مجنون الأمل لايزال يبحث عن مغرب آخر

الكاتب المغربي عبداللطيف اللعبي يوجه رسالة إلى مواطني بلده في روايته ‘مجنون الأمل’ ويدعوهم إلى التخلص من هموم حياتهم اليومية الشاقة.

عن صحيفة العرب مخلص الصغير [نُشر في 29/06/2014، العدد: 9604،

وجه الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي رسالة إلى المواطنين المغاربة. وقد حملت هذه الرسالة عنوانا معبرا، وهو “مغرب آخر”، مثلما حملت الرسالة آمالا جديدة لـ”مجنون الأمل”، ورفعت لاءات جديدة باسم هذا الشاعر الرافض والمكابر، الذي ساهم في تجديد الثقافة والأدب في المغرب وتحديثهما.

منذ أسس مجلة “أنفاس” الرائدة، سنة 1966، لم يتوقف اللعبي عن الكتابة ولم ينقطع عن الحلم، حتى من داخل السجن، إبان تجربة الاعتقال السياسي، في سنوات الرصاص، ما بين 1972 و1980، مثلما يظل اللعبي واحدا من أكثر الأدباء المغاربة عالمية، هو المتوج بجائزة الغونكور الفرنسية، قبل خمس سنوات من اليوم، وهو الذي أهدى تراثه ومكتبته لمعهد ذاكرة النشر المعاصر في باريس، قبل سنة من اليوم، كيما يظل اللعبي تراثا إنسانيا عالميا لا يضيع، محفوظا في الذاكرة الحية، وفي متناول الجميع.

رسائل اللعبي

عبداللطيف اللعبي هو شاعر وروائي ومفكر منشغل بالقضايا الثقافية والسياسية في المغرب. غير أنه “مترسل” بلا منازع، اشتهر بكتابة الكثير من الرسائل، خاصة وأنه خاض تجربتين لا تنفع معهما غير الرسالة سبيلا إلى اللقاء بالآخرين: تجربة السجن، وتجربة الاغتراب في فرنسا. هكذا، كتب اللعبي “يوميات قلعة المنفى: رسائل السجن”، وجه أغلبها إلى زوجته جوسلين اللعبي. وكتب قبل سبع سنوات رسالة دعا فيها المسؤولين في المغرب إلى تأسيس معهد للذاكرة المعاصرة، دون جدوى، مثلما وجّه سنة 210 رسالة إلى المثقفين المغاربة “من أجل ميثاق وطني للثقافة”، من غير أن يتحقق الحلم. واليوم، يقرر اللعبي توجيه رسالة إلى كل المواطنين المغاربة، في رسالة مطولة، صدرت في كتاب، خلال شهر يونيو الجاري، بعدما صدرت مفصلة، في حلقات يومية. هكذا، احترف اللعبي كتابة الرسائل، وصار ساعي بريد وحوار ثقافي وإنساني، و”مرسول حب”، كما تقول الأغنية المغربية، وكأنه كان يتحدث عن نفسه ذات قصيدة وهو يقول “ترقب ساعي البريد/ وهو يفض الرسائل على عجل/ فلم يعد يخشى الخيبة”.

اللعبي يخاطبكم

يستهل اللعبي رسالته الجديدة بالحديث عن خصوصيتها، وطابعها الاستثنائي، بعدما جرت العادة أن السياسيين هم الذين يخاطبون المواطنين، “معتمدين في ذلك على حق يعتبرونه وقفا عليهم، يقول اللعبي، وهو يبتكر ويكتشف حقا إنسانيا وثقافيا وتواصليا جديدا لعله الحق في مخاطبة المواطنين والتحدث إليهم. على أن خطاب اللعبي إلى الشعب المغربي ليس سياسيا، لا يبتغي “ضمه إلى صفه أو استدرار صوته”.

لذلك، فإن ما يحمله اللعبي إلى المواطنين المغاربة ليس سوى “رسالة أنوي عبرها مخاطبة قلوبكم وعقولكم”، تقول الرسالة. رسالة يحاول اللعبي أن يتقاسم فيها مع المغاربة انشغالاتهم ومشاعرهم، مثلما هي الرسالة “دعوة إلى التفكير وفرصة لاستعادة الأحلام التي تفتقت في نفسي، بفضلكم، منذ تفتحت زهرة شبابي”، يضيف “مجنون الأمل”.

