حوار الحضارات ..!

أية مصداقية في عالم يحكمه صراع المصالح ؟ (*)

 

محمد عابد الجابري

مفاهيم بدل أخرى

ظهرت في العقد الأخير من القرن الماضي (القرن العشرين) جملة من المفاهيم، تكتسي صبغة شعارية في كثير من الأحيان، غطت أو أبعدت من الساحة الفكرية مفاهيم وشعارات أخرى كان لها حضور قوي، وفي بعض الأحيان هيمنة واضحة في الساحة نفسها، طوال القرن العشرين بأكمله تقريبا. من هذه المفاهيم والشعارات التي اختفت أو انسحبت المفاهيم التالية: الإيديولوجيا، الصراع الطبقي، الوعي الطبقي، القومية، الإمبريالية العالمية، حركة التحرير الشعبية، حق الشعوب في تقرير المصير الخ. ومعلوم أن هذه المفاهيم كانت تؤسس أو توجه نظاما فكريا معينا، لا نريد نعته هنا بهذا النعت أو ذاك، وإنما نكتفي بالقول إنه النظام الذي ساد القرن العشرين كله تقريبا.

وفي مقابل هذه المفاهيم ظهرت، في العقدين الأخيرين، مفاهيم أخرى متزامنة، أو متتابعة في ظرف سنتين أو ثلاث، مفاهيم تؤسس لنظام فكري مختلف تماما، لعل أهمها وأكثرها اليوم انتشارا وشيوعا، المفاهيم التالية: النظام العالمي الجديد، نهاية التاريخ، صدام الحضارات، الهويات، العولمة، وأخيرا وليس آخرا : حوار الحضارات!

الإسلام وحوار الحضارات، طرح مصداقية المفهوم.

سنحاول في هذا الحديث أن نمارس نوعا من النظر في هذا المفهوم الأخير الذي أصبح اليوم من أهم مشاغل الساعة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، على الصعيدين الفكري والجيوسياسي. وقد يكفي، كدليل على هذا الاهتمام الزائد، أن نشير إلى أن الأمم المتحدة قد اعتمدت عام 2001 كسنة لـ”حوار الحضارات”، الشيء الذي فسح المجال لعقد مزيد من الندوات واللقاءات لمناقشة هذا الموضوع، في جميع أرجاء الكرة الأرضية تقريبا، تارة تحت نفس العنوان (حوار الحضارات) وأخرى باستعمال كلمة “ثقافة” بدل كلمة “حضارة”.

وبغض النظر عن الفرق الذي يمكن أن يقام بين الكلمتين، وهو فرق يختلف من لغة لأخرى، فإن اللافت للانتباه حقا هو التركيز، في العالم الغربي كما في العالم الإسلامي، على موضوع معين، تحت عنوان “الإسلام وحوار الحضارات”، حتى غدا هذا الموضوع وكأنه وحده المقصود بـهذا “الحوار”. والسؤال الذي لم يطرح بعد، مع أنه يطرح نفسه بقوة، هو : لماذا “الإسلام” بالضبط؟ وما المقصود هنا بـ “الإسلام”؟ ولماذا لم نسمع عن ندوة أو ندوات حول “المسيحية وحوار الحضارات” أو “اليهودية وحوار الحضارات” أو البوذية، أو غير هذه من الديانات؟ وغني عن البيان القول إن هذا التخصيص الذي يصرف عبارة “حوار الحضارات” إلى دين واحد يحمل على الشك في مدى الموضوعية والتجرد الذين تطرح بهما هذه المسألة. إن هدفنا من هذه الكلمة هو الذهاب بهذا “الشك” إلى أقصى مداه، إلى طرح مصداقية مقولة “حوار الحضارات” نفسها.

“حوار الحضارات” كبديل لـ”صراع الحضارات”

لنبدأ بالإشارة إلى أن عبارة “حوار الحضارات” قد صيغت أول الأمر، وهذا قبل بضع سنوات فقط ، لتكون بديلا عن مقولة ظهرت في أوائل التسعينات من القرن الماضي، فأثارت نقاشا واسعا عريضا ما زال يتناسل إلى اليوم، أعني بذلك مقولة “صدام –أو صراع- الحضارات”. لنتعرف إذن على ظروف ودواعي ظهور هذه المقولة لنرى بعد ذلك إلى أي مدى يمكن فعلا طرح شعار “حوار الحضارات” بديلا عنها؟

يمكن القول إن الاهتمام الزائد بهذا الموضوع، على الساحة الفكرية عامة، أو على مستوى الدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية، إنما انتشر وتفشى ابتداء من أواخر الثمانينات، وبالخصوص بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية التي كانت تابعة له.

إن سقوط الاتحاد السوفيتي لم يكن يعني مجرد سقوط نظام في الحكم معين، ولا مجرد انحلال تكتل بين دول، ولا مجرد تفتت معسكر يتحدد بكونه يشكل حلفا بين دول، ضد حلف آخر يتشكل من دول أخرى، بل لقد كان سقوط الاتحاد السوفيتي يعني أيضا، وربما في الدرجة الأولى، سقوط نظام اجتماعي اقتصادي وفكري، نظام كان يطرح نفسه كمشروع ضروري للمستقبل: مشروع حضاري جديد، هو ما عُبر عنه بـ”النظام الاشتراكي العالمي”، وقد كان يبشر بعلاقات إنتاج جديدة، وبنظام سياسي محلي ودولي جديد، وبإيديولوجيا جديدة، وبعبارة واحدة : بداية تاريخ جديد للإنسانية.

وبصفته مشروعا حضاريا للمستقبل جديدا، متعدد الأبعاد، كان لابد أن يدخل في صراع مع النظام القائم الذي من جوفه خرج: النظام الرأسمالي. فكان الصراع بين النظامين يشمل الاقتصاد والسياسة والقيم والفكر والعلاقات الدولية الخ. وبما أن هذا الصراع لم يتطور إلى صدام مسلح على غرار الحربين العالمتين، بسبب الرادع النووي لدى الطرفين، فقد اكتسى صيغة صراع حول المناطق الاستراتيجية ومواطن الثروة، وأيضا: صيغة صراع إيديولوجي استعمل فيه الدين والعلم والثقافة بصورة عامة، وذلك ما عرف بـ “الحرب الباردة”.

إن سقوط أحد طرفي هذا الصراع، أعني المعسكر الشيوعي، كان بدون شك “انتصارا” للطرف الأخر، المعسكر الرأسمالي؛ ولكنه “انتصار” من نوع خاص. لم يكن نتيجة مواجهة يتحمل فيها كل طرف نسبة من الخسارة، ولا نتيجة معاناة تَحْمِل كلَّ طرف على التكيف مع مجريات المعركة ونتائجها، مما كان لابد أن ينتج عنه تغيير بهذه الدرجة أو تلك في كيانهما ورؤاهما وأساليب عملهما، كلا! لقد كان انتصارا مجانيا، بدون ثمن. كان في الحقيقة إلغاء للمباراة قبل إجرائها، بسبب انسحاب غير متوقع لإحدى الفرقتين. لقد انهار الاتحاد السوفيتي، ومعه المعسكر الشيوعي، إثر محاولة القيام بإعادة البناء للنظام من داخله ففتحت ثغرة سرعان ما تمددت فأصبحت ثغرات متناسلة استعصت على التحكم والمراقبة، فكان الانهيار. أما المعسكر الآخر فقد بقي كما هو، بكل عدته العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية والعلمية والفكرية، وأيضا بقي في حالة تعبئة وتجنيد، ولكن بدون عدو. لقد خلت له الأرض وخلا بها، فصار وحده “يطلب الطعن والنزالا”.

