الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي

(القسم الأول- قراءة في الفكر لسلفي (10من 28)

د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

موقف السلفية من العلمانية والديمقراطية :

يقول المجمع الفقهي في مكة المكرمة. وهو المجمع الذي يصدر عن طريقه اليوم كل الاجتهادات الفقهية للفكر السلفي المعبرة عن شرعنة ما يطرحه العصر من مستجدات لها تأثير على الموقف العقدي للإسلام وبخاصة قضية التوحيد, التي يرفض الفقه الإسلامي مشاركة أحد في الحكم مع الله, وتجاوز أو جب ما تعتمد عليه السلفية من أهل السنة والجماعة من مصادر تعمل على تأكيد وحدانية الله في الحكم, وهي القرآن والحديث والإجماع والقياس. وبالتالي فإن العلمانية والديمقراطية هما من الوسائل التي تسمح للإنسان أن يشارك في الحكم ويبدي رأيه في حل قضاياه بوسائل وسبل لم يمارسها السلف, أو يقروا بها. لذلك هي بنظرهم وسائل آثمة وضد الدين. فهذا المجمع الفقهي في مكة يقول عن العلمانية : ( إن هذه الدعوة الآثمة – فصل الدين عن السياسة – في حقيقتها عزل الدين عن الحياة ووأد للناس وهم أحياء. وما حقيقة وصل الدين بالسياسة إلا الدعوة إلى الله وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والعمل على مد الإسلام وجزر الكفر والكافرين.). (36). وأما بالنسبة لرأيهم أيضاً في الديمقراطية فقد اختلفت الآراء حولها ما بين من يقبلها إنطلاقا من كونها أمر حاكم, فإذا أمر بها على المسلمين الخضوع لرأي الحاكم, وهذا ما يقول به التيار ألمدخلي , ويأخذ به أيضاً بعض التيارات الحركية مثل الإخوان والسرورية من باب استخدامه كوسيلة للوصول إلى السلطة لتطبيق شرع الله. ومنهم من يرفضها كلياً ويكفرها ويكفر من يتعامل بها, وهو التيار السلفي الجهادي حيث اعتبرها أصحاب هذا التيار تجاوزاً لحدود الله وحكمه, حيث تسمح للناس أن يطرحوا قضايا من بناة أفكارهم وعقولهم تريد ضرب فكرة التوحيد وإقصاء الشريعة عن الحياة.(37)
أهداف السلفية:
يحاول الفكر السلفي بمختلف اتجاهاته وتياراته التعبير عن موقف الدين كنص مقدس من الواقع وتحولاته التاريخية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً. لذلك هم يعتبرون الفكر السلفي فكر أزمة, بسبب محاولات التوفيق بين المثال (النص المقدس) الصالح لكل زمان ومكان, أي الواقع, وبين تأكيد الذات المسلمة ومواجهة الآخر. أو بتعبير آخر بين الزمني النسبي, والأزلي المطلق. فالفكر السلفي إذاً هو محاولة للتكيف مع واقع مأزوم بنظرهم بشكل دائم بسبب ما ينتاب هذا الواقع من تطور وتبدل في كل مستوياته, إلا أن السلفية في الوقت ذاته ترتكز على فرضية تعاليها, بسبب امتلاكها حقيقة كاملة ونهائية تتجاوز في صلاحيتها تقلبات الزمان والمكان ونهاياته. إن هدفها هو الرجوع دائماً إلى الماضي لتنقية الحاضر المأزوم دائماً برأيهم وتمكين الإسلام من تنقيته… إن الحركة السلفية ترى دائماً أن أزمة الواقع تأتي بسبب ابتعاد الناس عن أصول ومنابع الدين الأولى, لذلك يكون الحل بتقريب المسلمين إلى تلك المصادر والينابيع الأولى للإسلام, وهي الرؤية الوحيدة لأي إصلاح أو نهضة لديهم. إن السلفية في نظرتها هذه تريد القول: إن التاريخ انتهى أساسا مع نهاية القرن الثالث للهجرة وكل طارئ عليه لا يتفق مع ما حدده السلف من مراجع أو أصول تضبط حركة الإنسان في فكره وسلوكه (القرآن الحديث الإجماع أو ما يمكن القياس على هذ المراجع), فهو بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
وانطلاقا من هذا الموقف فقد وضع التيار السلفي جملة من الأهداف العريضة التي يجب العمل دائماً على تحقيقها وهي:
1- إيجاد الشخصية المؤمنة القدوة التي تعمل علي تحقيق كمال الإيمان كما أراده الله والرسول والسلف الصالح، والتي تتربي علي منهج أهل السنة تربية نقية صادقة تفهم معاني القرآن والسنة فهما سليما، و تفقه الواقع وكيفية التعامل معه والعمل من خلاله فقها صحيحا، والتي تصلح أن تكون قدوة للعاملين السالكين لطريق التمكين، ووضع هذه الشخصية في مكانها المناسب الملائم من العمل الإسلامي لتحقيق الهدف أو الأهداف المطلوبة التي اجتمع عليها أهل السنة مثل:
إقامة فروض الأعيان: كَلْجِمَعْ والجماعات والأعياد والدفع عن الدين والنفس وأراضي المسلمين وغيرها.
إقامة فروض الكفايات: المُضيعة بكل ما أوتيت هذه الشخصية من قوة. وكذلك السعي لتحصيل أسباب القدرة والقوة المادية المطلوبة. هذا ومن أهداف السلفية تحقيق حالة القناعة لدى الفئة المؤمنة أو الفرقة الناجية, بالالتزام على تحقيق التعاون المنضبط المُنظم من أجل إقامة تلك الفروض ، كالتعلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الواجبات الاجتماعية ، من سد حاجات الفقراء والمساكين، ورعاية اليتامى والأرامل، وحث الأغنياء علي إخراج الزكاة والصدقة، وتيسير إخراج الزكاة وصرفها في مصارفها. والعمل أيضا علي تزكية روح الأخوة الإيمانية بين المسلمين من عيادة المرضي واتباع الجنائز وتلبية الدعوات، والتعزية في المصاب والتهنئة في الأفراح وغير ذلك، وكذلك السعي إلي إقامة الجهاد في سبيل الله، وفق مقوماته وشروطه, والسعي إلي أسبابه عند العجز عنه، وكذلك تربية الناس علي لزوم التحاكم إلي الله وإلي رسوله وإلي أولي الأمر من العلماء الربانيين، الذين يجب وجودهم في كل صقع وبلد لفض الخصومات. ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ).) 123) .هود. (38)
2 -إقامة دولة الإسلام على الواقع بين الفئة المؤمنة بعد العمل علي إقامتها في القلوب: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). (النور- الآية-55) النور : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). (105).

كاتب وباحث من سورية… لنشرة المحرر

2 يوليوز 2014