صحيح أن عبد اللطيف اللعبي اسم لا يخفى أو ينسى في المشهد الثقافي المغربي أو العربي أو الفرانكوفوني، غير أن الرسالـة اليوم هي رسالة مفتوحة وموجهـــة إلى عمــوم المواطنين المغاربة.

من هنا، كان لا بد للعبي أن يعرّف بنفسه، ويقدّم نفسه من جديد للمواطنين المغاربة، وهو يتساءل: “من أكون حتى أدّعي حق مخاطبتكم؟” هنا، ستكون فرصة أمام اللعبي لتقديم سيرة ذاتية وثقافية مختصرة ومركزة، مع بداية هذه الرسالة، تتمثل في عناوين وأحلام كبرى، هو كاتب كما يعرفه المغاربة، وكما يقول عن نفسه، وهو يأمل أن يتذكر المغاربة أنه قد عمل، رفقة زملاء آخرين من جيل “في سبيل خلق أدب وثقافة جديدين، قادرين على إحياء ذاكرتنا الجماعية، وإعادة بناء هويتنا، وانفتاحها على ما هو كوني، والتعبير عن الجوانب المتعددة لإنسانيتنا”.

كما يأمل اللعبي أن يتذكر المغاربة، المنشغلون بالسياسة أكثر من الأدب، أنه صاحب التزام سياسي مبكر، خاض معارك بصفته مثقفا مواطنا، وتعرض لمحن، جراء ذلك، رفقة مئات من المناضلين. ولعل المغاربة يدركون، أيضا، أن “الكرامة الإنسانية كانت، دائما، في مقدمة انشغالاتي منذ بداية مساري. وقد نشأ وعيي الأخلاقي ثم السياسي وأنا أقف على انتهاكها في بلدي”. على أن مساهمة اللعبي في النضال السياسي والثقافي لم تمنحه امتيازا خاصا، كما يشدّد على ذلك، ولكنها “سمحت لي على الأقل بأن أكون قريبا من معيشكم، من تساؤلاتكم، من احتياجاتكم، من سلوككم في المجتمع وفي حياتكم الخاصة”، يخاطب اللعبي المواطنين المغاربة.

الابتسامة المغربية

اللعبي هو أحد رموز الإبداع وصناع الفرح والأمل في المغرب. وهو قبل أن يصدر روايته “مجنون الأمل” الدالة على تجربته في الحياة، أصدر ديوانه الأول “جبهة الأمل” الذي سبق اللعبي، وخرج إلى الحياة، قبل أن يغادر اللعبي سجن القنيطرة المركزي.

صحيح أن الرسالة التي يوجهها اللعبي اليوم هي أكثر سوداوية من ضمن جلّ ما كتب، غير أن اللعبي يتشبث بالأمل، مرة أخرى، ويكشف لنا عن سر تعلقه به، ومن أين تعلمه. من هؤلاء المواطنين المغاربة البسطاء ومن ابتسامتهم التي لا تكاد تفارقهم “ومن ذلك الشيء الذي أحبه فيكم أكثر من غيره: قدرتكم على التخلص من هموم حياتكم اليومية الشاقة بابتسامة صغيرة”. يعلن اللعبي عن مدى تأثير هذه الضحكة فيه وسريان هذه الابتسامة المغربية في دمه، قائلا: “إن الضحك العفوي في وجه أول فرد منكم، تضعه الصدفة في طريقي، ليغمرني بالسعادة. وهذه أجمل هدية ما فتئت أتلقاها من صحبتكم”.

عناوين الرسالة

لهذه الرسالة الكبرى التي كبتها اللعبي ووجهها للمواطنين المغاربة عناوين كبرى يتعمق فيها اللعبي، ويبحث عنها وعن حضورها وصورتها في المغرب الراهن. هي قيم وقضايا وملفات عالقة وشائكة، ملحة واستعجالية.