ولكن مع من؟

أمريكا والبحث عن عدو

تلك هي المشكلة التي واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية مع منتصف الثمانينات؟ مشكلة دولة، بل معسكر من الدول، بنى اقتصاده وسياسته واستراتيجيته وثقافته ورؤاه المستقبلية على أساس أنه يواجه عدوا يتربص به، فإذا بالعدو ينسحب، بل يختفي، ليظهر وراء خصمه يطلب الانخراط في نمط حياته ليصير جزءا منه وحليفا له! مشكلة ليست سهلة: مشكلة “الأنا” الذي لا يعرف كيف يتعرف على نفسه إلا من خلال “آخر” يواجهه، فإذا هو يفقد فجأة هذا “الآخر” الذي يتحدد به. فماذا يمكن أن ننتظر من هذا “الأنا”؟ هل ننتظر منه أن يفكك ذاته ويعيد تركيبه؟ كيف؟ وكيانه جميعه موجه ككل وكأجزاء إلى مضادة كيان “الآخر” ككل وكأجزاء؟ إنها القضية التي طرحت نفسها على “صانعي القرار” في الولايات المتحدة الأمريكية، أولئك الذين يعملون في ما لا يحصى من مكاتب الدراسات الاستراتيجية، وهي مكاتب أنشئت في ظروف الحرب الباردة، ومهمتها مراقبة الخصم واقتراح خطط ووسائل لمواجهته. ومن المفيد التذكير هنا بأن كلمة “استراتيجية” مصطلح حربي. فالمتخصص في الدراسات الاستراتيجية لا يستطيع التفكير إلا في إطار المواجهة بين طرفين. فإذا انسحب أحد الطرفين كان عليه أن يضع مكانه ما يقوم مقامه في الحال أو في الاستقبال، وإلا انقطع به حبل التفكير. إن المحلل الاستراتيجي كلاعب الشطرنج، لا يستطيع اللعب وحده!

ذلك ما حدث في الولايات المتحدة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي. لقد كان السؤال الذي طرح مباشرة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو التالي: من سيكون العدو غدا؟

عبارة “العالم الثالث” تفقد معناها

من أوائل المنظرين الاستراتيجيين الذين طرحوا هذا السؤال السيد باري بوزان الكاتب والصحفي المرموق وأستاذ الدراسات الدولية بجامعة وورويك. فقد نشر مقالة في مجلة “شؤون دولية” الأمريكية بتاريخ 3 يوليوز 1991، بعنوان: “السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين”(


[1])، وذلك قبل أن ينشر هنتيغتون مقالته الشهيرة حول “صدام الحضارات”. وبما أن نظرية هذا الأخير ليست في الحقيقة سوى إعادة إنتاج بشكل مفصل وبأسلوب استفزازي عدواني لنفس الأفكار التي عبر عنها باري بوزان بكثير من الهدوء والتركيز في مقالته المشار إليها، فسنكتفي هنا بالرجوع إلى هذه الأخيرة باعتبارها “الأصل” الذي يصدق عليه المثل العربي “كل الصيد في جوف الفرا”.

يحاول بوزان في مقالته أن يرسم صورة للتطورات المحتملة -المنتظرة أو التي بدأت بالفعل- على الصعيد العالمي بعد انهيار ما كان يسمى بالكتلة الشيوعية. يبدأ بمناقشة التصنيف الدولي الذي كان سائد قبل انهيار هذه الكتلة، وهو التصنيف الذي بموجبه كان العالم يقسم إلى ثلاثة أقسام : المعسكر الرأسمالي (العالم الأول)، المعسكر الشيوعي (العالم الثاني) ثم مجموعة من البلدان أطلق عليها “العالم الثالث”. وهكذا يلاحظ أن النتيجة الأولى لسقوط المعسكر الشيوعي هي أن عبارة “العالم الثالث” قد فقدت معناها بعد أن لم يعد هناك عالم ثان في مقابل العالم الأول. فـ “العالم الثالث” لم يكن عالما واحدا بل كان يتكون من مجموعة من البلدان لم يكن يجمعها كـ”عالم” إلا كونها لا تنتمي لا إلى العالم الأول ولا إلى الثاني. وبما أن “العالم الثاني” لم يعد له وجود، فإن كاتب المقال يتساءل: ما الذي يبرر بعد هذا ضم البلدان التي كانت تنتمي إلى ما كان يسمى بـ” العالم الثالث”، ضمها وجمعها في مجموعة واحدة؟ ما الذي يجمع بين بلدان مثل كوريا الجنوبية والهند وملاوي والبحرين حتى يمكن الحديث عنها على أنها عالم متميز؟ وماذا تعنيه كلمة “الغرب” نفسها والتي لم يعد مضمونها يتحدد بـ “الآخر “: الكتلة الشيوعية؟ لقد كانت هناك بلدان مثل استراليا واليابان، تصنف ضمن”الغرب” (العالم الأول) لأنها كانت تتحدد بـ “الآخر” الشيوعي وضمنه الصين، فما الذي سيبرر ضم هذه البلدان إلى “الغرب”، وهما في أقصى الشرق، بعد زوال الكتلة الشيوعية ؟ ثم ماذا تعنيه كلمة “الشمال” سياسيا واقتصاديا، خصوصا وهي تشمل، جغرافيا، أقطارا مثل ألمانيا ورومانيا وروسيا … وما معنى “الجنوب” عندما تعد كوريا من أعضائه وتستبعد استراليا؟

العالم مركز وأطراف “مصدر التهديد

ما يريده كاتب المقال من وراء هذه التساؤلات هو الوصول إلى النتيجة التالية، وهي أن التصنيف الذي درج العالم عليه منذ الحرب العالمية الثانية قد فقد معناه بعد انهيار الكتلة الشيوعية، وبالتالي لابد من تصنيف جديد لفهم الوضع العالمي الجديد. والتصنيف الذي يختاره الكاتب ويبني عليه تحليله هو ذلك الذي يقسم العالم كله إلى قسمين: مركز وأطراف: أما المركز فهو “كتلة رئيسية من الاقتصاديات الرأسمالية المسيطرة على العالم”، وأما الأطراف فهي “مجموعة من الدول الأضعف من النواحي الصناعية والمالية والسياسية تتحرك ضمن نمط من العلاقات التي ينسجها المركز في المقام الأول”. والموضوع المركزي الذي يريد صاحب المقال دراسته من خلال هذا التصنيف هو ما أسماه بـ “أنماط جديدة للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين”. وكما يتبين من مجرى تفكيره فهو يعني بـ “الأمن العالمي” أمن الغرب” وحده! أما أمن الطرف الآخر، أعني العالم الثالث، فهو غير ذي موضوع في سياق تفكيره، هو لا ينظر إليه كطرف مهدد في أمنه. المهدد في أمنه هو “الغرب” وحده!

