العـــــــهر الســـياســـــي

(“البترونعاج” نموذجاً)

د.عدنان عويّد

 

على قناة العربية العظيمة, ذات المصداقية العالية, والتوجه العروبي السعدني الوهابي المعادي لكل ما يعمل على إقامة الدولة العبرية, والتطبيع مع الكيان الصهيوني, أو إقامة أية علاقة معه من تحت الطاولة أو من فوقها. وفي برنامج بانورما الذي أرادت الكهرباء في بلدي التي يعمل على قطعها باستمرار الدواعش وجبهة النصرة رضي الله عنهما وعن آل سعود وآل جاسم الذين يمددونهم بتقوى أئمة الوهابية و رجالات الإخوان الصالحين, وبركات البترودولار. أن أسهر حتى الساعة الثالثة صباحاً يوم الجمعة تاريخ 20/6/2014 مستغلاً العودة المتأخرة للكهرباء لأتابع هذه البرنامج معاداً.
ما لفت انتباهي قول أحد المحاورين من السعودية, وهو الدكتور “وحيد حمزة هاشم” أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز, الذي حدد بطرحه جوهر المشاكل التي تعاني منها المنطقة العربية اليوم, والتي تشكل هاجساً أخلاقياً لدى كل مواطن شريف في عالمنا العربي, وعلى رأس هؤلاء الشرفاء الذين يشعرون بعمق المسؤولية تجاه ما يهدد آمن وسلامة ومستقبل هذه الأمة, وهم أمراء “البترونعاج”.
أما هذه المشاكل (المصيبة) التي حددها الدكتور “وحيد حمزة هاشم” فهي:
1 – الخطر الإيراني الذي يريد التوسع في المنطقة ويحولها إلى منطقة فارسية شيعية.
2- خطر “الإخوان المسلمون” الإرهابي الذي يهدد المنطقة بعدم الاستقرار .
3- خطر المتطرفين الإسلاميين (داعش والنصرة) الذين لا يعرفون إلا القتل والدمار, وهم يريدون إرجاع الأمة العربية والإسلامية إلى الوراء.
4- خطر روسيا والصين الذين يدعمان النظام السوري الظالم المستبد ضد الثوار المطالبين بالحرية والعدالة.
5- خطر عدم وقوف الولايات المتحدة بحزم وجديَة أمام التهديد الإيراني للمنطقة, والتخلي عن أصدقائها التقليدين.
إن قراءة سياسية عقلانية أولية لهذه الإشكاليات السياسية المطروحة هنا عبر قناة العربية السعودية, و من أحد الأكاديميين الموالين لسياسات آل سعود, تشكل في الفقه السياسي المعاصر (عهراً سياسيا ) لتوجهات “البترونعاج” في المشرق بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص, نستطيع تأكيدها عبر تحليلنا لهذه الإشكاليات تحليلاً منطقياً.
الإشكال الأول, الخطر الإيراني في المنطقة ورغبة إيران في تحويل المنطقة إلى منطقة فارسية شيعية: والسؤال كيف تستطيع إيران أن تحقق هذه الأهداف في المنطقة, والمنطقة بعمومها سنية, والشيعة بكل طوائفهم يشكلون الأقلية فيها وخاصة في سورية ولبنان بيضة القبان في الهلال الشيعي المزعوم. هذا من جهة؟. ومن جهة ثانية, إذا كانت إيران تريد فعلاً كما تقول سياسة البترونعاج, القضاء على العروبة وتحويل المنطقة إلى منطقة فارسية, فلماذا يحارب أمراء الخليج وعلى رأسهم آل سعود, الأحزاب القومية العربية, ويعتبرنها أحزاباً علمانية كافرة, لأنها لا تأخذ بمفهوم الأممية الإسلامية الوهابية, وأن من تحاربه اليوم, هو النظام السوري, آخر معاقل البعد القومي العربي. وتعتبر القوميين كفرة وزنادقة في كل المنطقة العربية؟. إن مَنْ يخاف مِنْ (تفريس) المنطقة, عليه أن يدعم الفكر القومي, وهذا لم يتحقق من قبلهم. أما من جهة ثالثة, فإن التوجه السياسي الإيراني الحالي وكما جاء في دستور الدولة الإيرانية هو توجه إسلامي أممي. بمعنى هو ضد التوجهات القومية. وهذا يفند ادعاء الإشكال الأول عندهم. بل هو إدانة لهم هم عندما نأخذ بعلاقات قطر مع أردوغان ورغبتهم في إقامة المشرع الإسلامي بلباس الخلافة الإسلامية السنيَة المفوته حضارياً. أليس هذا عهر سياسي؟!.
