د.طرابلسي: البديل الوحيد للديمقراطية جاهز هو الديكتاتورية!


التاريخ: ١٧/٦/٢٠١٤
 عن مؤسسة الفكر الاسلامي المعاصر

د.طرابلسي: البديل الوحيد للديمقراطية جاهز هو الديكتاتورية!

حاورته: رحيل دندش

الدكتور فواز طرابلسي ماركسي عربي ساهم بتأسيس عدة تنظيمات، كان آخرها منظمة العمل الشيوعي التي انتسبت إلى يسار عمل على تجديد نفسه. منسجم مع المقاومة الفلسطينية ومن دعاة الوحدة العربية من دون أن يكون قومياً عربياً. مقاوم منذ أن كان هناك مقاومة في لبنان ضد إسرائيل، وكان أحد الخمسة الذين أسّسوا جبهة المقاومة الوطنية في شهر آب 1982 إلى جانب جورج حاوي وخليل الدبس ومحسن إبراهيم وحسن حمدان. أطلق في 16 أيلول ما سمّي بجبهة المقاومة الوطنية التي تعايشت وتوازت مع المقاومة الإسلامية خلال تلك الفترة، ثم ضمرت لأسباب داخلية وخارجية. يعزي أسباب تراجع اليسار في لبنان إلى أنه أصبح مدمّى بحرب أهلية في حين نشأ طرف آخر بإمكانيات أكثر وزخم أقوى وقدرة تعبئة وتولّى مهمة تحرير الأرض.

غادر طرابلسي العمل السياسي والحزبي منذ العام 1985، وهو الآن مستقل يكسب عيشه بالعمل التعليمي الأكاديمي، ويكتب بالصحافة.

يرى د. طرابلسي أن الثورات التي انطلقت في العالم العربي ثورات حقيقية. “في كتابي “ثورات بلا ثوار” محاولة لإثبات ذلك”.

سلطة المال في لبنان

يعتبر د. طرابلسي أن تحويل النظام في لبنان إلى نظام طائفي هو وسيلة لإخفاء أن السلطة الفعلية هي سلطة المسيطرين على الاقتصاد، وهم –برأيه- من كل الطوائف. “التنظيمات الوحيدة المتعددة الانتماء الطائفي هي النقابات أو الهيئات الاقتصادية، وقد أوجدت حلاً لنسب التمثيل بين المسيحيين والمسلمين في أسبوع واحد”. حسب رأيه لم يبرز أحد من الأطراف اللبنانية في موضوع مكافحة الفساد، والذي يتطلب كحد أدنى ضبط حسابات الدولة ووقف الهدر والاهتمام بمصالح الناس وتخفيض الانتفاع من المال العام.

أين هي الفوضى الخلّاقة؟

اليوم وانطلاقاً من المدخل السوري، يرى طرابلسي أن النزاع الاقليمي هو نزاع بين السعودية وإيران مع التباسات لها علاقة بقطر وتركيا. وهو نزاع “لا أرى فيه أي شيء من نزاع مع الامبريالية أو ضد الامبريالية، فالنظام الإيراني يتجه أكثر فأكثر إلى التعايش مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك مسار الآن أراه متقارب بين المعسكرين وهو ينضبط أكثر فأكثر تحت عنوان أمريكي اسمه الحرب الكونية ضد الإرهاب”.

يتساءل طرابلسي عن سبب تكاثر  الإرهابين إلى هذه الدرجة، فهل هم كذلك لأنهم مسلمون متشدّدون أم أن هناك أساساً اجتماعياً أدى إلى هذا الأمر؟ ويضيف “كان الأمريكيون في البداية يقولون نحن نحتاج إلى تجفيف منابع الإرهاب، كانوا يقصدون فيها المال، حسناً ولكن ألا توجد منابع اجتماعية للإرهاب؟”، فبرأيه أن العشائر تنضم بكاملها إلى القاعدة لأنها مهمشة وفقيرة.

  ويرى أن معنى تحويل قضايا المنطقة إلى قضايا أمنية هو أن ليس هناك سوى الجيوش، وهذا يؤكد بالتمام ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا عكس القول إن الأخيرة تسعى إلى الفوضى الخلاقة والتي هي ناتجة من سذاجتنا في قراءة الخصم على حد قوله. “إن الولايات المتحدة هي قوة ضبط الأمن الإقليمي والإسرائيلي والداخلي وبالتالي  ينصب جهدها الرئيسي على تدعيم الجيوش وأجهزة الأمن والإبقاء على القاعدة العسكرية للأنظمة الحالية”.

