بيان اللسان :  من أجل اللغة العربية

 

 

الجميلة وحاطب الليل. لم تكن اللغة العربية في المغرب في ضائقةٍ من أمرها، منذ الاستقلال حتى اليوم، مثلما هي حالُها الآن أمام أوضاعٍ لا يَرْضى عنها السواد الأعظم من الشعب، ومن جمهور المتعلمين فيه. وأظهر مظاهر تلك الضائقة ما تعانيه من تهميشٍ رسميّ لا يناسب مكانَتَها في الحضارة والثقافة وتاريخ الدولة والمجتمع، بل ولا يتناسب ومكانتها الفعلية، اليوم، في الواقع الدستوري والتعليمي والثقافي والاجتماعي. وليس مَرَدُّ الضائقة تلك إلى تراجعٍ في نسبة تداوُلها واستخدامها؛ إذ هي – على العكس من ذلك – زادت انتشاراً بتزايُد نسبة المتعلمين في المدارس والجامعات، وبفضل عملية التعريب النسبي للبرامج التعليمية، الذي قطعت فيه الدولة أشواطاً لا بأس بها منذ عقد الستينيات من القرن الماضي…، وإنما تعود الضائقة إلى حرمان العربية من حقوقها الدستورية في أن تكون لسان التعليم كلِّه، بأسلاكه وموادّه كافة، ولسانَ الإدارة والاقتصاد والأعمال، على مثال سائر الدول الحديثة التي تتنزّلُ لغاتُها الوطنية منزلةَ عُمْلةِ التداول الأساس في قطاعات المعرفة والإنتاج. والحرمان هذا سياسيٌّ ولا مبرِّرَ لغويّاً له، لأن العربيةَ أهلٌ لأن تنهض بأدوارها كاملةً في ميادين المعرفة والإنتاج، ولأن الذين يقفون وراء تهميشها نخبةٌ صغيرة مشدودة إلى علاقاتٍ وولاءاتٍ – لا منفعة عامّة من ورائها للشعب والوطن والدولة – تحْملها على التمسُّك باللسان الأجنبي تمسُّكاً لا يبرِّرُهُ واقعٌ ولا يُشَرعنُه دستور!
وإذا كانت هيمنةُ اللسان الأجنبي في الإدارة والتعليم والاقتصاد والمال، في السنوات الأولى للاستقلال، مفهومةً – وإنْ غيرَ مبرَّرة – لقلّة الأطر المتعلّمة والمؤهَّلَة، تأهيلاً حديثاً، باللسان العربي؛ وإذا كانت تلك التبعية اللغوية في جملة التبعية الشاملة لبلدٍ حديثِ الاستقلال تجاه الدولة المحتلة، فإن مرور ما يقارب الستين عاماً على الاستقلال الوطني يجعل استمرار التبعية تلك مجافياً للطبائع والوقائع والتراكمات، ويقيم دليلاً إضافيّاً على فقر السياسات اللغوية المُنْتَهَجَة إلى مضمونٍ وطني يتناسب وتطلعات الوطن والشعب لاستكمال حلقات التحرر الوطني من المواريث الكولونيالية. ومع أن مكتسبات اللغة العربية في المغرب غنية في مجال التكوين والتربية والبحث العلمي، وانتزعت اعتراف كثيرين في الخارج عاينوا المستويات المتقدمة التي بلغها الإنتاج الثقافي والفكري، باللسان العربي، في العقود الخمسة الأخيرة من تاريخ البلاد؛ ومع أن الاعتناء العلمي باللغة العربية زاد معدَّلاً في المغرب؛ من خلال شُعَبِها في كليات الآداب (وازدهار الدرس اللغوي واللساني فيها)، كما من خلال تضاعُف المادة المترجَمة من اللغات العالمية إلى اللسان العربي، بما فيها المادة العلمية، ناهيك بتضاعُف النشاط المعجمي…، إلاّ أن هذا الرصيد العلمي الثري يَلْقَى التجاهُل الكامل من قِبل القائمين على إدارة السياسات اللغوية، فضلاً عن أنه لا يحظى بأي رعاية مادية من الدولة على نحو ما تفعل دول العالم، جميعُها، مع لغاتها!
ولقد استمرت الحركة الوطنية المغربية، ومنذ بدايات الاستقلال، تطالب بالتعريب الشامل للتعليم والإدارة والمرافق الاقتصادية، مشدّدةً على أن ذلك يقع في صلب عملية استكمال الاستقلال والتحرر الوطني، ويُقيم الأساسات التي لا مبنًى للدولة الحديثة المستقلة إلاّ عليها. واستمرتِ المطالباتُ عينُها تتزايد من المنظمات الاجتماعية والنقابية والتعليمية بحسم التردّد، والإقدام على خطوات شجاعة في مضمار التعريب، تطوي صفحة الماضي الكولونيالي، وتفتح للمغاربة أفقاً أمام التقدم بتعظيم الموارد الوطنية الذاتية، ومنها اللغة العربية.
وعلى الرغم من ذلك كلّه، ظلتِ الاستجابات الرسمية تراوح في مكانها عند الحدود الرمزية والانتقائية، بل كثيراً ما كان يقع التراجع حتى عمّا تحقَّق من تعريبٍ نسبي؛ فكان يُؤخَذ بالشِّمال ما يُقَدَّم باليمين!
إذا كان هذا مما يبرر إصدار هذا البيان/الرؤية، فإن حاجاتٍ إضافيةً إلى ذلك طرأت في الآونة الأخيرة، وفرضت على موقّعيه الإسراع في إصداره، ومنها ذلك اللغط الذي فتحته دعوات إلى المساس بمكانة اللغة العربية في النظام التربوي، وأجابت عنها حركةُ صحوةٍ ثقافية انطلقت مدافعةً عن مركزية العربية ومرجعيتها في ذلك النظام. والموقعون على هذا البيان إذْ يشيدون بوقفة مَن وقفوا من المثقفين والصحفيين والجامعيين والمُدرّسين، دفاعاً عن اللغة العربية، وصوناً لمكانتها، وإذ يرون في ذلك علامةً صحّية على سلامة بيئتنا الثقافية الوطنية، وحيوية أعضائها، والتزامهم الثوابتَ الوطنيةَ والتاريخيةَ، يهمُّهم أن يشدّدوا على جملةٍ من المنطلقات والمبادئ الحاكمة لرؤيتهم إلى المسألة اللغوية في المغرب، وإلى مقام اللغة العربية على نحو خاص.

