ماذا أعدت الأحزاب السياسية لانتخابات 2015؟

د. ميلود بلقاضي

يصعب منهجيا وسياسيا الحديث عن الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2015 دون تحديد إرادات وغايات المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية والمواطن من تنظيم هذه الانتخابات، خصوصا وانها ستنظم في سنة مليئة بالتحديات، لذلك يصعب تصور مسار الانتخابات المقبلة ونتائجها دون الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات التالية:
* رغبة القصر من إجراء انتخابات 2015 : رغم تنصيص الدستور على التعددية الحزبية والسياسية ،فما زال القصر ومحيطه يلعبون الدور الأساسي في رسم معالم تشكيل الخرائط الانتخابية، ولن تشكّل الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2015 استثناءً ،لأن الأحزاب السياسية في علاقاتها مع الفعل الانتخابي لا تستمد قوتها فقط من إرادة النّاخبين بل-ايضا- من نوعية علاقاتها مع القصر .لذلك يتساءل بعض الباحثين : -أي انتخابات يريد القصر لسنة 2015؟ انتخابات ديمقراطية شكلية ؟ او انتخابات ديمقراطية تحكمية؟ او انتخابات ديمقراطية تنافسية؟
صحيح ،لقد راكم القصر بالمغرب خبرات طويلة في ضبط موازين القوى الحزبية في كل تاريخ الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب ، لكن في العهد الجديد ما فتئ الملك محمد السادس يطالب الأحزاب السياسية بدمقرطة بيوتها الداخلية وتأهيل المؤسسات عبر تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تحترم فيها ارادة المواطن
* سياق إجراء انتخابات 2015 سياق صعب : هناك شبه إجماع بأن سياق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2015 سياق صعب ودقيق وصل فيه الخطاب السياسي والممارسة السياسة والتواصل السياسي ومستوى النقاشات العمومية الى ادنى مستوياته ، بل ان اكبر تحدي هو إمكانية عزوف المواطن عن المشاركة بنسبة كارثية نتيجة فقدان الثقة في جل الاحزاب السياسية وملل المواطن من تطاحن وصراعات الاحزاب وتبادل التهم في ما بينها حتى اصحب المواطن لم يعرف الحقيقة من الكذب ، بل ان دعوة الاحزاب الاستقلال والاتحاد مقاطعة الانتخابات المقبلة بسبب العودة الى منهجية التحكم والتدخل سيزيد الامور تعقيدا ،وسيصعب إيجاد توافق سهل بين الاحزاب الكبرى أي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والبام والبيجيدي وهي التي تتبادل كل اشكال التهم المعقولة والعبثية فيما بينها .
* 2015 سنة كل التحديات بالنسبة للدولة وللاحزاب السياسية : تدل كل المؤشرات ان 2015 ستكون سنة صعبة ومصيرية للدولة وللاحزاب السياسية لسببين رئيسين:أولهما , مآل قضية الصحراء المغربية في ظل مطالبة الأمم المتحدة أطراف النزاع التوصل إلى حل سياسي، وإذا لم يحدث، أي تقدم قبل ابريل 2015 فسيكون الوقت قد حان لإشراك أعضاء مجلس الامن الدولي في عملية استعراض شاملة للإطار الذي قدمه لعملية التفاوض في أبريل 2007، وهو ما يجعل كل الاحتمالات واردة من بينها إعادة القضية الى درجة الصفر.ثانيهما إجراء استحقاقات انتخابية متعددة في ظروف سياسية مأزومة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا .
* تنظيم انتخابات دون قيم سياسية ومبادئ ديمقراطية: عدد من المؤشرات تؤكد ان الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يمكن ان تجري دون مبادئ سياسية او دون قيم ديمقراطية لغياب إرادة قوية عند الدولة والأحزاب السياسية إجراء انتخابات تعكس تمثيلية شعبية حقيقية تفرز مؤسسات تستطيع اتخاذ قرارات فعلية محصنة بالشرعية الديمقراطية. يدرك المهتم بالشأن السياسي المغربي انه رغم فلسفة الدستور الجديد ورغم مقتضيات القانون التنظيمي للاحزاب السياسية ورغم كثرة خطابات النزاهة والشفافية وتخليق الحياة العامة ظل السلوك الحزبي بئيسا وفوضويا وظلت الممارسة السياسية سياسوية وضيقة وعبثية تهيمن عليها كل اساليب المكر والكذب والشتم والسب والقذف والتخوين بل ان الفضاء السياسي ذاهب نحو مزيد من التلوث السياسي ويكفي ان نأخذ نموذجا لسلوك برلماني وهو استاذ جامعي منتم لحزب البام, حينما طلب يوم 3 يونيو 2014 نقطة احاطة علما للكيد بزملاء له اشرف منه واكثر كفاءة منه, بل ان الاستاذ القانوني جدا لا يميز حتى بين التوظيف والانتقال, بل انه وظف معطيات خاطئة لتصفية حساباته السياسوية الضيقة مع حزب العدالة والتنمية, بل ان هذا البرلماني يعاني ( الله يشفيه ) من عقدة اسمها حزب العدالة والتنمية. وعلى البرلماني الذي ترعرع في احزاب ادارية، قبل ان يرتمي في حزب البام , الذي عليه ان ينظف بيته من هذه النماذج الرديئة – ان يعلم ان نزاهة الانتخابات مرتبطة أيضا بمصداقية خطابات النخب السياسية وجدية الممارسة السياسية والدقة في المعلومات .
* انتخابات بدون تنافس حقيقي : يتميز تاريخ العمليات الانتخابية المغربية بضعف التنافس السياسي عند الاحزاب حول المشاريع والبرامج السياسية والبدائل الممكنة. ولناخذ نوعية التنافس الدائر اليوم بين احزاب البام والعدالة والتنمية،والاستقلال والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية حيث انحرف التنافس من بين الاحزاب من تنافس حول الحكامة والبرامج والاقتراحات الى تنافس مبني على الشتم والسب وشخصنة الصراع, وهذا لعلي اخطر ما في الامر, حيث اصبح التنافس ينحصر..بأي ثمن وبأي وسيلة .ونشير هنا إلى انه لا الخطابات الملكية ولا الدستور الجديد ولا قانون الاحزاب السياسية استطاعوا ان يغيروا من خطابات وسلوكات وممارسات الاحزاب التي وصلت الى مستوى منحط لم يعهده التنافس السياسي بالمغرب من قبل. وعليه فالانتخابات المقبلة ستكون ضعيفة على مستوى طرح البدائل التعددية في التنافس الانتخابي، بل ان تشابه البرامج الحزبية الانتخابية والخطابية وضعف التنشئة السياسية عند مرشحيها سيُقلل من درجة التنافسية التي يجب أن تتمتع بها الانتخابات الديمقراطية الحقة.
* الانتخابات وجودة القوانين وطبيعة المشاورات السياسية: مآل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يبقى رهين نوعية القوانين المؤطرة لها ،وايضا رهين نوعية المشاورات بين الفرقاء السياسيين وإرادة الدولة ،وعلى هذا الأساس , فمصير الانتخابات المقبلة يبقى مرتبطا بمدى توفير النص القانوني المؤطر ليكون قانونا انتخابيا عادلا ومنصفا واستراتيجيا. فالترسانة القانونية التي اطرت كل الانتخابات الجماعية منها والتشريعية تعاني الكثير من الثغرات والعيوب التي تجعلها على مسافة شاسعة من مفهوم الانتخابات الحرة والنزيهة،بدءا من اللوائح الانتخابية الحالية التي لم تحين جذريا منذ اكثر من 22 سنة،الى نمط الاقتراح اللائحي والفردي الى نسبة العتبة الى مكونات القاسم الانتخابي الى الدليل القانوني التنظيمي للانتخابات الخ .