اليسار والربيع العربي

اليسار، حسب الدكتور طرابلسي ليس بحاجة إلى إعادة تعريف. فهو كل اتجاه يعتبر أن اللا مساواة على الأرض هي بشرية وهي ليست عائدة لا للطبيعة ولا لله تعالى، وبالتالي الهم الأساسي هو كيف ندمج ونلائم بين قيمتي الحرية والمساواة.. مشدداً على أنه عند الحديث عن اليسار فإننا نتحدث عن قوى لا تغفل أن هناك طوراً جديداً من الرأسمالية مطلوب مواجهته.

يعتبر أن اليسار هو الأكثر وطنية، وهو الأكثر استعداداً لوعي ضرورات الوحدات القومية. وتاريخه خير شاهد على ذلك، فهو الذي وحّد فيتنام والصين وهو الذي أنهى النظام العنصري في جنوب أفريقيا…

واقع الحال كما يراه اليوم هو أن اليسار انفلق إلى قسمين قسم يتبنى تصوراً بدائياً للعداء للكولونيالية، يعتبر أنه يجب دعم أنظمة استبداد بحجة أنها وطنية معادية للكولونيالية، ويسار آخر متوهم بأن الأمريكان آتون بالديمقراطية. “أنا ضد الاثنين وساجلت ضدهما وأرى نفسي معزولاً بين هذين التيارين ولا علاقة لي بأي منهما “. يؤكد طرابلسي أن اليسار هو موقف مستقل، وبالتالي إذا أراد أن يبني نفسه من جديد في المنطقة عليه أن يبني استقلاله الفكري والتنظمي والسياسي. وهذه المقومات الثلاث غير موجودة.

يعتقد أن الثورات العربية أعطت فرصة استثنائية لليسار، ولكن ما حدث أن معظم اليساريين لم يحسنوا استخدامها، وما زاد الطين بلّة هو تطورات الثورات نفسها، وانقلابها إلى حروب أهلية، حيث فُرض خياران أحلاهما مرّ إما الإسلاميين أو العسكر. “ليس هناك مهمة أراها راهنة ومستعجلة يستطيع اليساريون القيام بها. هناك جو يساري نما بين الشباب خاصة من خلال النضال السلمي واحتلال الساحات والميادين والتظاهرات ولكنهم كانوا ضحايا الحلول”.

الدولة المدنية “تجليطة”!

يرى طرابلسي أن العلمانية هي تدبير سياسي يقضي بفصل المؤسسات الدينية عن الدولة وفصل الدولة عن المؤسسات الدينية. فالمجتمع هو ميدان للتدين ولللاتدين. مؤكداً أن مجتمعات الدول العلمانية بأكثريتها هي من المؤمنين. ويرى أن كلمة مدنية “تجليطة” (أي كذبة) توافق عليها أناس يعتبرون أنفسهم علمانيين وإسلاميين. فالديمقراطية تعني المساواة السياسية والقانونية للمواطن. ويتولى التشريع المندوبون المنتخبون من الشعب. فهي قائمة على مبدأ السيادة الشعبية. لذلك فالمرجع الوحيد للتشريع هو المنتخبون من قبل الشعب. “أنا أقبل بأي تشريع يقوم به المنتخبون من الناس”.

ينتقد الدكتور طرابلسي الذين لا يوافقون على هذا المبدأ، معتبراً أن من يريد أن يفرض أمراً ما عليه أن يقوم بقوة تستطيع أن تفرضه. “هل من المعقول أن الكتلة التي تسمى يساراً أو ليبراليين أو علمانيين أو مدنيين أو ديمقراطيين يعمدون إلى تأييد الديكتاتورية بدلاً من أن يعملوا لكي يصلوا إلى أكثرية برلمانية ؟! لست مع الديكتاتورية، أنا مع الناس أن تختار خطأ وتصحح، والدليل أنها عندما تختار خطأ وبعد سنة تصحح، وهذه مصر كنموذج”.

