشكل العصا الغليظة لها, التي ترفعها دائماً بوجه حكام الخليج حتى يظلوا خاضعين لأمرتها. وفي الوقت الذي كان فيه علم دولة الكيان الصهيوني يرفرف عاليا على مبنى سفارة الكيان في وسط العاصمة الإيرانية. وفي الوقت ذاته أيضاً, الذي كانت أمريكا والغرب يقدمون لإيران دعماً غير محدود لبرنامجها النووي, وتشجعها على أخذ جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى في بداية السبعينيات من القرن الماضي. لم تكن الحكومة الإيرانية إلا صديقاً وحليفاً استراتيجياً لأمريكا والغرب وإسرائيل, وآل سعود الذين باركوا لأمريكا أخذها لهذه الجزر, وكذا حال بقية أمراء الخليج وعلى رأسهم أمراء الإمارات الذين لم يحتجوا أصلاً على أخذ إيران لتك الجزر, في الوقت الذي احتجت فيه الحكومة السورية فقط على مسألة الجزر, وكانت قضيتها سؤالا لنا في الامتحان الجامعي لمقرر الثقافة في جامعة دمشق في العام ذاته. إضافة لذلك لم تكن إيران في ذلك الوقت دولة شيعية وفارسية ومجوسية, ولم يكن لها طموح للتوسع في المشرق العربي, ولا تشكل تهديداً بمشروعها النووي لا لأمريكا ولا لأوربا ولا لدول الخليج. (سبحان الله).
مع قيام الثورة الإسلامية في إيران, التي وصل الشعب عبرها إلى السلطة, وقضى على ظلم الشاه وحاشيته واستبدادهم, وبالتالي سيطرة الشعب على ثرواته, وقطع الطريق على كل القوى الدولية التي كانت تشارك في نهب هذه الثروات, تتحول لإيران فجأة وبقدرة قادر من دولة حليفة لأمريكا والغرب وأعوانهم من حكام الخليج, إلى دولة عدوة تهدد الأمن السلم العالميين بمشروعها النووي, وإلى دولة معتدية على جزر الإمارات, وهي دولة صفوية وشيعية ومجوسية, تريد السيطرة على منطقة المشرق العربي وتشييع شعبها, والقضاء على العرب والعروبة والإسلام بصيغته السنية الحنيفة بقيادة آل سعود وحركتهم الوهابية.
إذاً بعد انتهاء المصالح المادية للدول العظمى في إيران بسبب الثورة الإسلامية, ووصول الشعب إلى السلطة, والعمل على توظيف ثروات الشعب لمصلحة الشعب الإيراني لتنمية حياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, والوصول بإيران إلى مصاف الدول العظمى التي أصبحت ليس فقط ضد مصالح أمريكا والغرب غير المشروعة داخل إيران فحسب, بل ومصالحها في المنطقة أيضاً, بسبب امتلاكها التكنولوجيا العسكرية عالية المستوى, وهو الأمر الذي تعمل أمريكا والغرب بكل ما يملكون من قوة للحيلولة دون امتلاكها من قبل أية دولة من دول العالم الثالث كما يسمونها.
إن وصول إيران إلى هذه المستوى من التطور, جعلها محط عداء لأمريكا والغرب, حيث راحت هذه الدول تعمل على محاربتها بكل الوسائل المادية والمعنوية المتاحة لها ولحلفائها من حكام الخليج وعلى رأسهم آل سعود. فعندما فشلت هذه الدول عبر وسائلها المادية ممثلة في تشجيع صدام حسين على الدخول معها بحرب ضروس لمدة ثمانية سنوات, لجأت إلى العقوبات الاقتصادية بكل أشكالها. ثم محاصرة مشروعها النووي السلمي. نقول: عندما عجزت أمريكا والغرب والكيان الصهيوني في تحقيق انتصارها على إيران اقتصادياً, لجأت هذه الدول إلى الوسائل القيمية ممثلة بمسألة الطائفية, مستخدمة أدواتها من آل سعود وفكرهم الوهابي التكفيري, وإدخال المنطقة في حرب طائفية دامية راح ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب العربي, الذين ليس لهم ذنب إلا انهم ينتمون لهذه الطائفة الدينية أو تلك.
هنا يُطرح السؤال التالي علينا بقوة وهو: أليس من حق إيران أمام كل هذا التحدي الذي يواجهها منذ قيام الثورة حتى الآن من قبل أمريكا والغرب وأدواتهم من حكام الخليج, أن تدافع عن نفسها, شأنها شأن أية دولة تدافع عن مصالحها وأمنها واستقراها؟!.