كيف؟ ولماذا؟

سؤال لا يطرحه هذا المحلل الاستراتيجي الذي دأب وتعود على نظرة إلى العالم تختزل كل شيء في “التهديد” الذي تشكله الشيوعية على أمريكا. بعبارة أخرى نحن هنا أمام مخطِّط للاستراتيجية في مقدمة جيش يواجه عدوا يملأ عليه الأفق كله بحيث لا يرى شيئا آخر غيره. وفجأة انسحب هذا العدو فساد الفراغ في الأفق وبقي الجيش مجندا وبقي ذهن المحلل الاستراتيجي المعبأ بالشعور بالتهديد لا يرى في الأفق إلا “التهديد”، فراح يبحث عن مصدر “التهديد” القائم/المحتمل! وبما أنه لم يعد هناك إلا “المركز” و”الأطراف”، فإن مصدر “التهديد” لابد أن يكون في أحدهما.

هل يقع مصدر التهديد داخل “الغرب”، المركز نفسه، كما كان الشأن في الحربين العالميتين مثلا، أم أنه يقع خارجه؟

التطورات التي حصنت الغرب من التهديد الداخلي

يستبعد كاتب المقالة أن يكون مصدر التهديد من داخل “المركز” نفسه، لأن تطورات هامة إيجابية حصلت فيه خلال الحرب الباردة. أهم هذه التطورات أربعة رئيسية:

* فمن جهة أولى هناك ظاهرة تعدد الأقطاب داخل المركز، الذي أصبح عبارة عن “دول عظمى”، وهذا التعدد يقلل من احتمال تطلع هذه الدولة العظمى أو تلك إلى التوسع والهيمنة داخل المركز نفسه، كما كان الشأن قبل الحرب الباردة.

* ومن جهة ثانية كان من نتائج سقوط الشيوعية بروز الرأسمالية الليبرالية، كـ” أكثر أشكال الاقتصاد السياسي فاعلية وأكثرها قبولا”. ويترتب عن هذا أن المركز أصبح أقل انقساما من الناحية الإيديولوجية عما كان عليه الحال في أي وقت منذ بدء انتشار التصنيع.

* ومن جهة ثالثة ورث المركز من زمن الحرب الباردة تنظيمات أمنية (أحلافا عسكرية كالحلف الأطلسي) تضم المراكز الرئيسية للقوة الرأسمالية –أمريكا الشمالية وأوربا واليابان واستراليا. وما يميز هذه التنظيمات أو الأحلاف هو أنها لا تتوقع استخدام القوة العسكرية في علاقات بعضها مع بعض، وهذا يقوي اقتصادها ويجعلها أقدر على مواجهة التحدي من “الآخرين”.

* وهناك من جهة رابعة تعزيز قوة وفعالية “المجتمع الدولي” الذي قوامه مؤسسات دولية تستعين بها دول المركز في تنسيق مساعيها وتحقيق أهدافها، مثل الأمم المتحدة والمجموعة الأوربية وصندوق النقد الدولي واتفاقية “الغات” ومجموعة السبعة الخ، وهي تنظيمات ومؤسسات تقع تحت هيمنة المركز.

هذه التطورات التي عرفها المركز تجعل منه كيانا محصنا ذاتيا، في نظر الكاتب، لا يأتيه التهديد من داخله. فهل سيأتيه من خارجه، أي من “الأطراف” وبالتحديد ما كان يسمى بـ “العالم الثالث”؟

للجواب عن هذا السؤال يبدأ صاحب المقالة برصد تأثير تلك التطورات التي حصلت في المركز على بلدان العالم الثالث، لا بوصفها عالما واحدا، فهي لم تعد كذلك بعد انسحاب “العالم الثاني”، بل بوصفها أطرافا متعددة تهم الغرب ويدخل معها في علاقات.

في هذا المجال يبرز الكاتب معطيات خمس:

– فمن جهة أولى نتج عن سقوط الشيوعية زوال الحافز الإيديولوجي والاستراتيجي الذي كان يدفع “المعسكرين” إلى التنافس على كسب ولاء بلدان العالم الثالث، كما أن الشعار الذي كان يرفعه هذا العالم كموقف سياسي يميزه عن “الغرب” و”الشرق”، شعار “عدم الانحياز”، قد فقد هو الآخر مبرره. هكذا أصبحت الأطراف بدون إطار يجمعها مما يفسح المجال لنشوب النزاعات بينها، حول التركة التي خلفها الاستعمار، وبكيفية خاصة حول الحدود التي يصعب الدفاع عن شرعيتها.

– ومن جهة ثانية، وكنتيجة لذلك، سيزداد دور مجلس الأمن كأداة للفصل في المنازعات وإضفاء الشرعية على نظام “الأمن الجماعي”. وإذا كان من المحتمل أن يترك الغرب النزاعات في الأطراف تجري مجراها إذا تبين له أن تكاليف التدخل ستكون باهظة، فإنه سيتدخل بكل قوته عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط حفاظا على تدفق النفط .

– ومن جهة ثالثة ستظل الأطراف أطرافا بسبب المعوقات الذاتية، وأيضا بسبب تدخل المؤسسات التي يشرف عليها “المركز”، إضافة إلى ثقل المديونية. ولا يُستبعد، والحالة هذه، “أن يحدث نوع من إعادة الاستعمار المؤسسي على أساس الأمر الواقع”.

– أما المعطى الرابع، ويوليه الكاتب أهمية خاصة، فهو ما يسميه بـ “الأمن الاجتماعي” في مجال علاقة المركز والأطراف، ويقصد “الأخطار ونقاط الضعف التي تؤثر في أنماط هوية المجتمعات وثقافتها”، ويعتبر الكاتب الهجرة من الجنوب إلى الشمال وما يسميه بـ “التصادم بين الهويات الحضارية المتنافسة” أهم مسألتين في هذا المجال. أما الهجرة، وبكيفية خاصة من جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى شماله، فهي في نظره “تشكل خطرا على أمن دول المركز إذ تهدد هويتها الحضارية، فضلا عن كونها تخلق طابورا خامسا داخلها”. وأما التصادم بين الهويات والحضارات فهو، في نظره، “أوضح ما يكون بين الغرب والإسلام”، نظرا للتعارض بين القيم العلمانية السائدة في الغرب وبين القيم الإسلامية، ونظرا كذلك للتنافس التاريخي بين المسيحية والإسلام، ولغيرة المسلمين من قوة الغرب، إضافة إلى الجوار الجغرافي… يقول الكاتب: “فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولاسيما بين الغرب والإسلام”.

– أما المعطى الخامس من جملة المعطيات التي يتحدد بها أمن الغرب بالعلاقة مع الأطراف فيخص “المجال البيئي”، ومع أن هذا المعطى يتعلق بالاقتصاد، أي بكيفية حساب تكاليف التلوث الناتج عن النشاط الصناعي، فإن “الطابع الكلي للبيئة على مستوى الكرة الأرضية سيعطي المركز أسبابا للتدخل في شؤون الأطراف بدعوى الأمن البيئي”، كما يقول الكاتب.

مضمون هذا التحليل

لنلخص مضمون هذا التحليل في كلمات:

1- لقد سقَط “الأخر/ الشرق” الشيوعي الذي كان يتحدد به “الأنا/ الغرب” ، فمن سيحل محله؟

2- العالم الثالث لم يعد طرفا ثالثا، وهو ليس مؤهلا ليكون “العالم الثاني”، إذ هو جملة بلدان ضعيفة متعددة لا توحدها إيديولوجيا يمكن اعتبارها خصما للرأسمالية التي انتصرت بكيفية نهائية، هذا فضلا عن أن هذه البلدان متنازعة ورثت من الاستعمار مشاكل تذكي العداوة بين بعضها بعضا الخ.