 يشدّد طرابلسي على أن من يريد مجتمعاً نظيفاً وحداثياً ومدنياً وهو مسترخ في مكتبه فلن ينجح! “علينا أن ننزل وننافس، ومن يخسر الناس بإمكانه أن يستعيدهم. أما القول أئتونا بدولة مدنية، وإلا فإن الديمقراطية لا تعجبنا! ما البديل؟ البديل الوحيد للديمقراطية جاهز هو الديكتاتورية. نحن نخشى من كون الديمقراطية تأتي بالناس الذين لا نريدهم”.

المؤسسات الثقافية

ورداً على سؤال حول رأيه بمن ينادي بالحاجة إلى ثورة ثقافية من أجل النهوض بواقعنا العربي، أجاب طرابلسي أن أغلب المؤسسات الثقافية التي تنتشر في العالم العربي، هي بيد الأنظمة النفطية تماماً كما أن الإعلام بيد الرأسمال النفطي، ويرى أن هناك قيوداً حقيقية على وظيفة الثقافة وتعريف الثقافة، وبالتالي ما هو مشترك بين هذه المؤسسات أنها لا تنتج معارف في المنطقة، هي إما تترجم أو تروّج. وعن مصلحة هذه الأنظمة في إنشاء هذه المؤسسات، فيقول: “هؤلاء عباقرة يتحدثون معك بأحلى الكلام، المهم أن لا يطاولهم، فليس هناك أسهل من الحداثة خارج مؤسسات السعودية، المهم أن لا يتسرب شيء منها إلى داخلها. هناك دائماً أمراء وأجنحة في هذه السلطات تتوسل إعلاماً خارجياً لتمرير ما هي مؤمنة به، هناك تيارات ليبرالية في السعودية والامارات وفي الكويت لها مصلحة بما يقال من خلال هذه المؤسسات ضمن حدود وضمن التسويات.. كالجزيرة التي بلغت في فترة مرحلة بالغة التقدم وفي مرحلة أصبحت بوقاً للسلطة”.

النهضة.. قصتنا الطريفة!

بالنسبة إلى موضوع النهضة، فإن أطرف موضوع في العالم هو قصتنا نحن والنهضة على حد تعبير طرابلسي، برأيه أن من يريد النهضة لا يقول ذلك، فهو إما أن يقوم بنهضة أو لا يقوم. ويعتبر أن هناك بعض الشخصيات التي ننسب لها بأنها قامت بالنهضة من المصريين واللبنانيين ومن تلاهم من أفراد حاولوا أن يجددوا في كل المجالات من الأدب إلى الدين في ظروف ثقافية واجتماعية معينة. نحن فيما بعد عندما كنا نؤرخ قلنا إن هذه كانت نهضة. “طُلب مني وشاركت إلى حد الملل في العمل على صيغة وبرنامج نهضوي. المشكلة في المنطقة أن الفكر عندنا هو فكر التمنّي وليس فكر إنتاج معارف. نحن لا نعرف وضعنا ولا نعرف الخصم. بالتالي السؤال الرئيسي للحداثيين وعليهم هو كم هم مستقلون عن الأنظمة؟ زين العابدين بن علي، على سبيل المثال، كان يأتي بمفكرين حداثيين ويمنحهم أوسمة”.

يشدّد طرابلسي في هذا الإطار على أن التعاطي مع الحركات الإسلامية لا يكون باعتبارها تخلفاً، بل هي تنظيمات حديثة، “هي إعادة إنتاج ما هو قديم في ظروف جديدة ولأغراض جديدة وعلى قوى اجتماعية جديدة وهنا يكون العمل.. هي جزء من الحداثة ومن يريد حداثة أخرى عليه أن يدق بهذه الحداثة”.

وفي حين أن الثقافة هي انتاج معرفة، “نحن حوّلناها إلى أن هناك عالماً سبقنا وعلينا اللحاق به، وبالتالي سنبقى معلّقين! أننا الحضارة الوحيدة في العالم القريبة إلى هذا الحد من أوروبا، ولكن لا نستطيع أن نتصور إلا أن نكون كأوروبا”. أوروبا، كما يؤكد، قامت بعدد من الخطوات حتى أصبحت أوروبا الحديثة الصناعية، فهي لم تستورد سلعاً من أماكن أخرى.. فمن يريد دولاً ديمقراطية عليه أن يأتي بها من عنده.