الأكيد ان نوعية القوانين التي ستؤطر الانتخابات المقبلة وطبيعة المشاورات بين الاحزاب الكبرى حول الانتخابات المقبلة ستكون حاسمة في تدبير ملف الانتخابات ، لأن مسألة الجهة التي ستدبر العملية الانتخابية ستكون من بين الملفات الساخنة في ظل فقدان الثقة بين الاحزاب الكبرى: البام والبيجيدي والاستقلال والاتحاد الاشتراكي كلهم يرددون مفاهيم التحكم والهيمنة دون طرح البديل فهل سيكون البديل هو لجنة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات بعيدا عن رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية؟ ام ان القصر سيتدخل لفرض توافق بين هاته الاحزاب؟
* ضرورة التوافق بين رئاسة الحكومة ووزير الداخلية حول إجراء انتخابات 2015 : هناك اكثر من مؤشر بأن التسابق حول من سيسهر على تنظيم الانتخابات المقبلة سيفجر العلاقات بين رئاسة الحكومة ووزير الداخلية, وهذا ما بدأ يتضح من خلال دعوة رئيس الحكومة الأمناء العامين للأحزاب السياسية لاجتماع بمقر رئاسة الحكومة- وليس بوزارة الداخلية- للتحضير لانتخابات 2015 وهو ما يعني ان رئيس الحكومة بنكيران يريد ان يسحب ملف الانتخابات من وزارة الداخلية التي كان قد أعلن المسؤول عنها، محمد حصاد، في وقت سابق أن وزارته هي من ستشرف على التحضير للاستحقاقات الانتخابية.واعتقد ان هذا القرار يحمل بين طياته عدة رسائل الى من يهمهم الآمر مفادها ان البيجيدي استفاد من الانتخابات الجزئية الأخيرة ، وأصبح اكثر اقتناعا بان منهجية التحكم واردة بقوة اذا ما دبرت وزارة الداخلية ملف الانتخابات ، بل ان بنكيران أصبح أكثر أريحية عندما دعا حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بإمكانية مقاطعة الانتخابات المقبلة نتيجة عودة منهجية التحكم والتدخل في الشؤون الحزبية الداخلية من طرف حزب البام.
على كل ،ستمثل محطة الاستعدادات والمشاورات القبلية والتي ستنطلق مع شهر نونبر 2014 لمراجعة المنظومة الانتخابية، -وخاصة تعديل القانون التنظيمي لمجلس المستشارين، وكذا القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، وبدء المشاورات اللازمة قبل عرض مشاريع النصوص القانونية أمام البرلمان بغرفتيه- محطة محورية في النقاشات حول الانتخابات بين الأحزاب السياسية . والأكيد ان هذه المناقشات والمشاورات لن تكون هينة بالنسبة للدولة وللأحزاب .بالنسبة لرئيس الحكومة ولحزب العدالة والتنمية فهما مع إجراء الاستحقاقات الانتخابية تحت رئاسة الحكومة ما دام ان وزير الداخلية وزيرا تابعا للأغلبية الحكومية و يشتغل تحت وصاية رئيس حكومة ،لسببين أساسين: أولهما تأكيد القطيعة مع فكرة وزارة الداخلية ام الوزارات، ثانيهما القطيعة مع اعتبار وزارة الداخلية وزارة سيادة هذا الصيغة الفاقدة لاي أساس دستوري. لكن لماذا يتحفظ حزب العدالة والتنمية على وزارة الداخلية تدبير مسلسل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
يسهل معرفة الأسباب وهي متعددة, لكن أهمها يبقى تخوف حزب العدالة والتنمية من عودة سياسة التحكم وخدمة أجندة حزب معين وإعادة انتاج سيناريو انتخابات سنة 2009 التي تصدر فيها حزب البام الصدارة.
اما بالنسبة لأحزاب المعارضة وخصوصا البام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي فلن يقبلوا – هم أيضا- إجراء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تحت رعاية رئيس الحكومة ,لأن لهم نفس التبرير وهو إمكانية التحكم في الخريطة الانتخابية ولذلك سيتشبثون بإجراء الانتخابات تحت وصاية وزارة الداخلية.وفي هذا الموضوع اعتقد انه في غياب إيجاد حل توافي بين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة في الجهة التي ستسهر على تنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة , فإن الأمر لن يكون سهلا لا بالنسبة للدولة او بالنسبة لأحزاب. -لكن ما يجب الإشارة اليه هو ان المشاورات والنقاشات بين الأحزاب ستكون ساخنة ودون رحمة او شفقة لكن على حساب تجنب طرح الأسئلة الصعبة والمحرجة للأحزاب من أهمها : ماذا أعدت الدولة لإجراء انتخابات ديمقراطية بعيدة عن منهجية التحكم القبلي؟ ماذا أعدت أحزاب الأغلبية الحكومية وأحزاب المعارضة لإجراء هذه الانتخابات؟ هل قامت بتقييم لسلوكها وخطاباتها ما بين سنة 2011 و2015؟ هل كانت في مستوى مهامها الدستورية؟ هل عقدت مؤتمراتها في ظروف ديمقراطية؟ هل ممارساتها للشأن السياسي ولسلوكها تغير حسب مقتضيات الدستور الجديد؟ كيف تفاعلت مع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية ؟ هل التزمت بالخيار الديمقراطي وبالديمقراطية التشاركية؟ هل يشعر المواطن بتغيير في خطابات وممارسات الأحزاب السياسية ؟ هل التزمت ببرامجها الانتخابية؟ هل اعادت للعمل الحزبي نبله؟ هل كانت في مستوى ثقة المواطن الذي صوت عليها في انتخابات 2009؟ و2011؟ هل سيشارك المواطن في كل هذه الانتخابات التي حددت الحكومة جدولتها على الشكل التالي:-ماي 2015 انتخابات ممثلي المأجورين في شهر ماي من سنة 2015،-يونيو 2015 انتخابات المجالس الجماعية والجهوية-يوليوز 2015 انتخابات الغرف المهنية-غشت 2015 انتخابات مجالس العمالات والأقاليم-شتنبر 2015 انتخابات مجلس المستشارين ؟ الى أي حد ستلتزم الحكومة بآجال عرض مشاريع القوانين التنظيمية والمصادقة خلال الولاية التشريعية الحالية وفق مضامين الفصل 86؟ هل ستلتزم الحكومة والأحزاب والسلطات العمومية بمضمون الفصل 11 الذي ينص على ان الانتخابات الحرة والنزيهة هي أساس الديمقراطية التمثيلية ؟ هل شكل ومضمون النقاش العمومي الدائر حاليا بين الأحزاب سيشجع المواطن للمشاركة؟هل ما تقدمه فرق المعارضة والأغلبية بالبرلمان من سلوكات شاذة ومن اتهامات متبادلة في ما بينها ستشجع من قاطع انتخابات الجماعية 2009 والانتخابات التشريعية 2011 ومن شارك فيها التصالح مع صناديق الاقتراع؟
أكيد كل ما تمارسه الأحزاب من تطاحنات هامشية ومن تبادل التهم المجانية والانشغال بقضايا ثانوية على حساب قضايا المواطن ومنح الترشيح للفاسدين ولتجار المخدرات ولأصحاب المال الحرام سيكون له انعكاسات سلبية وخطيرة ، وسيحول دون قيام الأحزاب السياسة بمهامها الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السّياسيّ، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنيّة، وفي تدبير الشّأن العامّ، وتساهم في التّعبير عن إرادة النّاخبين، والمشاركة في ممارسة السّلطة، على أساس التعدّديّة والتّناوب، بالوسائل الدّيمقراطيّة، وفي نطاق المؤسّسات الدّستورية .
وفي النهاية نقول, سنة على إجراء الانتخابات كل المؤشرات تدل على ان الرقم الصعب في معادلة هذه الانتخابات سيكون هو نسبة المشاركة التي يمكن ان يكون الأسوأ في التاريخ الانتخابي المغربي, فماذا أعدت الدولة والأحزاب السياسية لتجنيب انتخابات 2015 الكارثة ؟وماذا اعدت لاسترجاع ثقة الناخب المغربي الذي صدم بمنهجية تدبير حزب العدالة والتنمية للسياسات العمومية ومحاربة الفساد ف,هل ستكون تكلفة الصدمة غالية؟
* استاذ التواصل السياسي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية اكدال الرباط.
 عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
23 يونيو 2014