تدخل الاخ محمد علمي رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين لمناقشة
عرض رئيس المجلس الأعلى للحسابات

الاثنين 23 يونيو 2014

 

السيد الرئيس


يشرفني أن أتدخل باسم الفريق الاشتراكي بمجلس المستشارين من أجل مناقشة العرض الذي تقدم به السيد رئيس المجلس الأعلى للحسابات أمام مجلسي البرلمان تفعيلا للفصل 148 من الدستور.
وأود في بداية هذه المداخلة أن أشير إلى أهمية تكريس هذا التوجه الدستوري الذي اختارته بلادنا القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والمنبني على فصل السلط وتكاملها، والمؤطر باختيار نهج تعزيز المراقبة وتقييم السياسات والممارسات وتقويم الاختلالات التدبيرية في سعي أكيد نحو إقرار حكامة المرفق العمومي.
كما أننا في الفريق الاشتراكي كنا باستمرار من دعاة تخليق الحياة العامة وتأهيل المؤسسات وفرض ثقافة المراقبة والمحاسبة في تدبير الشأن العام والمال العام… وهو التوجه الذي انطلقت فيه بلادنا منذ حكومة التناوب، لكنه تأكد وترسخ بعد إقرار الدستور الجديد الذي يعد استجابة لمطالب التخليق وترسيخا لثقافة المحاسبة.

السيد الرئيس
لقد تضمن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2012 في جزئه الأول معطيات وإحصائيات وأرقام تهم تدبير المالية العمومية وتسيير الشأن العام في عدد من القطاعات، وتضمن في جزئه الثاني ملاحظات وتشخيصات رصدتها المحاكم الجهوية لتدبير الشأن العام جهويا عبر رصد اختلالات تسيير عدد مهم من الجماعات.
وعلى هذا الأساس فإننا سنحاول تركيز ملاحظاتنا حسب الحيز الزمني المخصص لنا، في محورين اثنين:
– محور المالية العمومية وتدبير الشأن العام.
– محور التنمية الجهوية والديموقراطية المحلية.
فبالنسبة للمحور الأول لاحظنا أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات وخلاصاته تنسجم تماما مع الرؤية التي سبق لنا تأكيدها من خلال مداخلاتنا أثناء دراسة مشاريع القوانين المالية منذ 2009 والتي يمكن الرجوع إليها للتأكد مما نقول.
فقد نبهنا مرارا إلى التجاوزات في طريقة تنفيذ قوانين المالية، وأبرزنا بتحليلنا عدم دقة الفرضيات التي تبنى عليها توقعات مشاريع الميزانيات، وهو ما كان يتأكد سنويا سواء في ما يخص نسب العجز أو النمو أو غيرها…
وفي نفس الإطار أكدنا باستمرار ضعف وتيرة تنفيذ ميزانيات الاستثمار وهو ما يتسبب في تأخر إنجاز المشاريع المبرمجة، وبالتالي يتكرس سلوك ترحيل مبالغ الاعتمادات من سنة إلى أخرى، مما يؤدي إلى المبالغة في التحويل من مستوى بعض الفصول، واللجوء إلى فصل النفقات المشتركة لإمداد بعض المؤسسات العمومية والحسابات الخصوصية للخزينة باعتمادات غير مبرمجة…
كل هذه الممارسات والتناقضات أدت إلى الحد من دور قانون المالية كأداة للتوقع والترخيص، ومن دور البرلمان في دراسة وتتبع قوانين المالية ومراقبة فعالية وإنجاز الميزانيات.
ولقد انتبهنا إلى كل هذه الإشكاليات في حينه ونبهنا الحكومة إليها بكل إيجابية واقتراحية، لكن مع كامل الأسف استمر نفس النهج التجاهلي لهذه الحكومة.
بل لقد أكدنا على ضرورة تجاوز هذه الاختلالات عبر إصلاح جدي وعميق للقانون التنظيمي لقانون المالية الذي استمرت الحكومة في تأجيله رغم حاجة موازنتنا العامة إليه بشكل ملح.
ونحن اليوم ننتظر الصيغة التي سيصوت عليها مجلس النواب للقانون التنظيمي للمالية والذي نتمنى أن يتضمن مختلف الاقتراحات التي سبق لنا إعلانها والتي ورد العديد منها بتقرير المجلس الأعلى للحسابات من مثل شمولية النفقات والبرامج ومؤشرات الأداء والتعاقد وغيرها… كما نتمنى ألا تنساق الحكومة وراء نية التراجع على التعديل المهم المرتبط بالحسابات الخصوصية.