ومن وجهة نظره أن الثقافة لا تصنع حداثة، أما الحداثة فهي تصنع ثقافة. أما فكرة أن النهضة الأوروبية هي التي قامت بالديمقراطية وقامت بالتنوير، فهذه فكرة غير صحيحة، فمن قام بكل هذه الأمور هي الثورة العلمية والتصنيع. أما على قاعدة الاقتصاديات النفطية الراعية لبعض المؤسسات الثقافية فلن نقوم بشيء سوى أن نستورد بضاعة.

الإصلاح الديني وتغييب الاقتصاد

ينتقد د. طرابلسي الذين يدعون إلى قيام إصلاح ديني، متسائلاً عن معنى الدعوة إلى اصلاح بروتستانتي بالإسلام؛ “نقرأ نصوصاً تقول أنه يجب أن يكون هناك اصلاحاً بروتستانتياً في الإسلام ما هو؟ إننا نقدم رؤية محزنة لما هو معنى الاصلاح الديني، فالمقابل للوثر عندنا هو محمد بن عبد الوهاب!”.

ويضيف متسائلاً: “هل الإصلاح الديني يسبق الاصلاح الاجتماعي أم يأتي بعده؟ نحن دائماً نرى أن الاقتصاد غير مهم، والسياسة لا نريدها والمطلوب إصلاح ثقافي! فماذا يعني ذلك؟ “.

ويشير في هذا الإطار إلى أن تقارير التنمية البشرية توصلت إلى أن التنمية الاقتصادية غير مهمة الآن، فالمهم هو تنمية البشر، كما توصلت هذه التقارير إلى استنتاج أنه يجب أن نترجم وأن هناك نقص في الترجمة عند العرب!

يشدد د. طرابلسي على أن القيم والأفكار التي قدمتها الانتلجنسيا للثورة ما كان ليكون لها معنى لو لم يتلقفها بشر ولو لم تقابل وضعاً اجتماعياً يحتاج لها، وتطورات اجتماعية استدعتها. “إن الأفكار ممكن أن تكون سبّاقة على الحاجة لها فلا تلتقط، وأحياناً تأتي الأفكار في الوقت المناسب ومزامنة للحاجة الاجتماعية لها فتلتقط. فالنهضة الأولى في أوروبا في القرن الخامس عشر كان لها علاقة ببداية التجارة في المدن الإيطالية، والنهضة الثانية للأفكار كان لها علاقة بالثورة العلمية بفرنسا وانكلترا، أما النهضة الإيطالية، فصحيح أنها أسست لإصلاح ديني، ولكنها لم تحرك شيئاً على صعيد المجتمع، وانهارات الإمارات الصغيرة التي قامت عبر التجارة مع أسيا، في حين أن الثورة الفرنسية أنتجت ثورات سياسية واقتصادية”.

ويجيب طرابلسي على من يطالب بثورة ثقافية بالقول إننا لن نفعل سوى أن نكرر ما كان يقوله محمد عبده والأفغاني والكواكبي والبستاني… مستغرباً أن أحداً من هؤلاء حتى لم يتكلم في الاقتصاد غير أحمد فارس الشدياق والطهطاوي، “فمن أين يأكل الناس؟ هل نأكل قرباناً مقدساً ونشرب ماء زمزم!”.

يعتقد طرابلسي أن الامبريالية الأمريكية الآن هي التي تفرض أن الأولوية هي للثقافة، فهذا هو هنتنغتون. الإسلاميون هم النموذج الثقافوي ولذلك هم “لقطة” أمريكية وليس من قبيل الاستتباع… وبالتالي تغييب دائم للاقتصاد وتغييب دائم للناس.

“رأيي في قسم كبير مما نسميه ثقافة هو تمني ورسم أفضل صيغة مثالية للمجتمعات، وهذه النظرة للثقافة المشكلة الأساسية فيها أن لا زمن لها. فهي لا تقول من أين عليّ أن أبدأ وإلى أين أريد أن أصل.. ولذلك فالنهضويون ليس لهم زمن، أنا أقدّر كل العمل الذي يقوم به أناس كجورج طرابيشي وعفيف الأخضر وعزيز عظمة… ولكن التبشير بالعلمانية والعقلانية لا يجيب لوحده على مشكلات مجتمع، إنما يناقش أجزاء من الفكر الديني. ماذا عن الاقتصاد؟ فماذا تفيد عقلانيتي عندما أقرأ البرنامج الاقتصادي الذي يسمّى البرنامج النهضوي للإخوان المسلمين والذي هو نقل حرفي لتوصيات البنك الدولي؟”.