الكون والكيان. إن الكونية والإنسانية في القيم الثقافية لا تلغي الخصوصيات الوطنية والقومية للشعوب والأمم ولثقافاتها ولغاتها، وإلاّ كانت الكونيةُ اسماً مستعاراً للاغتصاب الثقافي واللغوي، وعدواناً غَير مشروع على حقوق الشعوب في حفظ كياناتها الثقافية واللغوية، وتعظيمِ تلك الحقوق، واستثمارِها في التقدم. والكونية ليست التخلي عن الخصوصيات، وإنما تعظيمُ تلك الخصوصيات بما يؤهّلها للمشاركة في صنع الإنسانيِّ العامّ، وإلاّ كان التخلي عمّا هو خاصّ وذاتي تذيُّلاً لخصوصيةٍ أخرى واتّباعاً، وفقداناً طوعيّاً للاستقلال وتخلٍّ مجّانيّاً عنه. وإذا كان ذلك يجوز في الاقتصاد والسياسة، عند مَن يتمسكون باستقلالهم واستقلاليتهم، فكيف لا يجوز في الثقافة واللغة حيث مساحات التمايُز والاختلاف بين الشعوب والأمم أوسع، وحيث الأوحديةُ الثقافية واللغوية أضَرُّ بحقوق الإنسان، وأفْصَحُ تعبيراً عن منازِع القوة والإلحاق؟!
قد تتعرض شعوبٌ ذاتُ تاريخٍ حضاريٍّ وثقافيٍّ عريق، مثل شعبنا، للغزو والاحتلال وفقدان السيادة، فتسقط في قبضة «حمايةِ» دول أخرى استعمارية – مثلما حصل لبلادنا – لكن إرادة الاستقلال والتحرر، عند تلك الشعوب، لا تُقْهَر أو تُكْسَر؛ إذ ما تلبث أن تنجح في دحر الاحتلال وانتزاع استقلالها الوطني.
لكن التجارب الحديثة والمعاصرة للتحرر الوطني تعلّمنا أن إحراز الاستقلال السياسي، بل حتى الاستقلال الاقتصادي، لا يكفي الشعوبَ تلك لحيازة تحرّرها الشامل وسيادتها الكاملة إن لم يرافق ذلك نضالٌ من أجل التحرر الثقافي واللغوي من ميراث الاغتصاب الكولونيالي. وليست استعادة اللسان الوطني المصادَر من مجاله الطبيعي (التعليم، الإدارة، قطاعات الاقتصاد والمال…) إلاّ وجهاً من وجوه ذلك التحرّر المطلوب استكمالُه.
إنَّ اللغات لا تُسْتَعَار أو تُسْتَورَدُ من خارجٍ، كما تُسْتَوْرَدُ السِّلع؛ إذ هي قوامُ الشخصية الوطنية لكل شعب، ومادةُ تراثها الثقافي ومضمونُه. فلا سبيل لشعبٍ إلى التعبير عن شخصيته إلاّ بلغته الوطنية، ولا سبيل إلى حُسْن التعبير عنها إلاّ بتطوير لغته بحسبانه تطويراً رديفاً لثقافته. وإذا كان لدولةٍ واقعةٍ تحت الاحتلال أن تتجرع لسان غيرها مُكْرَهَةً، فلا شرعية لإكراه شعبها على تجرُّع ذلك أيضاً، ناهيك بأن ارتفاع السبب عنها (الاحتلال الأجنبي) يُلْزمها بإعادة الاعتبار والمكانة الموضوعيَّين إلى اللسان الوطني بما هو من مقوّمات الشخصية الوطنية للمجتمع والدولة على السواء.

