نقاش هاديء حول الشرعية التاريخية للأحزاب!

عبد الحميد جماهري


أعادت تصريحات حكيم بنشماس، رئيس الفريق البرلماني لحزب الأصالة والمعاصرة، الحوار الأبكم حول الشرعية التاريخية في المجال السياسي. واستحضرت كلمته، في لقاء جمعوي بآزرو، التضاد بين الشرعية التاريخية، وبين الميلاد الجديد للحياة الحزبية.
في تمرين للغة على السجال، اقترف حكيم بنشماس عبارات غير ودية في حق الأحزاب التي يرى أنها «تزعجه» بالشرعية التاريخية، وهي عبارات يجدر بالفعل السياسي، كما باللسان الحزبي، أن يتجاوزها ويتناساها لكي يستقيم الحوار .. الهاديء.
لا خوفا من السجال ولا من السجالات، بل للضرورة السياسية والفكرية، لأن المضمرات في هذا المجال قد تقلب الأوضاع رأسا على عقب.
يراد للشرعية التاريخية، في التداول التاريخي أن «تطارد» الأحزاب العريقة في المغرب، كما لو أنها الخطيئة الكبرى، أو كأنها التهمة التي لابد منها لكي تستقيم الحياة الوطنية.
لنطرح السؤال: هل الشرعية التاريخية، كامتداد في الزمن وكبناء رمزي ومادي للهوية الكفاحية لشعب ما أو كلباس عقدي، تهم الأحزاب وحدها؟
أبدا.
هل هناك من ينسحب عليه توصيف الشرعية التاريخية؟
طبع!
من؟
1 – المؤسسة الملكية. وعندما نريد أن نهدم الشرعية التاريخية، يجب أن نحدد الخارطة، وأين يجب أن يتوقف الهدم والمحو والتعريف النهائي للتجديد!
ليس في الأمر مغالاة، بل يعرف كل المؤرخين والمتتبعين وخبراء التحليل السياسي وعلماء السياسة أن الشرعية الملكية ثلاثية الدوائر:
هناك دائرة الشرعية الدينية، وهي تلخص في إمارة المؤمنين، وتستمد عمقها من النسب الشريف.
ودائرة الشرعية الدستورية، وهي تتجدد في كل دورة سياسية، كما يتجدد الشجر مع كل ربيع (الاستعارة هنا ليست جزافا)..
والشرعية التاريخية، للسلالة الملكية، والتي تدوم منذ قرون، وللنظام الملكي الذي ترسخ بدوره منذ 14 قرنا.
نحن إذن في صلب التاريخ، وفي صلب الشرعية التاريخية التي تقف عليها البنية المركزية التي تشكل هوية المغرب السياسية والثقافية والرمزية، والتي تجددت بعدها الوطنية المغربية، في عز التحولات التي قلبت العالم في الفترة مما بين الحربين العالميتين 1914 و1940..!
2 – الفاعل الإسلامي، والذي يريد أن يكون التاريخ وحده مشروعا دائما للمجتمع، وفيه الفاعل الذي يتحرك من داخل النظام، ومن يتحرك على هامشه وأحيانا ضده، ويرتكز على الشرعية التاريخية باعتبارها، في حالته صنوا للشرعية الدينية المسيسة..
طبعا هذه الشرعية «يجيرها» التيار الأصولي لفائدته، بالرغم من أنها ليست ملك وحده، بل يمكن أن تكون «سرقة دينية» على غرار السرقة الأدبية، والتي تدفعنا إلى القول بأن هذا الفهم هو الذي يجب أن يكون موضع انتقاد.
الوصول المتأخر إلى السياسة كما في حالة الإسلام السياسي، لا يبرر بالطبع الاحتماء بشرعية لم يصنعها هو، بل صنعتها الأمة ككل.
وفي حالة الأحزاب التاريخية، يتحدث الناس عن شرعية تاريخية هم من صنعوها.
طبعا، هناك فارق في طبيعة الشرعية التاريخية التي نحتكم إليها في السجال السياسي اليومي، غير أن التمحيص الهاديء لا يمكنه أن يغفل التقاطعات الكبرى حول معنى وحرارة وقوة الشرعية، ككل لا يقبل التجزيء.
لهذا عندما نتحدث عن الشرعية التاريخية، لا يعقل أن نحصرها في الزاوية الضيقة للشرعية الحزبية التاريخية، فالحقل السياسي المغربي محكوم ببراديغمات لا يقتصر تأثيرها على بنية دون الأخرى، لا سيما عندما تسعفنا الفلسفة الدستورية الجديدة، وتجعل الأحزاب بدورها جزءا من بنية الدولة (ككيان وكجهاز في نفس الوقت )..
أحيانا تعطي اللغة السياسية الانطباع بأن المطلوب هو «انخاب تاريخ في زمن مسروق»،
و في الحقيقة، تقتضي أخلاق المسؤولية أن التحلل من الشرعية التاريخية يغري أحيانا حتى أصحابها، وهو نقاش لا بأس من أن يتم بعيدا -لا على ضوء – التسيير المتسرع للتاريخ والرهان السياسي الذي ينتج عنه.
سنظلم التاريخ إذا مجدناه، لأننا بذلك سنجعله لا تاريخيا، لكن لا يمكن أن نعوضه بأمر يتلى علينا على مدار كل اشتحقاق أو انتخاباتمفاده:«كن بلا ذاكرة ولا قتلتك»!!
أو كأن حاجة المؤسسة الساسية إلى الخوف من الماضي أو لتاريخ ، هي حكمة الديموقراطية لكي تنضج في بلادنا.
التاريخ ليس هو شهادة براءة،
ولا شهادة جدارة بالسياسة، إنه الدليل على أن البلاد تدوم في الزمن مثل الأشجار دوما.
والمفارقة في حياتنا المغربية هي أن التاريخ ليس هو الذي يتكرر !!
بل تمارين قتله هي التي تتجدد ( 1977/1983/ 1996 ….الخ الخ ) وليس ضروريا أن نعرف باسم ماذا يتم هذا التدريب على التسديد جهة اليسار، لكن علينا جميعا أن نتفق أن الأمن السياسي في البلاد ليس مشروطا بخروج الأحزاب من تاريخها أو من شرعيتها التاريخية، وأن طمأنة الأجيال الجديدة لا تعني بالضرورة الصمت الجنائزي للأجيال السابقة ..أبدا!
فنحن نتقدم في الحياة.. ولا أحد منا، لا أحد من الاحزاب الموجودة يمكنه أن يكبت الماضي.
إننا فعلا لا ندري ماذا تخبئه لنا الأيام… الماضية!!
عن جريدة .ا.ش