يرى طرابلسي أن هناك إسهامات كبيرة في إعادة تفسير النص الديني وإعادة النظر في الدين على أساس منتجات العقل الحديث، ولكن برأيه أن الدين في الممارسة هو ما علينا أن نعرفه أكثر. “هناك نظرة سائدة وهي أن الإرهابيين أناس متشدّدون دينياً، وبالتالي فإن الجواب عليهم هو في الأقل تشدداً هذا حسب الرؤية الأمريكية. السيدة كلينتون قالت للسيسي انتبه على الأقباط والنساء! هذا حرفياً ما تعرضه علينا الولايات المتحدة الأمريكية فكرة الأقليات (دينية أو اثنية الأمر سيان)… ما أقصده أن هناك مقاربة عقلانية للظاهرة الدينية ولكن المقاربة السياسية غير عقلانية، ومخاطر السياسة أن مصادرها ما يُعبئ، أي القبيلة والمقدس، وهذا ما علينا أن نواجهه، وعلينا أن نواجهه من حيث هو ضعيف وليس من حيث هو قوي، وهنا خلافي مع العقلانيين. أنا أريد أن أضرب الخصم حيث هو ضعيف وهو ضعيف حيث لا يستطيع أن يجيب عن مشكلات العصر المعقدة ليس لأنه متخلفاً وإنما لأنه ليس مهيأ للتعاطي معها أو لأن لديه حلولاً فاشلة سلفاً أو لديه حلولاً مستفزة للناس.. فليس أسهل من أن تقول ليس هناك عجيبة وأن تسخّف من هذه الأمور، ولكن لماذا لا تشرح لي لماذا هناك أناس مضطرون لأن يصدقوا أن هناك عجائب؟ السؤال وهنا برأيي تبرز أهمية الماركسية في أنها  تبحث لماذا تحتاج الناس إلى الأفكار وإلى الدين وليس القول أن الدين سخيف. صحيح أن هناك أفكاراً غير منطقية، ولكن لماذا يحتاج الناس إلى أن يصدقوا مثل هذه الأشياء؟”.

مواجهة التخلف بالقمع يولّد التطرف

 السؤال الجذري الذي  لا يعمل له العلمانيون بحب طرابلسي هو من يشرّع ؟ “قل لي التشريع بيد من؟ أنا أقبل أن يشرع مشرعون انتخبهم الناس أجزاء من الشريعة في النظام المدني، ولكنّ أناساً غير منتخبين يأتون بعلماء دين يملون هذا الأمر من دون تفويض شعبي هذا لا أقبله. هناك وسيلة وحيدة لهذا الأمر وهو اختيار الناس بأكثريتهم.. أما أن تقيم علمانية على الطريقة الشيوعية وتقوم بطمس الدين فإنه سيعود أكثر تخلفاً مما كان عليه، والدليل ماثل أمامنا. علينا أن نواجه التخلف ولكن ليس علينا أن نبرر سلطة ديكتاتورية لتقمعهم. هي لن تقمعهم والدليل واضح  إذ أنها ستؤدي إلى حروب أهلية طاحنة. وكل الأنظمة التي تقول إنها أنظمة علمانية هي أنظمة سلطوية ديكتاتورية أخرجت أقسى وأبشع أنواع التطرف الديني.

يختم طرابلسي بالتشديد على أن تلخيص رؤية بكاملها بأن العقل يبدد الظلمات، أنه أمر لا علاقة له بالسياسة. “هناك علمانية فلسفية وهذا اختيار شخصي ولا يمكن فرضه على المجتمع. يمكن أن تفرض على المجتمع فصل الدين عن الدولة فقط هذا في حال كنت الأقوى.. المجتمع الفرنسي الأكثر علمانية أكثريته متدينون، أما السجال الثنائي فهو سجال فاشل ومهزوم سلفاً لأننا نتحدث عن عقل في مواجهة إيمان.. علينا أن نأخذ في الاعتبار أن هذه الثنائيات ستتعقد أكثر إذا أردنا أن نضعف هذا الخصم الذي يعيش على الرموز وأشكال من التعبئة لا علاقة لها بالعقل، وبالتالي عزلة الليبراليين والعقلانيين والديمقراطيين يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية ويصبحون نخبة متراجعة ويزدادون احتقاناً”.