3- ومع ذلك ففي هذا العالم الثالث، الضعيف المتفكك الذي يسوده التنازع، مصدران يهددان أمن الغرب وهويته وحضارته. أولهما الهجرة، والثاني هوياته الحضارية التي تختلف عن هوية الغرب.

4- وبما أن الهجرة الأخطر في هذا المجال هي تلك الآتية من جنوب البحر البيض المتوسط (وكله إسلام)، وبما أن الهوية المرشحة للتصادم مع هوية الغرب هي الهوية الحضارية الإسلامية لأسباب ترجع إلى الجوار الجغرافي والتنافس التاريخي واختلاف نظام القيم، فإن “الأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين” سيكون محكوما بما يطلق عليه صاحبنا “صراع الهويات الحضارية”، الصراع الذي يشخصه في ما يسميه بـ “الحرب الباردة الاجتماعية بين الغرب والإسلام”.

حتمية الصراع!

كيف نقـوّم هذا النمط من التحليل؟

لا شك أن صاحبه ينطلق من معطى تاريخي كبير يحث على التفكير في النتائج التي يمكن أن يسفر عنها مستقبلا. أعني بذلك تفكك الكتلة الشيوعية التي كانت تشكل أحد الأطراف الثلاثة التي كان ينقسم إليها العالم نحوا من أربعين سنة أو يزيد. ويمكن أن نلاحظ، بادئ ذي بدء، أن الكاتب يسكت عن الأسباب التي أدت إلى تفكك الطرف المنهار، مع أن معرفة هذه الأسباب أمر ضروري، إذا نحن أردنا أن نتعقب مختلف النتائج التي يمكن أن يسفر عنها هذا الحدث الذي لم يكن يتوقعه أحد.

فلماذا هذا السكوت؟

إن الجواب الوحيد الذي يمكن استخلاصه من المقال واتجاه التفكير السائد فيه هو أن صاحبه تعامل مع الموضوع لا كباحث محايد يطلب الحقيقة، سواء كانت له أو عليه، بل تعامل معه كطرف، كـ “غرب” منتصر على “الشرق” المندحر! ومعلوم أن أول شيء ينشغل به القائد المنتصر في حرب من الحروب هو انتصاره، حتى ولو كان انهزام خصمه يرجع إلى عوامل تقع خارج إرادته هو. إن كاتب المقالة إذن قد تقمص شخصية هذا القائد، وبعبارة أخرى تكلم باسم “الغرب” المصارع لـ “الشرق”. فالخلفية التي تؤطر تفكير صاحب المقالة هو “التمركز” حول الذات (المركزية الغربية). وقد كان تأثير هذه الخلفية مهيمنا على اتجاه تفكيره حينما أراد أن يرصد النتائج التي يمكن أن يسفر عنها انتصار الغرب.

وهذا واضح من اتجاه التحليل الذي قام به. لقد بدأ برصد التطورات التي أدخلها المعسكر الغربي على كيانه استجابة لمقتضيات الحرب الباردة، مقتصرا على تلك التي لها تأثير على أوضاع العالم الثالث في علاقته مع الغرب. إن هذا يعني أن الخلفية الموجهة لتفكيره في نتائج الحرب الباردة تحكمها فكرة استمرار الصراع.

ولكن مع من؟

إن الجواب الذي يمثل بصفة آلية أمام هذه النمط من التفكير هو أنه بما أن العالم الثاني قد انسحب فالصراع سيكون مع العالم الثالث! ولكن كيف، والعالم الثالث ضعيف عسكريا واقتصاديا يسوده التنازع الخ؟ إن تغييب العوامل الإرادية المعقولة المحركة للصراع وعلى رأسها العامل الاقتصادي، دفع بصاحبنا إلى البحث عن “أسباب” للصراع في المعطيات غير الإرادية، غير المعقولة، مثل تلك التي ترجع إلى الجغرافيا والتاريخ وخصوصية الهوية! والنتيجة أن الصراع يصبح حتميا لأنه رهن بعوامل فوق بشرية. عوامل الجغرافيا والتاريخ والهوية!

إعادة ترتيب العلاقة الاستعمارية : نشر الحضارة

هذا الانتقال بـ”الصراع” من ميدان المعقول، ميدان الاقتصاد والمصالح والسعي نحو الهيمنة الخ، إلى ميدان اللامعقول، ميدان الحتمية الجغرافية والحتمية التاريخية وخصوصية الهويات، قد جعل صاحبنا يقفز على وجود العالم الثاني المنهار ويعتبره مجرد حدث عارض، وبالتالي يعود بعلاقة المركز بالأطراف إلى ما كانت عليه قبل الحرب الباردة حينما كان العالم عالمين: عالم الغرب المستعمِر، وعالم الشرق المستعمَر؟ ومن هنا ستصبح مهمة التحليل الاستراتيجي هي إعادة ترتيب نفس العلاقات التي كانت قائمة بين العالمين زمن الاستعمار.

كيف نقرأ عملية “إعادة الترتيب” هذه؟

عندما اكتسح “الغرب” أقطار الشرق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في إطار توسعاته الاستعمارية، كان الادعاء الذي روج له الكتاب الغربيون في ذلك الوقت، لتبرير ظاهرة الاستعمار، هو أن الأمر يتعلق بنشر الحضارة…! كان العالم منقسما في نظر أولئك الكتاب –بمن فيهم بعض فلاسفة الأنوار- إلى قسمين: عالم متحضر وعالم متوحش. وكانوا يعتقدون –بصدق أو بغير صدق، لا يهم- أنه من خلال الاستعمار وبفضله ستخرج الشعوب المستعمرة من مرحلة التوحش إلى مرحلة التمدن. فكأَنَّ الصراع بين الغرب والشرق يومذاك كان بين الحضارة والتوحش! إن هذا يعني أن الغرب لم يكن يعترف بأية حضارة أخرى غير حضارته هو.

أما بعد أن تعرف الغرب عن كثب على بلدان الشرق، خلال فترة الاستعمار، فقد اكتشف أنها بلدان لها حضارات وأنه ليس من الممكن وصفها بالتوحش، ولكن –بما أنه الحاكم المسيطر فقد اعتبرها حضارات عفى عليها الزمن وتجاوزها التطور، وأن ما كان منها عظيما في وقته صار جامدا لا يعرف التقدم. غير أن نظرة الغرب سرعان ما تغيرت حينما استعادت شعوب تلك الحضارات استقلالها، بعد كفاح مرير، وصادف ذلك دخول الغرب الرأسمالي في صراع مع المعسكر الشيوعي الذي كان منطلقه في الغرب نفسه، فحينئذ عمل الغرب على ربط معظم نظم الحكم في تلك البلدان بمعسكره، فكان معظم أقطار العالم الثالث في خدمة المعسكر الرأسمالي في صراعه مع المعسكر الشيوعي، وذلك على الرغم من شعار “عدم الانحياز” الذي بقي مجرد شعار سياسي. في هذا الصراع وظف الغرب لصالحه ما أسماه بالخصوصيات الحضارية في أقطار العالم الثالث، عبأها ووظفها لمكافحة الشيوعية! وعندما سقطت الشيوعية بقدرة قادر تغيرت نظرته إلى العالم الثالث فأصبح يرى فيه مجال تواجد العدو الذي سيحل محل الشيوعية المنهزمة!