الخبرة التاريخية. يمكن التمييز بين التاريخ “التذكاري” أو “الأثري، وبين التاريخ “النقدي”. وينبني هذا التمييز الإجرائي على ما للماضي، عموماً، من إسقاط وإغراء، بل وسطوة على الحاضر. تراوح المجتمعات بين هذه الأشكال المختلفة من العلاقة المضطربة بالتاريخ، تذهب وتجيء باستمرار بين منظومة وأخرى، بين نظر وآخر. النظر التذكاري والاسترجاعي نظرٌ عالم، أو نظر معرفي، من دونه لا مكان للتفكر ولا للتدبر. التذكر يسمح بلملمة خيوط الزمن الطويل، ويضفي معنًى على تلاحق الأحداث وتتابع النوازل. أما التدبر فلكي لا يجنح التفكر لمفارقة، ويؤُول، من ثمة، إلى ترجيع وتوحّد. إن السموّ الحضاري لا يكون من غير وجود الآثار والصروح. بل إن إنجازات الأولين وإبداعاتهم، حتى وإن أمست أثراً بعد عين، تظل تنتج رساميل رمزية لا تعرف الوَكْس ولا النُّضوب، بل تزداد قيمة، وتعلو مردودية.
في المقابل، يسعى النظر “النقدي” إلى الحد من سلطة التذكر، ومن لوعة التوق إلى الماضي، ويدعو إلى مواجهة شجن الحكي والاستظهار باستيعاب الآن، واستباق الزمن، وبصناعة المستقبل. غير أن النظر النقدي، المنسلخ عن الماضي والمنفلت من قبضة التذكر، قد يمضي عميقاً في عملية المحو والنسخ، إلى أن يمسي النسيان التاريخي شرطاً من شروط إنجاز الحداثة، وركوب العصر والحضور في الكون.
ينطبق هذا التحليل، إلى حد بعيد، على أنماط النظر إلى اللغة العربية في تفاعل بنياتها النحوية والبلاغية مع سياق التاريخ وإفسال ألسنة أعجمية، تحت هيمنة فرنكوفونية، ما تزال مفاعيلها متواصلة إلى اليوم من جهة؛ ومع سياق الوعي الثقافي الوطني الذي أفضى في السنوات الأخيرة، بعد مخاض طويل، إلى إنفاذ “الحقوق اللغوية” في بلادنا بترسيم الأمازيغية دستورياً، من جهة ثانية.
ليس النظر النقدي إلى قدرة اللغة الفصيحة على استيفاء شروط التداول المعرفي واليومي جديداً؛ حيث إن ما نقرأ اليوم يكاد أن يكون صورة طبق الأصل لما صنف في الموضوع، منذ عصر النهضة على الأقل. المقال نفسُه للمقام نفسِه؛ لا نجد هنا أفصح ولا أفحم من هذه الفقرة البليغة للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون : “ثم إن الملة الإسلامية لما اتَّسع مُلكها واندرجت الأُمم في طيِّها ودرست علوم الأولين بنبوَّتها وكتابها، وكانت أمِّية النزعة والشعار، فأخذها الملك والعزة، وسخرت الأمم لهم بالحضارة والتهذيب، وصيَّروا علومهم الشرعية صناعةً بعد أن كانت نقلاً، فحدثت فيهم الملكات، وكثُرت الدواوين والتواليف، وتشوَّفوا إلى علوم الأمم فنقلوها بالترجمة إلى علومهم وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجرَّدوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم، وأربوا فيها على مداركهم، وبقيت تلك الدفاتر التي بلغتهم الأعجمية نسيّاً منسيّاً وطللاً مهجوراً وهباءً منثوراً. وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ودواوينها المسطرة بخطهم”. تلك الدواوين والتواليف، دقّها وجلّها، قديمها وحديثها، أكسب لغة الضاد خبرة تاريخية لايستهان بها في نقل العلوم وصياغة المدارك؛ فهي لذلك لغةٌ ونصٌّ، شكلٌ ومحتوى؛ ومن يفرط في القلْب والقالب، معاً، فهو كمن “يسعى إلى حَتْفِه بظِلْفِه”.