السيد الرئيس
لطالما نبهنا إلى إشكالية تدبير الدولة للدين العمومي، سواء الداخلي أو الخارجي، وقد أكد التقرير أن الممارسات السابقة في هذا الإطار أفضت إلى بلوغ الدين الخارجي مستويات غير قابلة للتحمل.
ويعترف التقرير أن المقاربة الجديدة لتدبير هذا الدين مكنت من تخفيض الدين الخارجي للخزينة من 80 في المائة من دينها الإجمالي سنة 1984 إلى 24 في المائة سنة 2012 ، وهو ما يؤكد المجهود الكبير الذي بذل في هذا المستوى منذ الانتقال إلى حكومة التناوب.
لكننا مع كامل الأسف نشهد اليوم ردة كبرى لهذه الحكومة التي تلجأ بشكل مفرط للاقتراض الخارجي رغم إعلانها عدم اللجوء للاقتراض، مما سيرهن ماليتنا ومستقبلنا من جديد في يد المؤسسات المالية الدولية. ومما يؤكد قلقنا وتوجسنا من هذه السياسة الحكومية، تأكيد تقرير المجلس الأعلى وجود صلاحيات واسعة لمدبري الدين في اللجوء للاقتراض، حيث يشكو النظام الحالي من غياب تأطير على مستوى أعلى ومستقل عن مدبري الدين يتولى تحديد الاختيارات الكبرى للمديونية على المديين المتوسط والبعيد.
أما في ما يخص صناديق الاحتياط الاجتماعي، فقد دق الفريق الاشتراكي ناقوس الخطر منذ أزيد من عشر سنوات بالنسبة لأوضاع أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس. وقد أكدنا في كل مداخلاتنا وأيامنا الدراسية حولها، أن هذه الصناديق تعاني من اختلالات هيكلية ويزيد التأخر في إصلاحها من تأزمها وتهديد أجيال المتقاعدين.
غير أننا لا حظنا بأن خلاصات وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات في هذا الشأن أعادت التذكير ببعض السيناريوهات المطروحة منذ سنوات في الدراسات التي تم إنجازها في الموضوع والتي لم تحسم اللجنة الوطنية في شأنها. بينما يوصي التقرير بضرورة اتخاذ إجراءات شجاعة من خلال الحوار وتغليب المصلحة العامة… وهو ما نرى أن منهجية الحكومة الحالية بعيدة كل البعد عنه، لأنها تريد إصلاح كل هذه الاختلالات على حساب المأجورين والمتقاعدين ودون أخذ رأي النقابات الأكثر تمثيلية بعين الاعتبار في هذا الإصلاح الوطني المهم.
وبالنسبة لموضوع إصلاح صندوق المقاصة فقد سجلنا تأكيد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن هذا النظام انحرف عن وظيفته الأصلية المتعلقة باستقرار أسعار المواد الأساسية ليتحول إلى آلية للمساعدة لا تعكس واقع التكاليف وتحجب حقيقة الأسعار. وهو ما كنا نكرره باستمرار داعين الحكومة إلى تحمل مسؤولياتها من أجل إصلاح شامل لهذا النظام في إطار العدالة الاجتماعية واستمرار حماية الفئات الهشة.
لكن مع كامل الأسف فإن الحكومة الحالية اتجهت إلى نهج سياسة ترقيعية في تعاملها مع نظام المقاصة. وبدل التحلي بالشجاعة الكافية للقيام بإصلاح حقيقي، ركزت على الزيادات ورفع الدعم التدريجي دون رؤية أو منظور استراتيجي مما انعكس على الفئات الضعيفة دون أن يؤدي إلى النتيجة المرجوة. والدليل أن ميزانية المقاصة لازالت تبتلع 15 في المائة سنة 2014، في الوقت لم تكن تشكل إلا 1 في المائة إبان حكومة التناوب.