الحرب الحضارية الباردة بين الغرب والإسلام

وهكذا فبدلا من أن ينكب الغرب على العمل على تصفية المشاكل التي خلقها في العالم الثالث أو تسبب فيها، من خلال الاستعمار والحرب الباردة، وبالتالي إعادة بناء علاقاته مع حلفائه بالأمس على أسس جديدة عاد إلى نظرته السابقة، مع هذا الفارق وهو أن مفهوم “التوحش” الذي كان يوظفه كمقابل لــ”الحضارة” قد عوضه الآن بمفهوم “اختلاف الهويات الحضارية”، فصار الصراع الذي يتصور أن عليه أن يخوضه، لا صراعا بين “الحضارة” و”التوحش”، بل صراعا بين حضارته التي يقول عنها إنها تؤمن بقيم التقدم والديموقراطية الخ، وحضارات يتهمها بكونها لا تؤمن بهذه القيم، وفي مقدمة هذه الحضارات “الإسلام”. وهكذا تصبح “السياسة الواقعية في العالم الجديد” ويصبح النمط الجديد “للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين”، محكومين بـ”حرب باردة جديدة” لا يتردد صاحبنا في تسميتها بـ “الحرب الباردة الحضارية بين الغرب والإسلام”.

هنا لا بد من ملاحظة أن الكتاب الغربيين، الذين يروجون لمقولة “صراع الحضارات”، يضعون كمقابل لـ”الغرب” و”حضارة الغرب”، ليس “حضارة الإسلام” أو الحضارة الإسلامية”، بل “الإسلام” بدون تخصيص! ومن هنا اللبس والمغالطة في آن واحد. فمقولة “الحرب الباردة الحضارية بين الغرب والإسلام”، التي جعل منها صاحبنا خاصية للقرن الواحد والعشرين، تضع “الغرب” وهو مصطلح جغرافي ومفهوم ثقافي حضاري في مقابل “الإسلام” الذي هو دين. وهذا في حد ذاته تصرف عدواني لأنه استفزاز للشعور الديني، فالمسلم في هذه الحالة يشعر أن دينه هو المستهدف. فلماذا يطرحون المسألة بهذه الصورة : لماذا “الإسلام” وليس “الحضارة الإسلامية”؟ لماذا يتجنبون وضع “الحضارة الإسلامية” في مقابل “الحضارة الغربية”، فيرتفع اللبس؟

الحضارة الإسلامية حضارة متفتحة

الواقع أنه لا أحد، لا في الغرب ولا في الشرق، يستطيع أن يدعي أن الحضارة الإسلامية حضارة منغلقة تنحو نحو الصراع وترفض الأخذ والعطاء وتغلق باب الحوار. فالحضارة الإسلامية كانت منذ قيامها ولا زالت ملتقى حضارات وثقافات ونظم قيم. الجميع يعرف أن الحضارة العربية الإسلامية بدأت بدوية صحراوية في الجزيرة العربية، ولما احتكت بالحضارة الفارسية تبنت معظم، إن لم نقل جميع، مظاهرها الحضارية؛ ليس فقط على مستوى المأكل والملبس والحياة الأسروية الخاصة، بل أيضا على مستوى الأدب والفن والتنظيم الاجتماعي ونظام الحكم، وذلك إلى درجة أن مؤرخا ذا نظرة اجتماعية للأمور، كابن خلدون، قد استخلص من ذلك نتيجة عامة فقال إن التقليد في الحياة البشرية ليس دائما وحيد الاتجاه، فهو لا يكون فقط في صورة تقليد المغلوب للغالب كما هو الشائع، بل قد يكون أيضا في اتجاه معاكس وهو تقليد الغالب للمغلوب، وضرب مثلا لذلك بالعرب الغالبين الذين تباروا في تقليد الفرس المغلوبين! ليس هذا وحسب بل إن الحضارة العربية الإسلامية قد فتحت صدرها لمنافسة ثقافية عالمية، ليس فقط بين العرب والفرس، وهي المنافسة التي تطورت إلى ما عرف تاريخيا بحركة الشعوبية، بل لقد شجع جو الحوار الثقافي الحضاري، الذي ساد فيها، المثقفين الذين كانوا ذوي ميول يونانية إلى إبراز مآثر الحضارة اليونانية فدخلوا في حوار تنافسي مع المثقفين ذوي الميول الفارسية. وهكذا جرى داخل الحضارة العربية الإسلامية حوار تنافسي بين الثقافتين الفارسية واليونانية، الشي الذي حفز ذوي الثقافة العربية والإسلامية على الالتحاق بميدان المنافسة فأبرزوا مآثر العرب ومناقب الإسلام مع الاعتراف للحضارات الأخرى بفضلها، الشيء الذي كرس النسبية في التفكير الحضاري في الفكر العربي والإسلامي وخفف إلى حد كبير من التمركز حول الذات في هذا الفكر([2]).

هذا الطابع التعددي الحواري الذي تتميز به الحضارة العربية الإسلامية معروف لدى الغرب، يعرفونه من خلال دراستهم لتاريخهم: هم يعرفون أن الحضارة اليونانية قد انتقلت إليه عبر الحضارة العربية الإسلامية، وأن معرفتهم بالحضارة الفارسية والهندية تدين بالكثير للعرب والمسلمين.

الانفتاح على الغرب في العصر الحديث

وهم يعرفون أيضا أن هذا الانفتاح على الآخر، الذي تتميز به الحضارة العربية الإسلامية، لم يكن مقصورا على العصور الوسطى، بل يعرفون جيدا أنه الطابع المميز لها في العصر الحديث أيضا. لقد انفتح العرب والمسلون على الغرب وعلومه وحضارته منذ أن بدأ الاتصال بينهما في القرن الثامن عشر. ومع أن هذا الاتصال قد اكتسى طابع التوسع والاستعمار من طرف الغرب فقلد كان هناك دوما في جميع الأقطار العربية والإسلامية تمييز واضح بين الوجه العدواني الاستعماري للغرب الرأسمالي وبين الوجه الآخر “الأنواري”، وجه العلم والتقدم والعقلانية والحرية والديموقراطية الخ. ولم يكن هذا التمييز مقصورا على فئة من فئات المجتمع العربي الإسلامي بل كان عاما عمل به الجميع بما في ذلك المؤسسات الدينية وخريجوها من دعاة السلفية والأصالة وغيرهم. فجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي وخير الدين التونسي والكواكبي وغيرهم من الذين تمسكوا بالمرجعية العربية والإسلامية في دعوتهم النهضوية قد تعاملوا مع الجانب الإنساني والعلمي في الحضارة الغربية بمثل الطريقة التي تعامل بها العلماء والفلاسفة المسلون في القرون الوسطى مع الحضارة اليونانية: لقد أخذوا العلم والفلسفة وتركوا ما يخص الدين، معترفين باختلاف الأديان رافعين شعار : لكم دينكم ولي ديني.

