الهامش مركزاً والهامشي رئيساً

 منشور  بالتجديد العربي..23 يونيو2014

في خضم الانتفاضات الشبابية العارمة في فرنسا وقسم من أوروبا، في مايو من العام 1968، وفي سياق النتائج الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تولدت منها، انتبه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وبعده علماء اجتماع فرنسيون مثل بيير بورديو وموريس غودولييه،

إلى ظاهرة مثيرة على صعيد وسائل إفصاح شباب الانتفاضة عن هواجسهم ومواقفهم كتابة، لم تكن مألوفة في البيئات الجامعية والمدرسية قبل أحداث 68، ولا كانت مما اعتيد على استقبالها في خطاباتهم المكتوبة في المجلات الحائطية، والنشرات الثقافية والسياسية النضالية التي كانت تشرف عليها الاتحادات الطلابية، أو التيارات الشبابية الطلابية المنتسبة إلى الأحزاب. والظاهرة المنتبه إليها من المفكرين أولاء من وجهين: وسائلي – أو أداتي- وخطابي.

فأما الوجه الوسائلي منها فمكمنه في أن شباب انتفاضة 68 وسعوا مساحات التعبير بحيث شملت كل مكان يمكن أن يصلوا إليه: جدران الجامعات والمدارس والمدن، الحمامات العمومية (المراحيض)، محطات المترو والقطارات، واجهات الحافلات الجانبية… إلخ. لم تعد النشرة الطلابية أو المجلة الحائطية تكفي لتحمل ذلك الزخ اليومي من مواقف الاحتجاج والرفض، التي انفجرت في الانتفاضة – ابتداء- ثم ما لبثت ارتدادات زلزال الأخيرة أن زادت من منسوب كمياتها المتدفقة. وما كانت صحف اليسار ومجلاته لتفسح مكاناً لهذا الفيض من البوح الرافض، فاليسار كان يقفل منابره على نفسه قبل الانتفاضة. وهي حين اندلعت بدت صرخة احتجاج عليه، هو نفسه، مثلما على النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام السياسي البرجوازي، وإن اختلفت درجات الاحتجاج.

وأما الوجه الخطابي، المتصل بموضوع التعبير ومضمونه، فمكمنه في ذلك الترخص الذي منحه شباب الانتفاضة لأنفسهم في أن يطأوا مناطق المنع – أو مناطق الممنوع- السياسي والثقافي والمجتمعي والقيمي. وهو الترخص الذي أوسع المساحات أمام الهامشي والمنسي والمكبوت والمسكوت عنه من المسائل، فأقحمها في دائرة الكتابة والتعبير والتداول مخرجاً إياها من الحيز الضيق للبيئات الجامعية – اليسارية خاصة- إلى النطاقات المجتمعية الأرحب، على الرغم من أنها صدمت الشعور المجتمعي الجمعي، فبادلها بالصد والامتجاج، ولم يلتقطها إلا بعض من الباحثين والمفكرين ليستضيفها في البحث العلمي، كموضوعات للتفكير جديدة، مثلما فعل ميشيل فوكو وبيير بورديو مثلاً.

ولقد شهدنا بعض آثار خطاب الهامش، في السياسة، لدى بعض يسار السبعينات في البلاد العربية، وخاصة في المجتمع الطلابي المغلق، مثلما شهدنا بعض آثاره، في الثقافة، لدى بيئات ضيقة من المجتمع الثقافي العربي. غير أن المقاومات الثقافية والقيمية المختلفة التي أبداها المجتمع والثقافة في وجه طفو ذلك الهامش، وما أحدثه تداوله من خدش في المنظومات المعيارية والثقافية القائمة، ومن خروج حاد عن المألوف، كان لها أن احكمت طوق الحصار على ذلك الخطاب وتعبيراته المختلفة (السياسية، والفنية، والسلوكية..)، ولم تلبث موجة التقليد – التي عادت الحياة إلى قواها وثقافتها منذ مطلع الثمانينات- أن تكفلت بمحو البقية الباقية من صور حضور خطاب الهامش في المجتمعين الطلابي والثقافي.

ما يحدث اليوم شيء مختلف تماماً، منذ أطلقت الثورة التقانية الجديدة مفاعيلها في ميادين الإعلام والاتصال، وأحدثت نتائجها آثاراً بالغة النفاذ في المعايير ومنظومات القيم. ما كان في حكم الهامش والهامشي في المجتمع، ما كان يصعب إخراجه إلى المجال التداولي، بسبب الموانع السياسية أو الاجتماعية- القيمية، بات اليوم في صدارة القضايا والموضوعات التي ينشغل بها الناس: تداولاً أو كتابة، من دون خوف أو وجل أو خجل. في الفضائيات الإعلامية الغربية شيء من ذلك، أكانت سياسية- إخبارية، أو ثقافية، أو فنية، أو امتاعية. وتكاد مساحة الممنوعات فيها – خاصة في مجتمعات الغرب- أن تطغى على مساحات المألوف والمكرور. وفي وسائط التواصل الاجتماعي، عبر الشبكة العنكبوتية، الكثير الكثير منه، إلى الحد الذي أصبح فيه ما كان مهمشاً يبتلع جغرافية المجال التواصلي برمتها، وأصبح فيه ما كان يهمس به في السر يقال في العلن على أوسع نطاق.

لم تنحصر ظاهرة تظهير الهامش والممنوع في مجتمعات الغرب، فحسب، وإنما انتقلت سريعاً إلى مجتمعاتنا العربية، عبر الوسائط عينها، على الرغم من الفارق في منظومات القيم، ومن عدم قابلية مجتمعاتنا العربية والإسلامية لاستقبال أفكار وقيم تمجها الأخلاق العامة، أو يمنعها القانون، أو يستقبحها الدين… إلخ. وإذا كانت تكنولوجيا الاتصال قد فرضت ذلك الهامش، بعنف، في مجتمعات الغرب، حيث لم تتحقق مركزيته في المجال التداولي بفعل آلية تراكم وتطور طبيعيين، فهي فرضته في مجتمعاتنا بعنف أشد وطأة، وأبعد مدى في زعزعة أركان المألوف مما كانه في مجتمعات الغرب. على أن شعوب الغرب تستفيد، على نطاق واسع، من موجة زحف التعبيرات الهامشية، في المجالين السياسي والثقافي خاصة، أكثر مما تستفيد منه مجتمعاتنا بسبب يسر اتصال أي مواطن في بلدان الغرب بوسائط الاتصال والتواصل الحديثة، خلافاً لما هي عليه علاقة المواطنين العرب بهذه الوسائط. وقد يكون من المبكر أن يصدر المرء حكماً على الظاهرة اليوم، ومدى ما تحمله في جوفها من فوائد أو مساوئ، لكن الذي ليس من شك فيه أن انبجاس هذه المساحة “الحرة” من التعبير، وإفصاحها عن نفسها جهراً، أفضل ألف مرة من أن تظل طي الكبت والمنع.