الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الأول- قراءة في الفكر لسلفي (9من 28)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).
أهم القضايا التي اختلف حولها السلفيون:
في دراسة قيمة (للدكتور محمد بن مختار الشنقيطي- بعنوان (مخاض الفكر السلفي). وبعد قراءته كتاب “مقالات الإسلاميين” لأبي حسن الشعري يستغرب كيف انزلق رجل في مثل مؤهلات أبي الحسن الفكرية والعلمية إلى متاهات غريبة بل مضحكة أحيانا عندما يتطرق إلى القضايا الفقهية التي اختلف حولها فقهاء عصره في القرن الرابع للهجرة وهي:
– اختلفوا في الإنسان ما هو، على تسع عشرة مقالة …
– اختلف المعتزلة هل المقتول ميت أم لا …؟
– واختلفوا هل يجوز رفع ثقل السماوات والأرضين …؟
– اختلفوا في القتل هل يضاد الحياة أم لا …؟
– اختلفوا في كلام الإنسان، هل هو صوت ؟ على أربع مقالات…
– اختلفوا هل يطيق الشيطان حمل ما لا يطيق البشر حمله ؟.
ثم يتابع الكاتب المعاصر ذاته ليقول: وللإنصاف فإن الأشعري لم يكن الوحيد في ذلك، بل توصل العديد من العلماء إلى أن ما انشغلوا به طوال أعمارهم لم يكن سوى اختلاف عبارات وجدل لفظي، واسمع إلى قول الإمام الذهبي: (رأيت للأشعري كلمة أعجبتني، وهي ثابتة رواها البيهقي: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهدْ علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات. [قال الذهبي] قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن” فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم” . فانظر كيف أن رجالا قضوا أعمارهم في مناقشة مقولات الناس وعقائدهم، رجعوا في النهاية إلى منهج البساطة النبوي: “لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن” فأراحوا أنفسهم وغيرهم.)
هذا وفي المقابل كانت هناك قضايا أساسية اختلف عليها الفقهاء مع بعضهم, وقضايا أخرى اختلفوا عليها كلهم مع الفلاسفة. فإذا كانوا جميعاً قد اتفقوا على كليات العقيدة التي لا اجتهاد فيها، لقطعية الأدلة ثبوتا ودلالة، إلا أنهم اختلفوا في جزئياتها التي جاءت النصوص فيها محتملة، فالخلاف فيها متسع، والانشغال بها لا يحسم أمره علميا، ولا تترتب عليه ثمرة عمليا. فقد اختلف الصحابة في بعض جزئيات العقيدة، مثل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء، وهل كان الإسراء بالجسم أم بالروح، وتكليم النبي صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين في بدر، وتعذيب الميت ببكاء أهله, ومسألة خلق القرآن, وقضية صفات الله والقضاء والقدر..الخ ووردت إلينا أقوالهم وأفعالهم في هذه المسائل وعلى رأسها (محنة ابن حنبل). ومحاكم التفتيش التي وضعها المعتزلة وأهل الحديث لبعضهم في زمن المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل. كما وضعت كتب الجرح والتعديل, لزندقة فلان وتكفيره, أو لتبيض صفحة فلان والرفع من شأن دين وإيمان فلان. بل أن الكثير من السلفيين قد أنكروا على بعض إخوانهم من المسلمين الذين اختلفوا معهم سياسياً أو فكرياً في تفسير النص الديني مسألة اختلافهم معهم في الرأي والموقف فبدعوهم وأساءوا إليهم دون لطف أو ترفق، أو اعتبار للمآل والثمرات, وكأن مجرد إدانة واقع البدع والخرافات كاف للقضاء عليه. وذلك إشكال عملي على قدر كبير من الأهمية الشرعية, حيث كان المطلوب مجرد تسجيل موقف و السعي إلى تغيير الواقع المنحرف كما قوموه هم.
مسألة العصمة عند السلفية :
العصمة للأنبياء فقط, ولقد رفض دعاة السلفية تجسيد المبادئ في أشخاص ومنحهم صفة العصمة، مهما يكونوا عظماء, أو في وسائل مهما تكن ناجحة، فهي محدودة بحدود الزمان والمكان. وذلك رداً على الشيعة الذين يقولون بعصمة الأئمة. هذا وقد أجمع أهل السلف على أن كل من يقول بعصمة غير الأنبياء ضال ومنحرف عن الدين الصحيح, بل إن بعض مشايخ السلفية وبخاصة الوهابية منهم قد كفر أهل العصمة. وتقول السلفية إن الذي يتأمل نصوص الشرع ومصائر الأمم يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص، أو المبادئ والوسائل، يعتبر من أسوأ الأمراض الفكرية والعملية. (35).

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر ..26 يونيو 2014