الديوان الملكي بين عهدين : من مسير للحكومة إلى مصاحب لها

أيوب البوعزيزي

 

في مؤلفه الشهير «أمير المؤمنين، الملكية المغربية ونخبتها»الصادر في طبعته الفرنسية سنة 1975، وهو الكتاب الذي ظل محظورا من التداول العمومي طوال مدة غير وجيزة ومعتمدا في الحقبة نفسها كمرجع أساسي في الأبحاث الجامعية بالمغرب، يكتب جون واتربوري أن الديوان الملكي لم يصبح فريق ظل يراقب الحكومة إلا في عهد الحسن الثاني، وأن دوره كان يقتصر في البداية على تقديم النصائح والمعلومات من طرف مجموعة من المستشارين الكتومين للملك.

لقد جرت مياه كثيرة تحت جسور المملكة منذ المرحلة التي تناولها الباحث الأمريكي إلى حدود اليوم، وعرفت البلاد، ومعها الديوان الملكي تحولات جلية. وهو ما أشار إليه على سبيل المثال الباحث المغربي محمد الطوزي منذ 2008 بمناسبة حوار صحفي أجري معه حينها، حيث صرح أنه لا يمكن القول ? في ظل العهد الجديد- إن المستشارين الملكيين يسيرون مباشرة الحكومة، مضيفا «من 1965 إلى 1967 مثلا، كان الديوان الملكي والحكومة يمتزجان، ذلك أن الحسن الثاني كان يسير البلاد مباشرة. أما في عهد محمد السادس، فالجديد يتمثل في كون دور المستشارين أصبح أكثر منظورية. إنهم يتناولون الكلمة أمام العموم أكثر ومن ثمة فهم معرضون أكثر للنقاش». ملاحظا أن حقل الاستشارة الملكية يعرف بداية عقلنته، أي نوعا من الاستمرارية التي تضمن للمستشارين سلطة فعلية وتحميهم أيضا، بشكل ما، من أي تعرض لحجب الحظوة.
وبالفعل، فالرأي العام اصبح يعرف هؤلاء المستشارين أعضاء الديوان الملكي ويعرف الملفات التي كلف كل واحد منهم بها حق المعرفة بفعل الإعلان الرسمي عن تعييناتهم والمهام الموكولة لهم، كما أن الحضور الإعلامي والتواصلي للديوان صار بارزا في العديد من القضايا الداخلية الأساسية، ولم يعد يحجبه التحفظ وتفضيل التكتم.
«إنهم، يكتب الباحث محمد بودن المتخصص في النظم الملكية المقارنة، معينون بظهائر  خاصة ومسماة باسم كل مستشار، وتعلن الظهائر المعينة لهم بأنهم معينون بصفتهم مستشارين لجلالة الملك وتاريخ بداية مباشرة الأعمال المنوطة بهم» علما أن أن صفة مستشار صاحب الجلالة» برزت لأول مرة مع ظهير تعيين مؤرخ في 10 أكتوبر1977. كما تجدر الإشارة إلى أن منصب مدير الديوان الملكي كان قد ألغي بخطاب ملكي للحسن الثاني في 4   غشت 1971، إلا أن هذا المنصب، يوضح محمد بودن، «عاد في عشرية الحكم الأولى من حكم جلالة الملك محمد السادس ويستمر في العشرية الثانية من حكم جلالته».
ولقياس مدى التغيير الذي عرفته مؤسسة الديوان الملكي وأدوارها، هي التي تعمل على صناعة القرارات السياسية الكبرى بفعل محورية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، فإن العودة إلى الماضي قد تكون مفيدة للمقارنة مع الحاضر. ولعل مثال أحمد رضا اگديرة (1932- 2006)، الذي شغل منصب مدير الديوان الملكي في بداية الستينيات، كفيل بإضاءة المسافة السياسية الفاصلة بين الماضي والحاضر، وهي المرحلة التي كتب عن بدايتها المفكر الراحل عابد الجابري: «بعد وفاة محمد الخامس المفاجئة، إثر عملية جراحية بسيطة (28 فبراير 1961)، تشكلت حكومة جديدة برئاسة الملك الحسن الثاني (يونيو 1961) بمشاركة جميع رؤساء الأحزاب باستثناء الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي حاليا). أما السيد رضا اگديرة فقد أسندت إليه وزارة الداخلية التي كان على رأسها مبارك البكاي، كما احتفظ بوزارة الفلاحة (وهو منصب كانت له أهمية خاصة لأن المغرب لم يكن قد استرجع بعد الأراضي التي اغتصبها المعمرون الفرنسيون وكانت مساحتها تزيد على مليون هكتار). وإضافة إلى ذلك، أسندت له مهمة التوقيع على المراسيم الحكومية نيابة عن رئيس الحكومة (جلالة الملك الحسن الثاني) بوصفه مديرا للديوان الملكي».
لنتصفح، في هذا الأفق، المؤلف الأخير للباحث المغربي علي بنحدو «إمبراطورية السلاطين، أنثروبولوجيا سياسية للمغرب»، الصادر سنة 2011 ضمن منشورات «ريفنوف» الباريسة وما كتبه ووصف الرجل وأدواره.
يكتب علي بنحدو أن الخطيب وأحرضان خلقا «في سنة 1959، بمباركة ملكية، الحركة الشعبية الرامية إلى تكسير تنامي الاحتجاج العمالي.» لكن الأول سينفصل عن الثاني بسبب استحواذ «جنون العظمة» على الأخير، ليتحالف مع أحمد رضا اگديرة «الحائز على الإجازة في القانون من السوربون، المحامي بالرباط وزعيم حزب «الأحرار المستقلين» الذي أسسه رشيد مولين (…) الذي كان وزيرا للوظيفة العمومية. وذلك ليتكفلا (الخطيب واگديرة) بتكسير احتكار حزب الاستقلال الذي كان حينها مهيمنا في رحم خمول سياسي» (ص: 102).