الجدارة المعرفية. للُّغة العربية قابلية تاريخية وذاتية كبرى للتفاعل مع معارف عصرها وعلومه، واستيعابِها، وتوطينِها معرفيّاً ومفهوميّاً واصطلاحيّاً فيها، فضلاً عمّا فيها من قابلية لتوليد واشتقاق المفاهيم والاصطلاحات المناسبة للتعبير عن المنتوج المعرفي والعلمي العربي. حصل ذلك، في الماضي، حين هضمتِ العربيةُ معارف وعلوم الإغريق والهند وبلاد فارس، واستدمجتها في منظومتها المفهومية، وحين أبدعت منظومة مفهومية خاصة في العلوم العقلية والشرعية (الفلسفة، العلوم، المنطق، الجغرافيا والمساحة، الحساب والهندسة، علم النبات والبحار، الطب والبيطرة، علم الكلام، علم أصول الفقه، علم التاريخ، علوم اللغة والنحو والبلاغة…) انتقل كثيرٌ منها إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية والكنائس الشرقية العربية. ولقد حصل ذلك اليومَ، ومنذ ما يزيد على مائتي عام (بداية القرن التاسع عشر)، من خلال تفاعلها مع اللغات الحديثة (الإنجليزية والفرنسية خاصة) والمعارف الحديثة التي أُنْتِجَت في إطار تلك اللغات؛ إذ أبْدَتْ استجابةً كبيرة لتحدّي الوافد الحديث من معارف ومفاهيم: في علوم الطبيعة، وفي علوم الإنسان، وفي التِّقانة (التكنولوجيا)، كما في الآداب والفنون؛ فوطَّنَتِ الكثير منها في اللسان والمعرفة، وطوّرت أساليب الترجمة والاشتقاق والتوليد لتتناسب مع غزارة المادة المعرفية والاصطلاحية الجديدة، وتطوّرت – هي نفسُها – واغتنت من ذلك الاحتكاك، إلى أن أصبحت قادرة على حَمْل هذا المنتوج الحضاري الكوني وتقديمه إلى القارئ العربي: في المدارس والجامعات ومن خلال التأليف والإنتاج الرمزي. وهاهي، اليوم، تحتل المرتبة الخامسة، ضمن لغات العالم، في تصنيف الأمم المتحدة. أما الذين يجاهرون بالمواقف السلبية منها، ويصرون على هيمنة لغات ليست من ضمن العشر الأوائل من اللغات في العالم، فهم يجهلون تاريخ العربية وإمكانياتها اللسانية الهائلة، وقدراتها على الهضم والاستيعاب! بل هم منفصلون – تماماً – عن تراثها الفكري والثقافي.

رهان النهضة. لا نهضة ممكنة لشعبٍ إلاّ بلغته الوطنية. وهذه حقيقةٌ قام عليها الدليل من تجارب الأمم والشعوب التي أحرزت نهضتها وتقدمها في العالم المعاصر؛ إذْ هي توسَّلتْ في ذلك لغاتها الوطنية ولم تَسْتَعِر لغات غيرها متوهِّمةً أن ذلك من مقتضيات انتهاضها وتقدّمها. وتلك حقيقة تنطَبق حتى على الدول التي سقطت في قبضة الاحتلال الأجنبي في فترةٍ من تاريخها الحديث، مثل الصين والهند وكوريا وتركيا وإندونيسيا. أما الدول التي لم تَقُم فيها لغةٌ وطنية جامعة، فسَهُل على الأجنبي فرْض لسانه عليها لساناً رسميّاً – وأكثرُ تلك الدول في أفريقيا – فلا نعلم أن منها من نجح في كسب رهان النهضة والتقدم، بل لا نعلم إلاّ أنها ما برحت تعاني أوضاعاً متفاوتة من التخلف والشقاق الداخلي.