وما لنا نذهب بعيدا ونغفل واقعنا الآن. إننا هنا في الجامعات المغربية، وكذلك الشأن في جميع الجامعات العربية والإسلامية، ندرس كمواد إجبارية، حسب الشعب والتخصصات، جغرافية الأقطار الغربية، والأوروبية خاصة، وندرس تاريخَها وآدابَها وفلسفاتِها، وجميع مظاهرها الحضارية، دون أن يكون هناك في الغرب ما يقابل هذا. وإذا وجد شيء من ذلك فهو محصور في أقسام معزولة وهامشية في قطاع الدراسات المتخصصة بالثقافات الأخرى. أما في جل الأقطار العربية والإسلامية فالحضارة الغربية حاضرة في نظم تعليمها كمواد إلزامية. ويكفي أن نشير إلى أن طالب البكالوريا عندنا يعرف عن الحضارة الغربية أشياء كثيرة بينما قد لا يسمع زميله في أوروبا وأمريكا بشيء ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية غير ما تقدمه وسائل الإعلام التي تهيمن عليها الصهيونية من صور مشوهة عن “العرب و”الإسلام”. وأكثر من هذا يمكن أن أؤكد أن طلبتنا يعرفون أكثر مما يعرفه بعض أبناء الغرب عن بلدانهم وحضارتهم. كنت في الولايات المتحدة فدهشت لكون مجموعة من الطلاب الجامعين، كنت دخلت معهم في حوار، يجهلون كل شيء عن العالم العربي والإسلامي، فقلت في نفسي لا بد أن يجهل هؤلاء أشياء في بلدهم كذلك فسألت بعضهم : أين يقع الميسيسيبي؟ ففجئت بكون بعضهم لا يعرفون هذا النهر الذي يشق بلادهم شقا/ والذي يمتحن فيه طلبة البكالوريا عندنا.

وبطبيعة الحال ليس هذا هو حال المختصين في الدراسات الاستراتيجية في مكاتب الدراسات الشرقية في الولايات المتحدة وأوروبا. هم يعرفون أن الحضارة العربية الإسلامية حضارة متفتحة ومنفتحة على الحضارات كلها وفي مقدمتها الحضارة الغربية أمس واليوم. ولذلك فهم عندما يروجون لمقولة “صراع الحضارات” يتجنبون وضع “الحضارة العربية الإسلامية” في مقابل “الحضارة الغربية” بل يضعون مكانها “الإسلام”! فماذا يقصدون بـ “الإسلام” إذن؟

الإسلام :الشغل الشاغل للغرب: الغرب مصالح

“الإسلام” هو الآن، ومنذ عقدين من السنين، الشغل الشاغل للغرب. وما يعنونه ليس “الإسلام” كدين ولا كحكومات تحكم باسمه. فبالأمس القريب فقط كان الغرب يتخذ من “الإسلام” حليفا له ضد الشيوعية، على مستوى الشعارات والإيديولوجيا كما على مستوى تأييد وحماية حكومات تحكم باسم “الإسلام”. وقد ساند الغرب بالمال والسلاح والخبرة حركات “ثورية” ترفع راية “الإسلام”، كما في أفغانستان أيام الحكم الشيوعي. وأكثر من ذلك ساند “الثورة الإيرانية” التي كان زعيمها الإمام الخميني يقودها من باريس على مرآى ومسمع من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية التي فضلت ترك حليفها -حتى لا نقول عميلها الشاه- وحيدا هو وجنده اليائس البائس أمام جحافل الثورة التي كانت ترفع شعار الإسلام: “الله أكبر”. لم يكن الغرب يرى في الإسلام خطرا عليه، لقد كان يعتبره حليفا له ضد الشيوعية، وبالتالي فضل ثورة إسلامية فتية على حكم فاسد مترهل عميل.

كان ذلك بالأمس القريب، أما اليوم فـ “الإسلام” في نظر الغرب شيء آخر. إنه “العدو رقم 1″، إن لم يكن اليوم فسيكون كذلك غدا. فماذا تغير؟ ولماذا هذا الخوف “الجديد” بل “المتجدد” من الإسلام؟

إن موقف الغرب من “الإسلام” اليوم شبيه بموقفه من “القومية العربية” بالأمس : لم تكن بريطانيا العظمى، في بداية هذا القرن، وقد كانت تتولى قيادة الغرب آنئذ، تمانع في قيام “وحدة عربية” (حركة الشريف حسين). وعلى الرغم من الضغوط الصهيونية ووعد بلفور فقد بقي مشروع “وحدة عربية” يحظى بنوع من القبول لدى ساسة بريطانيا إلى أن تحجمت الفكرة في “جامعة الدول العربية” التي قامت بمباركتهم. ولكن ما إن أممت مصر قناة السويس، رافعة شعار “القومية العربية” التي كانت تنادي آنذاك “بترول العرب للعرب”، حتى أصبحت الوحدة العربية في نظر الغرب هي الخطر الأعظم في الشرق الأوسط، الخطر الذي لا يعادله إلا الخطر الشيوعي في أوربا. وكما اتخذ الغرب من “الإسلام” آنذاك حليفا له ضد الشيوعية جعل منه كذلك حليفا له ضد “القومية العربية”، فدفع حكومات كل من إيران وباكستان وتركيا والعراق آنذاك إلى الانخراط في حلف بغداد بقيادة بريطانيا.

كيف نفسر هذه الازدواجية في موقف الغرب من الإسلام والعرب؟

إن تاريخ “الغرب” –منذ أن أصبح هذا اللفظ مفهوما سياسيا استراتيجيا- يكشف عن حقيقة أساسية قوامها : مواقف متغيرة وثابت لا يتغير: إن موقف الغرب من العرب أو من الإسلام أو من الصين أو من اليابان أو من أية دولة أخرى في العالم موقف يتغير دائما، وقد يقفز من النقيض إلى النقيض إذا اقتضى الأمر ذلك. أما الثابت الذي يحكم تحركات الغرب وتغير مواقفه فهو “المصالح”، ولا شيء غير المصالح. فعندما تمس مصالح الغرب أو يكون هناك ما يهددها تتغير المواقف في الحين.

وهكذا فما جعل الإنجليز والغرب عموما يحاربون مشروع “وحدة عربية”، مهما كان شكلها، بعد سنة 1956 هو خوفهم من أن يطال التحرير والتأميم الأرض العربية وثرواتها باسم القومية العربية. وما جعل الأمريكان والغرب عموما ينقلبون على الإسلام، الذي كانوا يغازلونه، هو قيام بعض الحكومات التي تحكم باسمه وعلى رأسها المملكة العربية السعودية على عهد الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، بقطع النفط عن الغرب احتجاجا على انحيازه إلى جانب إسرائيل في حرب 1973 وما تلا ذلك من استعادة الثورة الإيرانية، التي قامت باسم الإسلام، حق إيران في امتلاك السلطة على بترولها. وهو الحق الذي حاول الدكتور مصدق في أوائل الخمسينات استرجاعه فأطاح به الغرب (بواسطة الشاه) وبتحالف مع زعيم الاتجاه الإسلامي فيها آنذاك آية الله القاشاني.

وشأن الغرب مع العرب والإسلام شأنه مع الصين وغيرها من البلدان. كانت الصين تشكل العدو رقم 1 للغرب يوم كانت سياستها تابعة أو منسجمة مع سياسة الاتحاد السوفيتي. وعندما حصلت القطيعة بين بكين وموسكو تغير موقف الغرب منها فاعترفت بها الولايات المتحدة ضاربة عرض الحائط بصنيعتها التي كانت تحمل اسم “الصين الوطنية” وتحتل مقعدا دائما في مجلس الأمن، المقعد الذي تحول منذ ذلك الوقت إلى الصين الشعبية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي عادت الصين لتكون العدو و”الخطر الأصفر”، والسبب هو امتلاكها للقنبلة الذرية وسلوكها سياسة مستقلة ودخولها في مرحلة الإقلاع الاقتصادي الذي قد يجعل منها منافسا حقيقيا لمصالح الغرب الاقتصادية في شرق آسيا.