من السيطرة على الوضع، يضيف الباحث في مكان آخر من الكتاب، فرض القصر قاعدة سلوك سياسي غير مكتوبة، لكنها إجبارية: لا يمكن لأي حزب الاستئثار بالحقلين السياسي والديني تحت أي مبرر كان، كل الأحزاب ستعامل بنفس الطريقة، ولن تقبر حظوظ أي واحد منها، كما أنه من اللازم على الأحزاب الموالية للملك بشكل مطلق أن تفرض نفسها وإلا فقدت كل حظوة.
وفي فقرة اختار لها عنوان «استراتيجية الصدر الأعظم»، يضيف علي بنحدو، الذي صدر له من قبل أيضا كتاب «نخب المملكة، بحث حول تنظيم السلطة في المغرب»:
« برز رجل كمهندس لهذا التعدد ذي المظهر الديمقراطي. إنه أحمد رضا اگديرة، وهو محامي كبير بهيئة الرباط، بلغ مرتبة النموذج ماتحا فعاليته من كفاءته القانونية وحظوته من السلطة الملكية.
«لا أحد كان جد مرتبط بالعرش إلى هذه الدرجة ولا مخلصا للحسن الثاني مثل اگديرة. كان غنيا ومثقفا وبليغا، كما كان مهذبا لكن ذكيا، لا يستطيع هزم خصومه إلا بواسطة الكلمات. كان وزيرا للأنباء إبان الحصول على الاستقلال، ليصبح مديرا عاما للديوان الملكي بين 1960 و1963 متمتعا بسلطات توازي سلطات وزير أول. وكان يسير في نفس الوقت وزارات الداخلية والفلاحة والخارجية. وفي سنة 1980، سيصبح عضوا مدى الحياة بمجلس الوصاية ضمن عشرة من بين الشخصيات الأكثر تأثيرا في المملكة. وإذا لم تكن علاقته مع رئيس الدولة تبلغ حد الحميمية، فإنه كان على الأقل من بين القلائل الذين يحظون بثقته.
«لقد فرض اگديرة، هو المناهض لجميع أشكال الاشتراكية والليبرالي المقتنع حتى النخاع، نفسه حكما أسمى وسط التقلبات السياسية. وحكم بميكيافيلية نادرة، موظفا المنافسة بين الجماعات المتأثرة بمواقف متناقضة. كان يلبي رغبة البعض ويعاقب الآخرين، إما بالتناوب أو على التوالي حسب الحالات. إستراتيجيته كانت تتمثل في خنق النزوهات الهيمنية للأحزاب، سواء كانت منتصرة أو منهزمة. وفي نفس الوقت، كان يعتقد أن الحفاظ على قوي سياسية متعددة هو الكفيل بتجنيب الملك التحول إلى ضحية لإحداها. ومنذ ذاك، ألغى هذا المنهج الوسائل الشرعية لمعارضة السلطة الملكية، وبصم بأسلوبه ولاية الحسن الثاني برمتها. كيف ذلك؟ في ختام دراسته «الطبقة الحاكمة في المغرب» ?غشت 1964?، يستنتج الباحث في الحقل السياسي أوكتاف ماري ما يلي: «تجسد الملكية حاليا الرابط الأمتن بين الطبقة الحاكمة والبلد ذي الأغلبية القروية. وفي غياب حزب وحيد مستحيل الوجود، فإن الاستبداد المستنير يشكل، بدون شك، أفضل سبيل لجعل البلاد تتقدم مع الحفاظ على وحدتها».
«مثل خصومه، لكن بوسائل أخرى أكثر حنكة، وبوعي تام بالنظرية السياسية، سعى گديرة بشكل حثيث إلى شفاء هؤلاء الخصوم من وسواس السلطة وإلى كبح جنون العظمة الغريزي لديهم. وفي الحقيقة، فقد بذل ما في وسعه ليسلب منهم كل إحساس بالتفوق وليمنحهم أفكاره الشخصية كنموذج، وذلك حتى لا يبتكروا أخرى. ثمة مبدأ واحد ووحيد مرجح: الولاء للملكية واجب، ومعاداتها ردة وإخلال بالواجب تؤدي، إذا فرض الوضع ذلك، الإقصاء من الحقل السياسي، أي التغريب. إنه إذن إخطار رسمي لكل واحد باختيار «حزب الملك» بدون لبس. هناك مصالح كبري على الطاولة، وتوزيع الثروات رهين بالسلطة التي هي المصدر الوحيد للربح. فليحذر إذن كل من لا ينخرط بالحماس والهمة المطلوبين في أعلى الهرم! فالنتيجة ستكون فقدانه لمنصبه، كما أن العقاب الشعبي سيطال أيضا أقاربه.