لغة الأمم، ثروة الأمم. للاقتصاد مُدخلات مادية وغير مادية، ومن المدخلات التي تشمل الصنفين معاً مدخل اللغة. بها يتم أمر الإنتاج، وبسببها يقوم التنظيم ويتسق التدبير، وعبرها ينتظم التبادل في الأسواق، ويتحقق التداول في الأعمال. ثروة الأمم لا تتحدد بما تحت أيديها من مواردَ في الفلاحة والصناعة والتجارة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية فحسب، بل إنها تصدر أيضاً عن موارد إجرائية من أهمها وأثمنها مورد اللغة. واللغة، مثلها مثل العُمْلة، عنوان عريض للسيادة الوطنية والقومية، ومؤشر دال على توحُّد الأمَّة واجتماعها على بُغيةٍ سواء. يربط الاقتصادي الكبير أدام سميث بين الثروة والقوة؛ الأولى تمنح للأُمم أسباب التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والسمو الحضاري؛ أما الثانية فمن دونها لا يمسي التراكم ممكناً، وبغيابها لا يبيت النمو قابلاً للتحقيق والاستمرار، بل من جراء الوهن تَنْقصِم فَقارُ الاقتصاد، في آخر التحليل، ويَغيضُ “الخَيْرُ والمَيْر”.
لقد امتدَّت الجغرافيا الرأسمالية، وتوطدت بنياتُها، وتمكَّنت أنظمتُها ليس بالسلاح فقط، وليس بالإخضاع السياسي والقهر الكولونيالي فحسب، بل بالهيمنة الثقافية على وجه العموم، وبالسيطرة اللغوية على نحوٍ خاص. لقد استوت العولمة على الأرض حينما سادت “لغتها”، واستحكمت في الألسنة. وحتى قبل أن تنشأ الرأسمالية وتعم، عرفت اللغة العربية امتداداً غير مسبوق، ما تزال آثاره شاهدة عليه، و”بلغت قاموسَ البحر” بالموازاة مع التوسُّع الاقتصادي، التجاري بالأساس، ومع الازدهار الفكري والعلمي، والإشعاع الثقافي والأدبي. وحينما خضدت شوكة اللغة، نضبت موارد الاقتصاد، واكتملت شروط الانكفاء الحضاري في نفس الآن. يخطئ إذن من يظن، كما سيأتي حديثه، أن للاقتصاد لغةً خاصة، وظيفية وأداتية، منفصلة عن البنى الاجتماعية والثقافية، ومنسلخة عن الذاكرة الجماعية.
ليس الوجدان فقط هو ما يميل نحو اللغة كما يميل الماء إلى الحُدور، بل العقل أيضاً، لا سيما العقل الاقتصادي، يثبت ما للغة الوطنية من دور في توطيد أسباب التنمية الاقتصادية الشاملة، وفي إرساء دعائمها على قاعدة العدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، كما يسعى البيان إلى إظهاره.
تُشكِّل السوق العربية، الكامنة، رهاناً حقيقياً، على المستويات الاقتصادية والمالية والتجارية، لا يقف في وجهه، كما نعلم، سوى الاختلال المزمن، السياسي والمؤسسي، الذي تعرفه البلدان العربية كافة، وسوى الاعتلال العضال الذي يعتري الكيان العربي منذ قرون مضت. لننظر فقط إلى الكسب الذي لا كلفة حدية له، الذي تمثله وحدة اللسان، وإلى الفرص الجمة التي يتيحها المشترك اللغوي في ما يصطلح عليه في علم الاقتصاد المعاصر بإسقاط “كلفة المبادلة” والخفض من “لاتكافؤ المعلومات”. اللغة عامل غير مباشر وغير مرئي من عوامل الإنتاج، بل هي، بالأحرى، رأسمال غير مادي يزداد قيمة في شروط “الثورة الثالثة” التي قوامها إنتاج المعرفة، وتطوير القدرات البشرية، وتهذيب الملكات. رأسمال رمزي ذو مردودية متنامية، لكنه في الوضع العربي الراهن ليس أكثر من ريعٍ لن يُثمر طويلاً. وإذا ما درست اللغة وانقرضت، وهي القيمة المتبقِّية، ف”هل لذُناباها مِنْ مَطلب؟”