إن أية حكومة لأية دولة من دول العالم, من حقها ووفق القانون الدولي أن تحافظ على دولتها ومصالح شعبها وتدافع عن مصالحه وأمنه تجاه أي خطر يتهدده من الداخل أو الخارج. ثم من حق هذه الحكومة أن تبحث عن علاقات دولية سليمة مع محيطها الإقليمي والدولي بشكل عام تساعدها في تأمين علاقاتها البينية الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية بروح سلمية أيضاً. وهذا كله من حق إيران أن تعمل على تحقيقه. لذلك ليس عيباً عليها أن تجد حكومات موالية لها في الدول المحيطة بها, حتى لا تدخل معها بحروب دامية قد يشجع عليها أطراف أخرى لتحقيق مصالح معينة. كما جرى في حربها مع العراق لمدة ثمانية سنوات. ومن حقها أيضاً أن تمد نفوذها وتبني علاقات مع أية دولة من دول المنطقة وخاصة إذا كانت مثل سورية مثلاً التي تقع على المتوسط , وإمكانية تمديد خطوط نفط عبرها إلى أوربا, وهذا من حق سورية أيضاً في بناء العلاقة معها وفقاً للمصالح المشتركة بين الدولتين. ومن حق إيران أن تبني علاقات مع قوى المقاومة في لبنان, من أجل مواجهة العدو السرطاني الصهيوني الذي يهدد بضربها دائماً ويحرض العالم عليها باستمرار من جهة, ودعم هذه القوى الفقيرة المسحوقة تاريخياً من قبل الإقطاع والبيكوات والشيوخ المسيطرين على الحياة الاقتصادية والسياسية في لبنان من جهة ثانية, وهذا الدعم يأتي من صلب تعاليم مذهبها الديني ودستورها الإسلامي كقوى محرومة. ومن حقها أن تقيم علاقات مع روسيا مثلاً كعضو دائم في مجلس الأمن وقادر أن يحقق لها شيئاً من الحماية عبر مجلس الأمن أمام عداء امريكا وفرنسا وبريطانيا لها, طالما أن هناك مصالح مشتركة بين الدولتين لا تمس أمن وسيادة أي منهما.
إن ما حققته إيران من علاقات استراتيجة في هذا الاتجاه, وما حققته هذه العلاقات من توازن استراتيجي خدمة لمصالحها القومية, وأمام حالة العجز الدولي المعادي لها في منعها من تحقيق هذه الانجازات بشكل مباشر, بدأت أمريكا والغرب وأذيالهم من حكام الخليج, يهددون مصالحها داخل الدول الصديقة لها في المنطقة, وبخاصة سورية والعراق ولبنان, تحت ذرائع أحكام قيمة دنيئة هي قيم الطائفية والمذهبية والعرقية. حيث راحوا يؤججون البعد الطائفي في هذه الدول من خلال دعمهم المادي والعسكري لقوى السنة من جهة, ومن خلال تسخير الدين عبر قنوات الفتنة الطائفية, التي راحت تشتغل ليل نهار, على أن إيران دولة شيعية طائفية فارسية مجوسية, تريد السيطرة على بلاد العرب والمسلمين وتحويل هذه البلاد إلى بلاد شيعية فارسية, وما الهلال الشيعي الذي راحوا يشتغلون عليه اليوم والذي راح ضحيته مئات الألوف من العرب المسلمين من كل طوائفهم, إلا بداية لتمرير مشروعهم, وهو القضاء على الوجود الإيراني في المنطقة ومحاصرتها, عبر التأجيج الطائفي, بعد أن فشلوا في حربهم الاقتصادية.
ختاماً نقول . وأنا أقف هنا عند كلام السيد الرئيس بشار الأسد بعد خروج الجيش السوري من لبنان, عندما خاطب أنصاف الرجال وكل من كان وراء الضغط على سورية للخروج من لبنان قائلاً: (يريدون منا أن نقطع علاقتنا مع إيران. ونحن نقول لهم أعطونا علاقات عربية عربية قادرة أن تعيد للعرب حقوقهم المغتصبة, وتحقق لهم مشروعهم النهضوي, ونحن سنقطع هذه العلاقات مباشرة).
نعم… أين هو هذا المشروع الذي تقدم به الحكام العرب من اجل الخروج من مأزق مشروعهم النهضوي؟! وما هو دور آل سعود وآل جاسم وكل أمراء الخليج في توظيف المالي العربي لتحقيق نهضة عربية مقابل النهضة الإيرانية؟!.
اعتقد, بل أجزم: إن العرب طالما هم يقادون اليوم من قبل حكام الخليج, وعلى رأسهم آل سعود, فلن يكون لهم مشروع عربي نهضوي ولن يكون.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

20 يونيو 2014