«أمام هذا، أصيب الأغنياء المتنفذون بالفزع، كما أن الهلع تسلل إلى الفئات العليا. ووسط الاضطراب العام، دعا اگديرة، مهندس المرحلة، إلى وحدة الأحرار المستقلين. وبعدها، وفي أفق انتخابات 1963 التشريعية، ألهم خلق جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، وبمجرد ذلك، زعمت الجبهة أنها حاملة لواء الاستفتاء الشعبي لصالح الملكية. «لكن العاهل، إذا كان يترك المبادرة لأنصاره، كما يشرح ماري، فإنه اتخذ احتياط عدم دعم هذا الحزب شخصيا، حتى يتسنى له شجب قادته أو على الأقل التحكيم بين خلافاتهم» (ص: 144- 145 ).
وبعد الإشارة إلى فشل اگديرة في كسب رهانه القاضي بفوز جبهته في الانتخابات البرلمانية التي اكتسحتها المعارضة، يذكر بنحدو بما قاله الخاسر وهو حينها مديرا للديوان الملكي ووزيرا للداخلية: «لم نشيد هذا البيت (البرلمان) ليقطنه خصومنا. علينا الآن أن نهيئ المكان لأصدقائنا».
بعد الهزيمة الانتخابية، ستنهال سهام النقد اللاذع عليه من كل الجهات، ذلك أن خصومه سيتهمونه بتزوير الانتخابات ببشاعة لفائدة أصدقائه، بينما سيؤاخذه الأصدقاء على عجزه على القيام بما كان يلزم، وعلى رأسهم أحرضان الذي كان قد التحق، مع حركته، بالجبهة رغم كراهيته لاگديرة.
عقبها، يكتب علي بنحدو، سينهار اليمين ويتشتت، وتحل جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية نفسها.
«بمجرد حلها، ستبعث الجبهة من جديد في أبريل 1964 تحت التسمية المفارقة (الحزب الاشتراكي الديمقراطي). فمن يكون رئيس هذا الحزب؟ إنه أحمد باحنيني، الوزير الأول حينها، العارف بعادات المخزن والمتقن لفن الخطابة بمفرده. لكن مهندس العملية في الكواليس هو رضا اگديرة الذي كان في نفس الوقت المفكر، الصدر الأعظم، الوسيط أو المستشار الخاص…» (148). أما هدف المناورة، فكان هو إضعاف اليسار، لكن هذه قصة أخرى.
تبدو المسافة بالفعل شاسعة بين تلك الحقبة التي قدمنا كنموذج لها اگديرة الذي ظل مستشارا ملكيا إلى حين وفاته، وبين الحاضر بتشكيلة ديوانه الملكي وأدوارها، علما أن وظائف المستشارين أساسية لأنها تكمن في تتبع القضايا الكبري وفي الإعداد لصياغة القرارات الاستراتيجية والمهيكلة. لكنه يبدو للكثير من المتتبعين أننا لم نعد أمام حكومة ظل، أو حكومة عميقة وفق المصطلح السائد هذه الأيام، تتحكم في الحكومة وتضغط على الزر لتوجيه الوزراء، بل في حضرة موظفين سامين أهلتهم كفاءاتهم وخبرتهم إلى إبداء الاستشارة للملك ومتابعة قضايا الدولة الأساس.
في هذا الصدد، كتبت أسبوعية «جون أفريك» في سنة 2012، أن «البعض رأى في تعيين عدد من المستشارين في الديوان الملكي بدءاً بفؤاد عالي الهمة (وذلك عقب تشكيل حكومة بنكيران الأولى، محاولة لتشكيل حكومة ظل موازية للحكومة الفعلية. وهذه قراءة مجانبة للصواب. فلأن الملك لم يعد يريد التدخل مباشرة لدى الوزراء، فهو بحاجة لمساعدين متخصصين مدعوين لتتبع مختلف الأنشطة الحكومية. وعلى كل حال، فالملك محمد السادس طلب من بنكيران رفض أي مبادرة تصدر عن الديوان الملكي ولو كانت مكتوبة، تكون غير مطابقة لمقتضيات الدستور.»
نفس المجلة ستصنف، في يناير 2012، خمسة من مستشاري الملك ضمن الخمسين شخصية التي تصنع المغرب، هم فؤاد عالي الهمة وزليخة نصري وعمر عزيمان والطيب الفاسي الفهري وياسر الزناگي، بالإضافة لمنير الماجدي الكاتب الخاص للعاهل.

……..

عن جريدة الاتحاد .ش

30يونيو2014