لسان الاقتصاد . هل للاقتصاد لغة خاصة به؛ من حيث البنيةُ الاصطلاحية والمنظومة السيميائية؟ كثر من يرون إلى الشأن الاقتصادي – وهو في الجوهر علاقة بين الناس – مادة خارجيةَ المنشأ، أو موضوعا برّانياً ، مستغلقاً على الإدراك، ومستعصياً على الوعي . من هذا المنظور الانسلابي للعلاقة الاقتصادية ينجم الاعتقاد أن مفردات الاقتصاد والأعمال مفردات ذات خصوصية تعبيرية ودلالية، وأن للقاموس الاقتصادي والمالي سياقات بنائية معينة وآليات توليدية محددة، تتبدل بالقياس إلى تبدل أحول التجارة والصناعة والخدمات والابتكار، وباعتبار حركية الأموال والأعمال.
يقول البعض إن لغة الاقتصاد اليوم هي، من غير منازع، اللغة الإنجليزية. أما اللغة الفرنسية المهيمنة في بلادنا منذ الحماية إلى اليوم، خاصة في المعاملات الاقتصادية والإدارية، فهي في تراجع مستمر، ولعلها لن تستطيع الصمود طويلاً حتى في عقر دارها. لا نجد نفعاً في الخوض في هذا التفصيل المتعلق بأفضلية هذه اللغة الأعجمية على تلك، وفي أيهما أَنجع لمنظومتنا التعليمية، وفي ما عسى أن يكون أَجدى لنا لساناً فيهما، فهو قياس “مقول بالتشكيك”. أما القول بأهمية امتلاك اللغات الأجنبية فهو ليس سوى تحصيل حاصل، وما من أحد يجادل فيه.
صحيح أن لسوق الشغل معايير وآليات تؤدي، في شروط هيمنة اللغة الفرنسية، إلى إقصاء اللغة الوطنية، الرسمية والحط من قيمتها الجوهرية، ومن ميزتها المقارنة في عملية التوظيف والولوج إلى الشغل في القطاعين العام والخاص. لكن ما لا يجوز التسليم به هو اعتبار الخلل اللغوي الموروث حالة طبيعية، أو موضوعية، فيما هو وضعية مبنيّة، وتركة كولونيالية كان من الممكن تصفية آثارها منذ أزيد من نصف قرن. لا معلول، إذن، من دون علة، ولن تكون اللغة العربية عامل درء واستبعاد لشرائح واسعة من المواطنين متى ما وجدت مكانها الطبيعي، والدستوري، في الإدارة والاقتصاد والشارع، وإنما شأنُها أن تُشكِّل عاملاً حاسماً في تعظيم الإنتاج الوطني الخام، وفي تجويد الإنتاجية الفردية والجماعية.
يكفي أن نراجع المتون الموسومة بكتب الخراج، والأموال، والكسب، والحسبة، والنقود، والتدبير، ناهيك باقتصاد المعاش والعمران والحضارة… وهي النصوص الأُمَّهات المؤسِّسة للفقه الاقتصادي العربي الإسلامي. ما من شك في أنه سوف يفجؤنا ما في طيات هذه التواليف والمصنفات القديمة من مفردات ما تزال متداولة في القاموس الاقتصادي، المالي والنقودي والتجاري، إلى اليوم. بل نكاد نجزم أن المنظومة الحديثة ل”مالية السوق” أمست تتوسل بأصول تمويلية، ومنتوجات مشتقة وصكوك بديلة، تكشَّفت نجاعتُها، خاصة منذ الأزمة الاقتصادية الأخيرة، في إذكاء حركة الأسواق المالية الكبرى، وفي تنشيط دورات الأعمال والاستثمار والائتمان على المستوى الدولي. لا قصور، إذن، في مقدرات اللغة العربية، ولا عَيْب في بنيتها المفاهيمية والاصطلاحية، بل “العَيْبُ أن تَعيبَ ما ليس بعَيْبٍ”.