الغرب مصالح، ولا شئ غير المصالح. وكل حوار معه أو تفكير ضده لا ينطلق من هذه الحقيقة إنما هو انزلاق وسقوط في شباك الخطاب المغالطي التمويهي السائد في الغرب والهادف إلى صرف الأنظار عن “المصالح” وتوجيهها إلى الانشغال بما يخفيها ويقوم مقامها في تعبئة الرأي العام مثل “الحضارة” “الثقافة” “الدين” “الأصولية” الخ.

أطروحة القيم الليبرالية الغربية…

نعم، هناك من الكتاب الغربيين من يحاول تجنب طرح “القضية” هذا الطرح اللاعقلاني ملتمسا سبيلا إلى طرح يبدو في ظاهره أكثر تعبيرا عن الواقع. من ذلك ما ذهب إليه جراهام فولر وهو باحث في مؤسسة “راند” الأمريكية، في مقالة نشرها في مجلة “السياسة الخارجية” الأمريكية يرد فيها على نظرية هنتنغتون “صراع الحضارات” حيث يقول : “إن الصدام الحضاري ليس صداما حول المسيح أو كونفوسيوش أو النبي محمد بقدر ما هو صراع سببه التوزيع غير العادل للقوة والثروة والنفوذ، والازدراء التاريخي الذي تنظر به الدول والشعوب الكبرى إلى الصغرى”. ولا ينكر فولر أن النظام الغربي تعتريه عيوب، ولذلك فهو يدعو لإصلاحها، كما يعترف ببعض انتقادات العالم الثالث للسلوك الغربي. ومع ذلك فهو يقرر أن دول العالم الثالث تشكل التحدي الرئيسي للغرب رغم ما يسود بينها من اختلافات إيديولوجية وعرقية ودينية. والسبب في نظره هو أن الغرب يتبنى قيما جوهرية لا يتبناها آخرون في العالم الثالث، بل يعارضونها، وفي المقدمة الإسلام! وهذه القيم الجوهرية ثلاثة: 1) الرأسمالية والسوق الحرة. 2) حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية العلمانية. 3) الدولة/الأمة كإطار للعلاقات الدولية”.

الإسلام “يرفض” الرأسمالية والسوق الحرة! كيف؟ والدول الإسلامية كلها تتبنى النظام الرأسمالي والسوق الحرة، هذا فضلا عن أن الدين الإسلامي يقر حق الملكية ويشرع للتجارة، للبيع والشراء! الإسلام يرفض القيم الليبرالية، من ديموقراطية وحقوق الإنسان الخ! كيف؟ وهو يدعو إلى الشورى ويكرم الإنسان؟ ثم ما المقصود بالإسلام هنا؟ هل الدين؟ وفي هذه الحالة هل يستقيم القول إن المسيحية أو اليهودية أو البوذية تعارض أو لا تعارض هذه القيم؟ أما إذا كان المقصود هو الحضارة الإسلامية فالسؤال نفسه سيطرح بالنسبة للحضارة المسيحية واليهودية والبوذية الخ؟

لنترك هذه المقارنات التي قد يفهم منها أنها تنطوي على مفاضلات، ولنكتف بالتساؤل: إذا كان الغرب يحدد خصمه بكونه ذلك الذي يرفض أو لا يؤمن بالقيم الليبرالية، من ديموقراطية وعلمانية وحقوق الإنسان الخ، فلماذا يناصر حكومات، إسلامية وغير إسلامية، لا تعمل بهذه القيم بل تقمع في بلدانها كل من ينادي بهذه القيم ويطالب بالعمل بها؟ ثم ألم يكن الغرب وراء كثير من الانقلابات العسكرية ونظم الحكم الديكتاتورية التي عانى منها العالم الثالث زمن الحرب الباردة؟

حوار الحضارات مفهوم ملتبس يجب تحديده

“صراع الحضارات” إذن مقولة فاسدة، بل عدوانية، روج لها المخططون لاستراتيجية الولايات المتحدة لحماية ما تعتبرونه مصالحها “القومية”في العالم. هذا شيء واضح. فماذا كان رد الفعل الذي حركته هذه المقولة في العالم العربي والإسلامي؟

كان هناك، ولا يزال، نوعان من رد الفعل: هناك من وقع في الفخ فقال بـ “الصراع الحضاري” بين قوى الشر والعدوان، وقوى الخير من طلاب الحق والعدل والمساواة. وواضح أن هذا النوع من رد الفعل يستسلم لاستراتيجية الخصم ويزكيها ويسقط في ثنائية مانوية مغلقة لا ترى الحل إلا في “انتصار إله الخير على إله الشر”. أما تحديد من يمثل “قوى الخير” ومن يمثل “قوى الشر” في هذه الدنيا فيبقى دوما مسألة خلافية، لأن كلا من الطرفين يعتبر نفسه ممثلا للخير بينما يعتبر خصمه ممثلا للشر، والنتيجة هي تكريس فكرة حتمية ودوام “الصراع بين الحضارات”، وبالتالي تزكية وتبرير استراتيجية “الحرب الباردة ضد الإسلام”.

أما النوع الثاني من رد الفعل الذي أثارته في العالم العربي والإسلامي مقولة “صراع الحضارات” فيتمثل في رفع شعار “الحوار” بدل “الصراع”، والمناداة بالتالي بـ “حوار الحضارات”. ومن دون شك فإن هذا الطرح ينطوي على إحراج لأصحاب مقولة “صراع الحضارات”. لأنهم إن تمسكوا بها قدموا أنفسهم كدعاة للصراع في وجه من ينادي بالحوار! ومع ذلك، ومع أن شعار “الحوار” شعار نبيل ومعقول، فإن موقف الذين يرفعونه مقتصرين على منطوقه، ينطوي على نوع من اللبس والغفلة. ذلك لأن “الحوار” بين الحضارات إما أن يكون عفويا تلقائيا نتيجة الاحتكاك الطبيعي فيكون عبارة عن تبادل التأثير، عن أخذ وعطاء، بفعل الصيرورة التاريخية. وهذا النوع من تلاقح الحضارات أو تداخلها لا يحتاج إلى دعوة، ولا يكون بتخطيط مسبق بل هو عملية تاريخية تلقائية –إن صح التعبير- عملية يحكمها طلب الأفضل، على غرار ما سبق أن ذكرناه بخصوص الحضارة العربية الإسلامية في الماضي والحاضر.

تضامن كل طرف مع مماثله في الحضارة الأخرى

أما إن كان المقصود هو تنظيم حوار إرادي مخطط له بين أهل هذه الحضارة وتلك، فإن الأمر ليس بالبساطة التي يظهر بها في بادئ الرأي. ذلك لأن “أهل حضارة” ما ليسوا جميعا على وفاق فيما بينهم، لا إزاء بعضهم بعضا ولا إزاء الغير، بل هم مجموعات مختلفة يقوم بينها صراع بصورة أو بأخرى. وإذا نحن اقتصرنا هنا على التصنيف الشائع إلى “يمين” و “يسار” أو إلى رأسماليين وكادحين فإن الذي يحصل هو أن كل صنف في أية حضارة يتحالف مع مماثله في الحضارة الأخرى ضدا على خصومه في الحضارة التي ينتمي إليها. وهذا يصدق أيضا على التصنيفات الأخرى التي تقوم على الدين أو العرق وما إلى ذلك.