الإشكال الثاني, خطر (الإخوان المسلمون): وهنا يبرز العهر السياسي بكل تجلياته لآل سعود وهو: كيف تدعي السعودية أن الإخوان إرهابيون, ويشكلون خطراً على المنطقة, وهم يدعمون الإخوان في سورية بكل أشكال الدعم المادي والسياسي والعسكري, وأن نسبة كبيرة من المعارضين الإخوان السوريين يقيمون في السعودية؟. ثم كيف يشكل الإخوان هذه الخطورة وآل سعود يعلمون علم اليقين أن قطر هي من يقدم لهم كل الدعم ليس على مستوى المنطقة العربية فحسب, بل والتنظيم العالمي له. أما موقفهم من إخوان المسلمين في مصر ووضعهم تحت قائمة الإرهاب, ودعمهم للحكومة العلمانية المصرية, والعلمانية في الفقه الوهابي كفر وإلحاد, والعلمانيون كفرة وملحدين, كما أفتى المجمع الفقهي السعودي. إن موقفهم هذا تجاه الإخوان, هو خدمة لمصالحهم الإستراتيجية في المنطقة, وفي مقدمتها كسر ظهر الإخوان حتى لا يتمددوا إلى دول عربية أخرى بعد أن استفحل أمرهم في ليبيا وتونس ومصر وسورية, وهو قابل للظهور في الأردن بأي لحضه, ومن ثم إمكانية تمدده إلى السعودية ذاتها. لذلك لا بد في العهر السياسي السعودي من محاربتهم, لا لكونهم إرهابيين كما يقول آل سعود, وإنما هم العدو السياسي الحقيقي الذي يشتغل على الوتر الديني مثلهم, ومن المدرسة السلفية ذاتها التي يشتغلون عليها, وهذا ما يخيف آل سعود الذين يدعون أنهم الوحيدون حماة الدين الإسلامي السني في العالمين العربي والإسلامي..
الإشكال الثالث, خطر الجماعات الجهادية الإسلامية على المنطقة (داعش وجبهة النصرة). أي القاعدة بشكل عام: والسؤال هو: من كان وراء دعم تنظيم القاعدة بشكل عام في أفغانستان, غير أمراء “البترونعاج” وعلى رأسهم آل سعود وأمريكا؟!!. ثم من يقدم اليوم الدعم لكل الجماعات الإسلامية المتطرفة في سورية ولبنان والعراق وعلى رأسها داعش وجبهة النصرة, أليس السعودية وقطر بمساعدة تركيا ورضا أمريكي وغربي؟!!. ثم من فتح لهم قنوات الفتنة الجزيرة والعربية وأورينت ووصال وكل القنوات الدينية التي كانت ولم تزل تعمل على التحريض الطائفي؟!., وأخيراً من يستطيع أن ينكر تصاريح وزير خارجية آل سعود التي تؤكد دائما على دعم الجماعات المسلحة في سورية بالمال والسلاح, وها هو اليوم يتهم الحكومة العراقية بالطائفية, ويعتبر ما تقوم به داعش ليس أكثر من ثورة شعبية ؟. أليس هذا عهر سياسي؟!.
الإشكال الرابع, خطر روسيا والصين في دعمهما للنظام السوري الذي يمارس الظلم والاستبداد ضد شعبه: والسؤال هل يحق لآل سعود بشكل خاص أن يتكلموا عن الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة؟. ثم لماذا يحكمون على سياسية روسيا تجاه سورية بأنها سياسة تخريبية؟. عموماً لم يعد خافياً على أحد ما هي أهداف آل سعود وحكام الخليج من ضرب سورية ونظامها, ويأتي في مقدمة هذه الأهداف ضرب إيران, والهدف الثاني ضرب مصالح روسيا في المنطقة ومحاولة تحويل سورية إلى معبر لنفط وغاز قطر وسعودية إلى أوربا لمنافسة الغاز الروسي في هذا الاتجاه, وبالتالي من حق روسيا أن تدافع عن مصالحها. وهذا الدفاع الروسي عن مصالح روسيا عبر دفاعها عن سورية ودعمها لها ضد قوى التطرف, هو (أمر غير محمود) كما يقول جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز. أليس هذا عهر سياسي؟!.
المشكلة الخامسة والأخيرة في أجندة البترونعاج:, هي الخطر الأمريكي في المنطقة المتمثل في عدم جدية أمريكا في محاربة إيران وضرب سورية والوقوف مع حلفائها الحقيقيين في المنطقة:
نعم إنهم حلفاء أمريكا الحقيقيين في المنطقة وليس غيرهم… أمريكا التي تقدم كل الدعم للكيان الصهيوني, وتقف ضد مصالح العرب والمسلمين في كل مكان, هي تشكل اليوم بنظر آل سعود وأمراء الخليج خطراً حقيقياً على حكم الأسر المالكة في السعودية والحليج, لأن انتصار العراق وسورية ولبنان على الإرهاب يعني الخطوة المتقدمة إلى طريق إنهاء وجود هذه الأسر القروسطية في عقليتها وحكمها, لا سيما بعد أن كُشفت ادوار هذه الأسر على مستوى تآمرها وخيانتها للعروبة والإسلام وسفك الدم العربي في ما سمي بثورات الربيع العربي تحت مظلة الحرية والعدالة المزعومة بإسم الدين . إن كل هذا التآمر لم يعد خافياً على أحد, وبالتالي إنها بداية النهاية لهذه الأسر شاء من شاء وأبى من أبى.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر / 24 يونيو 2014