المدارك والملكات. ليس الدفاعُ عن مركزية اللغة العربية ومرجعيتها في التعليم، والإدارة، والإعلام، وميادين الاقتصاد والمال موقفاً ضدّ غيرها من اللغات العالمية الحيّة، أو إبايةً لحضورها في تكوين النظام التربوي، أو اعتقاداً بكفاية العربية وكفاية المتعلمين بها وغَنَائهم عن غيرها من اللغات الحية، بل فيه تشديدٌ على أنها لغة التكوين الأساس، والدائمة، في مختلف أسلاك التعليم ومواده. لكن الحاجة إلى الانفتاح على منظومات العصر، المعرفية والثقافية، تقتضي – في الوقت عينه – تمكين المتعلمين من حيازة المعرفة باللغات العالمية الحيّة، وخاصة تلك التي يقع بها، اليوم، إنتاجُ المعارف والعلوم، والتي يجري استخدامُها على أوسع نطاقٍ في العالم؛ فالاستغناء عن هذه اللغات، في نظامنا التربوي، مستحيل ولا يعني سوى خيانة التقاليد الحضارية للثقافة العربية نفسها، مثلما هو مَسْلَك سيَحْكُم على مجتمعنا بقطع أواصر التواصل مع العالم الخارجي. على أن المبدأ الحاكم لخيار تقوية فرص تعلّم اللغات الأجنبية، وامتلاكها، ينبغي أن يكون (هو) مبدأ المصلحة (المنفعة)، وأن لا نلتفت – في ذلك – إلى المواريث الثقيلة التي تكبّل تحرُّرنا منها، وتمنع أبناء شعبنا من الاستفادة من تعدُّد لغوي أجنبي حقيقي لصالح أحادية لغوية أجنبية ستحكم على مجتمعنا بالانغلاق في قفصٍ لغوي ضيّق!
إن التكوين والتعليم والبحث العلمي، في المجتمعات كافة، لا تَكون إلاّ باللغات العالِمة، التي لها تاريخٌ في إنتاج المعارف ومنظومات الفكر النظري والعلمي، والإنتاج الأدبي والرمزي، أي اللغات التي أتيح لها مجالٌ تاريخي طويل من التراكم المعرفي. أما لغات التواصل اليومي والمُخَاطبة الشفاهية (العاميات) فهي لغات التبادل الرمزي للقيم، وهي جزء من الثقافة، بمعناها الأنثروبولوجي الواسع، وحاملٌ من حواملها، وأداةٌ من أدوات التعبير الثقافي (الأدبي والفني)، لكنها ليست أداةً من أدوات الفكر والمعرفة، ولا تَقْبَل إخضاعَها – بعمليةٍ قيصرية – لأداء وظائف فكرية ومفهومية غير مؤهَّلَة للنهوض بها. وقد يكون زجُّها في «مغامرة» الصيرورَةِ لغةً عالِمة تزويراً لتاريخها اللسني والشعبي، وانتقالاً غيرَ مشروع بها من التلقاء الحُرّ إلى التقنين الذي يُفْقِرها من حيويتها الاجتماعية. ولكن، بمثل ما يتعين التشديد على وجوب التكوين والتعليم والبحث العلمي باللغة العالِمة، وهي – هنا – العربية الفصيحة، يتعيَّن – في الوقتِ عينِه – رفع مستوى الاعتناء بالعامية، وتدوينُها في معاجم لحفظها من التبدُّد، والاشتغال العلمي عليها كلغة تاريخية (لغة الذاكرة الجَمْعية)، ولغةِ تواصُلٍ اجتماعي، ولغةِ تعبير أدبيّ، وكتابةِ تاريخها اللّسني: المركزي والجهوي، ودراسة صُوَر تفاعلها مع اللغة الأمّ (العربية) ومع محيطها اللغوي (في الريف والأطلس والجنوب والصحراء)، كما مع اللغات الوافدة من الخارج (الفرنسية، الإسبانية…)، وتشجيع الدراسات اللغوية في الموضوع.
إن المحاولات المتكررة لإحداث الخصومة المفتعَلَة بين اللغة العربية والعامية المغربية (الدارجة)، أو بين اللغة العربية و(بين) الأمازيغية أو الحسَّانية، محاولات عبثية ويائسة، ناهيك بأنها ممجوجة بجميع المقاييس وتجرِّبُ مستحيلاً! ذلك أن الإيقاع بين العربية والعامية أشبه ما يكون بالإيقاع بين الأمّ وابنتها؛ والإيقاع بين العربية والأمازيغية، أو بينها والحسّانية، كالإيقاع بين أختين شقيقتين جمع بينهما النَسَبُ إلى ذات الوطن الواحد، والتاريخ الثقافي والاجتماعي والأُسْري الواحد، لمِئات السنين: تبادلا فيها التأثير والتَّناهُل من مَعينَيْهما. والذين يخوضون في معامع هذه الوقيعة لا يَبْغُون منها سوى إحداث فتنةٍ وحربٍ أهليةٍ لغوية داخل الوطن الواحد والثقافة الواحدة. وهم لا يرمون من ورائها – بعد استنزاف لغات الشعب والوطن في حروب دونكيشوطية – سوى التمكين لِلِسانٍ أجنبيّ بعينه من أن يتصدَّر المشهدَ اللغوي الرسمي تحت عنوان الحاجة إلى «لسانٍ جامع» على مثال ما جرّبوه في العهود الكولونيالية في أفريقيا جنوب الصحراء، وعلى مثال ما حاولوا تجريبَه – فاشلين – في الهند! وسيكون على أبناء المغرب الواحد أن يتيقظوا لهذه المكيدة بما يكفي ليرُدّوا عنهم غائلتَها صوناً للمشتَرك الثقافيّ والاجتماعي والوطنيّ بينهم.
لا مجال لإنكار الحاجة التربوية الماسّة إلى تيسير تلقين العربية، وقواعد صرفها ونحوها، للناشئة في المدارس لرفع عبء تحصيلها على القواعد الكلاسيكية المألوفة. وهذه مهمّة ليست بالعسيرة على المختصين في علوم اللغة وفي تاريخ اللغات المقارن، كما أن سوابق الاجتهاد في التيسير النحوي العربي تقدّم مادةً يمكن البناء عليها في هذا الباب. وما أغنانا عن القول إن الإقدام على خطوةٍ من هذا الضرب وقْفٌ على توافُر إرادة الإصلاح البيداغوجي اللغوي، وعلى قرارٍ سياسي-تربوي في هذا الشأن. كما أن من النافل القول إن مثل هذا المسعى يفترض توفير الأطر المؤسسية اللغوية الخاصة بهذا الشأن، والموكولة إليها هذه المهمّة، وذات السلطة العلمية المرجعية في اللغة العربية، بحيث لا يُتْرَك الأمر لاجتهاد اللجن التربوية. وإذا كان المألوف أن مجامع اللغة العربية هي الأطر المؤسسية ذات السلطة اللغوية المرجعية في غير بلدٍ عربي، من البلدان العريقة في النشاط العلمي اللغوي المؤسسي، فإن قرار المغرب إحداث أكاديمية للغة العربية ينتظر الإنفاذ والتصريف، حتى يصير في وسع هذا الإطار اللغوي المؤسّسي أن يضع برنامجاً عمليّاً وبيداغوجيّاً لتيسير تعليم اللسان العربي على القواعد اللسانية الحديثة، جنباً إلى جنب مع برنامج علميّ أشمل للنهوض بأوضاع اللغة العربية: معجميّاً، وتقعيداً، واصطلاحاً، وقَوْمَسةً، وتأْريخاً، وبحثاً علميّاً…