أما العنوان الأول فهو “الحرية” بما هي قيمة القيم عند اللعبي، وهو الذي يلح على ما يسميه “الطبيعة النفيسة لهذه القيمة التي تدعى الحرية”، على أن اكتشافها أو ابتكارها والدفاع عنها ليس وقفا على أحد بعينه، يضيف اللعبي. ورغم إصرار المغاربة على الحرية، في ما يراه اللعبي، ودرجة تشبث المغاربة بهذه القيمة الإنسانية، فهنالك “التنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تكبح اندفاعكم أحيانا، وتحرفكم عن السبيل السوي المفضي إلى التحرر الحقيقي”. وما يزيد من تخوف اللعبي على قيمة الحرية في المجتمع المغربي استمرار مظاهر التسلط والاستعباد، في الكثير من الحالات والتجليات، مع “الصعود القوي والمطرد للأفكار والممارسات الظلامية التي تروم إطفاء أنوار العقل، وإعاقة التفتح الحر للفرد وازدهاره”.

ويقابل ذلك عند اللعبي ما يسميه “تشتت” معسكر الديمقراطيين والتقدميين، وانحراف الحياة السياسية والفقر الفكري والأخلاقي لمعظم الأجهزة الحزبية، يقابله “إفلاس” النظام التعليمي والتربوي، و”الحالة المتردية التي توجد فيها ثقافتها”، تصرخ الرسالة. على أن هذا “الإفلاس المبرمج لتعليمنا العمومي”، بعبارة اللعبي، خلّف من ورائه ضحايا كثيرين من الشباب المغربي. ومن هنا، اتسعت دائرة الشباب المغربي الذي يعاني من التهميش والمحكوم عليه بالعطالة، وهو ما يدفعه إلى حافة اليأس، ويجعله يتخلى عن الأمل، وعن المستقبل.

وإذا كان اللعبي لا ينكر خصوصية الوضع المغربي، بتوصيفه، أو “الاستثناء المغربي” بلغة متتبعين آخرين، فإنه يصر على حلم أوسع مدى، وآمال إضافية، ما دامت خيبات الأمل لا تني تتوقف، وتظهر في كل حين، وتعترض كل حلم. هنا، يتساءل اللعبي، لماذا استمر القديم مقيما إلى جانب الجديد الذي جاء به البرنامج الإصلاحي والحداثي الذي جاء مع صعود الملك محمد السادس إلى العرش قبل 15 سنة من اليوم؟ وأي وضع تم منحه للكاتب والمثقف في مغرب التغيير والتحديث؟ ولماذا حين أبدع المغرب ربيعه الخاص، بعد تداعيات وعواصف الربيع العربي، وبعد دستور فاتح يوليوز 2011، استبق المغرب الإصلاحات، لكن صناديق الاقتراع كانت لصالح “الإسلامويين” ومناهضي التحديث، فتم تعطيل المبادئ العامة التي جاء بها الدستور الجديد، ولم تقم الحكومة بتنزيلها، حتى اليوم، بسبب “التخبطات” التي تعيشها السياسة الحكومية، بلغة اللعبي دائما.

أما الخلاصة والخلاص المغربي عند عبداللطيف اللعبي، فهو لن يقوم دون إحداث ثورة شاملة في النظام التعليمي المغربي الحالي، تغير بشكل جذري وظيفته وأساليبه البيداغوجية ومضامينه. وإلى جانب الشرط التعليمي، وقريبا منه، يأتي الشرط الثقافي، على أساس أن “الثقافة هي حجر الزاوية للنماء الإنساني”، تقول الرسالة، مؤكدة ومشددة على أن كل الديمقراطيات الحقة إنما قامت على قاعدة الثقافة، بالمعنى الواسع للمفهوم، وهي الثروة الأولى لكل أمة، ومصدر كل الثروات الأخرى. ربما لم تنته رسالة اللعبي، لأنها مفتوحة على المستقبل، ومنذورة للأمل. لذلك، ختمها اللعبي بتساؤل عريض: “هل كفرت يوما بالمستقبل؟”.