هذه أمور ليست افتراضية بل هي واقع يفرض نفسه، وقد أبرزه كتاب غربيون ممن ينتقدون نظرية “صدام الحضارات” مخترقين مفهوم “الغرب” نفسه. ففي مقال كتبه باحث أمريكي من جامعة متشجن، يرد فيه على دعاة المواجهة بين الإسلام والغرب، نقرأ ما يلي: “إن على المسلمين خاصة أن يدركوا أن هناك قلة من الغربيين، بمن فيهم كاتب هذا المقال، تذهب مدى بعيدا فيما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الغرب والمسلمين، باعتبار أن ما نحتاجه اليوم حقا هو حلف بين المتمسكين بالتقاليد في الغرب وبين المسلمين المحافظين، وذلك من أجل مواجهة تحديات الحداثة التي تلح علينا إلحاحا وتهددنا جميعا في أيامنا هذه” (انظر مقالة أنطوني. تي. سليفن في مجلة الدبلوماسي 15/2/1995 ). هل نحتاج إلى القول إن هناك من “الحداثيين” في العالم العربي والإسلامي من هم مستعدون للتحالف مع “الحداثيين” في الغرب ضد ما يمكن أن يعبروا عنه هم أيضا بـ: “تحديات الأصولية التي تلح علينا إلحاحا وتهددنا جميعا”؟

بدلا من صراع الحضارات توازن المصالح

“حوار الحضارات” شعار يمكن أن يكون غير برئ، وهو في جميع الأحوال مفعم بالغموض والالتباس. وفيما يخصني شخصيا أعتقد أنه من الواجب تسمية الأمور بأسمائها الحقيقية. إن جوهر القضية المطروحة بالنسبة لعلاقة الغرب بالعرب والمسلمين هو “المصالح”: مصالح الغرب، وفي مقدمتها النفط والسوق العربية الخ… إنه من الطبيعي جدا أن يشعر الغرب بأن أي تقدم يحققه العرب والمسلمون سيكون على حسابه، لأن مصالحه في بلاد العرب والإسلام تقتضي ذلك، وهذا مفهوم. ولكن يجب أيضا أن يكون مفهوما أن العرب والمسلمين، لا يستطيعون، في الظرف الراهن على الأقل، تحقيق التقدم بدون التعامل مع الغرب. إن النفط في بلاد العرب والإسلام سيبقى شيئا لا قيمة له إذا لم يشتره الغرب، وكذلك الشأن في المواد الأولية الأخرى كالمعادن والفوسفات، وكذا الفواكه والحمضيات ومعظم المصنوعات الموجهة إلى البلدان الغربية. وإذا أضفنا إلى ذلك عائدات السياحة وتحويلات العمال المهاجرين أدركنا مدى التداخل بين مصالح الغرب ومصالح العالم الثالث.

والمشكلة الحقيقة القائمة بين الغرب وأقطار العالم الثالث هي عدم التوازن في تبادل المصالح. ذلك أن العلاقة القائمة الآن بين الغرب من جهة والعرب والمسلمين والعالم الثالث كله من جهة أخرى هي من جنس علاقة السيد بالعبد: السيد يستغل العبد وهو يحتاج إليه إذ يتوقف عليه كثير من شؤونه، والعبد يعاني من السيد ولكنه هو الآخر محتاج إليه. وبما أن تغيير هذه العلاقة لم يعد ممكنا عن طريق “ثورة العبيد”، نظرا لطابع المرحلة التي تحكمها العولمة والتي تمكن الغرب من وسائل الدعاية والتمويه فضلا عن وسائل الدمار التي تجعله لا يتردد في أن يكرر في أي مكان ما فعله في العراق –وهو يكرره الآن في أفغانستان ويتوعد بتكراره في أماكن أخرى- فإن ما تسمح به الظروف الآن هو العمل على تحقيق نوع من “توازن المصالح” يحد من هيمنة “السيد” وغلوائه، وذلك باللجوء إلى أسلوب في النضال من النوع الذي تمارسه “نقابات العمال”. وهذا النوع من النضال يتطلب قيام تضامن بين دول العالم الثالث، أو بين مجموعاته الإقليمية، وسلوك أسلوب في “الضغط”، من أجل انتزاع الحقوق، شبيه بالذي تمارسه نقابات العمال، والذي يتراوح بين مجرد المطالبة بالحقوق وبين القيام بإضرابات، مع الأخذ بلعبة الحوار والعمل بمبدأ “خذ وطالب”. وقد برهنت التجربة عن إمكانية نجاح هذا النوع من النضال من خلال عدة أمثلة منها مثالان استحضرهما الآن: مثال منظمة الأوبيك في تضامنها وإصرارها على الحفاظ على أسعار البترول في الحدود التي تعتبرها معقولة، ومثال المغرب في تشبثه بمبدأ الحوار مع الحفاظ على توازن المصالح في مفاوضاته مع السوق الأوربية في موضوع الصيد في المياه المغربية.

والمصالح الثقافية أيضا…

هناك جانب آخر في علاقة العرب والمسلمين بالغرب يجب أن يخضع هو الآخر لمبدأ “توازن المصالح”، وهو الجانب الذي يمكن أن يعطي لعبارة “حوار الحضارات” مضمونا إيجابيا واضحا غير ملتبس، إنه الجانب الثقافي. لقد أشرنا قبل قليل إلى ذلك الحضور القوي للغات الغرب وثقافته في مدارسنا وجامعاتنا. فلماذا لا يكون هناك حضور مماثل أو مقارب للغتنا وثقافتنا في مدارس الغرب وجامعاته؟ إنه إذا حدث هذا أمكن تدشين عهد جديد فعلا من “حوار الحضارات”، الحوار الذي سيتعرف من خلاله كل طرف على حقيقة صورة الآخر. والغريب في الأمر عندنا أن كثيرا من مثقفينا الذين لهم اتصال ووصال مع الثقافة الغربية لا يفتأون ينادون عندنا بـ “ضرورة معرفة الآخر” الغرب! حبذا لو اتجهوا الآن إلى الغرب نفسه ينادون فيه بضرورة معرفة “الآخر” العربي والمسلم على حقيقته لا كما تقدمه لهم وسائل الإعلام التي توجهها جهات مغرضة.

 

إذن لنختم بالقول: بدلا من مناقشة مفهوم ضبابي لا عقلاني وعداوني كـ”صراع الحضارات” أو عبارة استسلامية غير محددة ولا تحيل إلى شيء ملموس كـ “حوار الحضارات” يجب النضال من أجل توازن المصالح، في الاقتصاد والتجارة كما في اللغات والثقافات.

 

[1] – اعتمدنا هنا على الترجمة التي قدمتها لهذا المقال نشرة “استراتيجية” التي كانت تصدرها منظمة التحرير الفلسطينية (مركز التخطيط) من تونس وقد صدر المقال في عددها المؤرخ ب 25/02/1992

[2] – راجع في هذا الصدد ما كتبناه في “العقل الأخلاقي العربي” الفصل التاسع