المشترك الوطني. إن الجدل الجاري، اليوم، حول اللغة جدلٌ سياسيٌّ بامتياز، وإن تَسَقَّط له – من هنا ومن هناك – مفردات فكرية، ودعاوَى تربوية، يغطي بها على مضمونه السياسي. وليس من شك في أن مسألة اللغة في المغرب مسألةٌ سياسية في المقام الأوّل، أو هي مسألة السياسات اللغوية المطبَّقة، والسياسات المضادة التي يدعو إليها هذا الفريق و ذاك. والأّهمّ من هذا كلّه أن القرار الأعلى حول اللغة، في أية دولة حديثة، قرارٌ سياديٌ لا يدخل في سوق المناكفات والمنازعات السياسوية، لأنه يتعلق بواحدةٍ من أخصِّ خصائص الشخصية الوطنية والروحية، ومن أساسات الكيان الوطني. وإذا كان التشديد على الطابع السياسي لمسألة اللغة في أيّ كيان (في ارتباط ذلك بالإرادة الوطنية المستقلة أو بفقدانها)، فإن ذلك لا يعني – بأي حال – إدخال المسألة في نفق المضاربات السياسوية، واستسهال التعاطي معها وكأن الأمر يتعلق بجدلٍ حول خياراتٍ قابلةٍ للتبدّل! بعبارة، اللغة العربية مشترك وطني محفوظ وموقوف، وملكية شعبية لا توكيل فيها. أما من حيث “التجربة الذهنية” فهي (أي اللغة) “شأنُ مَنْ لا شأنَ له سوى هذا الشأنُ”.

المُوقِّعون (حسب الترتيب الألفبائي)

1. ابراهيم الخطيب
2. أحمد الخمليشي
3. أحمد اليبوري
4. أحمد بوحسن
5. أحمد شحلان
6. أحمد المديني
7. ادريس بنسعيد
8. أحمد بوزفور
9. ادريس كتير
10. الطيب بناني
11. العربي مفضا ل
12. العياشي أبوالشتاء
13. المختار بنعبدلاوي
14. الميلودي شغموم
15. بشير القمري
16. بنسالم حميش
17. خالد السفياني
18. رضوان الطويل
19. سعيد بنكراد
20. سعيد بنسعيد العلوي
21. سعيد يقطين
22. سليم رضوان
23. شرف الدين ماجدولين
24. طه عبدالرحمان
25. عائشة بلعربي
26. عبد الإله بلقزيز
27. عبد الجليل الحجمري
28. عبد الجليل طليمات
29. عبدالحميد عقار
30. عبدالجليل ناظم
31. عبدالرحيم بنحادة
32. عبدالرفيع الجوهري
33. عبدالصمد الديالمي
34. عبد الغني أبوالعزم
35. عبدالفتاح الحجمري
36. عبدالقادر الشاوي
37. عبدالكريم الطبال
38. عبدالكريم برشيد
39. عبد المجيد الصغير
40. عبدالمجيد القدوري
41. عزالدين الخطابي
42. علال سيناصر
43. علي كريمي
44. فؤاد بوعلي
45. مبارك ربيع
46. محمد الاخصاصي
47. محمد الأشعري
48. محمد الحبيب طالب
49. محمد الشيخي
50. محمد العربي المساري
51. محمد العمري
52. محمد الفايز
53. محمد القبلي
54. محمد المصباحي
55. محمد الميموني
56. محمد الناصري
57. محمد الهرادي
58. محمد عزالدين التازي
59. محمد بنيس
60. محمد سبيلا
61. مصطفى المسناوي
62. مليكة العاصمي
63. نجيب العوفي
64. نورالدين أفاية
65. نورالدين العوفي
66. وفاء العمراني
……..

…لنشرة المحرر عن طريق /ذ . عبد الجليل طليمات

27 يونيو2014