السيد الرئيس
أما بالنسبة للمحور الثاني المتعلق بالتنمية الجهوية والديموقراطية المحلية، والذي يركز على مجهودات المجالس الجهوية للحسابات، حيث تضمن ملخصات 93 تقريرا خاصا، همت خمسة أقاليم، و20 جماعة حضرية، وثلاثة مرافق مسيرة عن طريق التدبير المفوض، و62 جماعة قروية، ومرفقا عموميا…
وقد سجل التقرير عدة نقائص ترتبط بمحدودية وظيفة التخطيط وقصور الرؤية الاستراتيجية لدى أغلب الجماعات الترابية. إضافة إلى ملاحظات همت مجمل مناحي التدبير على مستوى الأجهزة التي خضعت للمراقبة، منها على الخصوص غياب مخططات التنمية وعدم تفعيل لجان المجالس وغياب رؤية مندمجة لإعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز، وضم أجزاء كبيرة من الأراضي المملوكة للخواص في عمليات إعادة الهيكلة، وغياب شبه تام للمرافق العمومية في غالبية الأحياء موضوع إعادة الهيكلة…
وأكد التقرير على أخطاء منح الشركات المفوض لها سلطات واسعة على حساب المشاريع المبرمجة، والخدمات المقدمة، إلى جانب تقديم هذه الشركات، معطيات مالية ومحاسباتية غير دقيقة، من خلال احتساب مصاريف غير مبررة وخارج نطاق العقد، والمبالغة في قيمة الاستثمارات وتحصيل مداخيل غير مستحقة… وغيرها من التجاوزات.
وقد خلص التقرير إلى أنه في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، تمت المتابعة أمام المجلس في حق 78 شخصا، وتم إصدار 82 حكما وقرارا.
وفي هذا الصدد، ومع تسجيلنا لإيجابية العمل الرقابي المهم الذي قامت به المجالس الجهوية للحسابات، فإننا نؤكد على أن الأغلبية الساحقة للجماعات الترابية ببلادنا هي في حاجة إلى مواكبة، ومسيروها في حاجة ماسة للمصاحبة والتأطير والتأهيل من أجل القيام بالمهام التدبيرية والتسييرية الجسيمة التي أنيطت بهذه الجماعات وبالمسؤولية الحقيقية الملقاة على مدبيريها.
لكن ما نلاحظه أن واقع الجماعات الترابية ببلادنا مستمر في تخلفه سواء بالنسبة لتكوين المنتخبين أو تأهيل الموارد البشرية والبنيات الإدارية الكفيلة بدعم المنتخبين، أو بتوفير بنيات مصاحبة للمساندة القبلية لعمل هذه المجالس من طرف سلطات الوصاية… وذلك على الرغم من التقدم الكبير الذي أصبح لهذه الجماعات في وضعيتها الدستورية والقانونية ببلادنا.
وبالتالي فإن التساؤل المطروح اليوم هو عن مدى أحقية متابعة مجموعة من المنتخبين المسيرين للجماعات الترابية في ظل واقع تدبيري لهذه الجماعات يتعارض مع الوضعية القانونية؟ وأية ضمانات تعطى لهؤلاء المنتخبين المدبرين في الوقت الذي يواجهون ثقل الوصاية وانعدام الحماية في نفس الوقت؟
إن اختيار بلادنا للمضي في توسيع الديموقراطية المحلية وتكريس الجهوية المتقدمة والتركيز على التنمية الجهوية… وغرها من الاختيارات التي أصبحت اليوم لها قوة دستورية، ينبغي أن تتعزز بتوفير الوسائل المادية والبشرية للقيام بهذه المهام الاستراتيجية.
وبالتالي فإن المراقبة والزجر حينما لا يتعززان بتوفير الوسائل والإمكانيات وتأهيل المسؤولين والمنتخبين… فإنها تصبح إجراءات تحد من الوصول للأهداف التنموية من اختيارنا الديموقراطي للجهوية المتقدمة.

السيد الرئيس
إننا في الفريق الاشتراكي نعتبر أن على المجلس الأعلى للحسابات أن يلعب دورا استشرافيا، من خلال التقييم وتزويد الفاعلين بالاقتراحات والتوصيات من أجل إعادة النظر في بعض السياسات العمومية واستنبات آليات المراقبة الداخلية داخل المؤسسات العمومية.
إن الفلسفة من تعزيز بنية بلادنا الرقابية بمؤسسة المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات لا تنحصر في ملاحظة مدى مطابقة التسيير العمومي للقانون لأن هذا المنحى من شأنه تحويل التقارير السنوية إلى تقارير تفتيشية. وبالتالي فالمطلوب أن ننتقل من تدقيق مطابقة التدبير العمومي للقوانين إلى تدقيق عمل الأجهزة والمؤسسات، ومدى احترامها لجسن التدبير.
كما أن المطلوب هو الانتقال إلى تقييم مدى فعالية النتائج، والتساؤل عن الآثار بالنسبة للتنمية من خلال تقديم الاقتراحات والتوصيات والقيام بعمليات تشخيص وتحليل للتباين بين التوقعات والمنجزات، و تدوين اقتراحات من أجل تطوير النتائج. وهذا هو الكفيل بأن يساهم في النهوض بالموارد الاقتصادية والاجتماعية، وبمساهمة المجلس الأعلى للحسابات في مجال الحكامة.
وفي الأخير، فإننا في الفريق الاشتراكي نعتبر التراكمات التي حققتها بلادنا على مستوى عمل المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات، تتجه إيجابا نحو تعزيز وتمنيع المؤسسات. ونحن من الداعمين لهذا العمل الوطني الاستراتيجي الذي سيمكننا من بناء دولة المؤسسات وفصل السلط ورد الاعتبار لحكامة تدبير الشأن العام والمالية العمومية، وكلها آليات تصب في تفعيل المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة.