بقلم خير الله خير الله

هناك اشارات تعني الكثير تصدر احيانا عن منظمات اقليمية. من بين هذه الإشارات القرار الأخير الذي اتخذه الإتحاد الإفريقي والقاضي بتعيين “ممثل خاص” لملف الصحراء الغربية، التي هي جزء لا يتجزّأ من التراب الوطني للمملكة المغربية.

من بين ما تعنيه هذه الإشارة أن الإتحاد الإفريقي وجد طريقة سهلة ليكشف افلاسه، بل إلى أي حدّ صار مفلسا. فهذه المنظمة الإقليمية التي يفترض بها العمل بموضوعية من أجل المحافظة على الأمن والسلام وخلق أفضل الظروف لخلق اجواء تسهّل التعاون بين الدول الأفريقية، تتصرّف بطريقة تؤكّد أنّها مجرّد أداة لدى دول معيّنة تعمل فقط على ابتزاز المغرب. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان هناك تدخل في الشؤون الداخلية للمغرب الذي ليس عضوا في الإتحاد.

كان الأجدر بالإتحاد أن يتذكّر أنّه سبق للمغرب الإنسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية، التي انبثق عنها الإتحاد الإفريقي، وهو من بنات أفكار الديكتاتور الليبي الراحل معمّر القذّافي. لم يُعرف عن القذّافي سوى أنّه يعرف الهدم، بل يتقنه، إذ رفض دائما القيام بعمل بنّاء يعود بالخير على ليبيا نفسها أو على القارة السمراء.

حصل انسحاب المغرب من منظّمة الوحدة الإفريقية في ثمانينات القرن الماضي نتيجة قبول “الجمهورية الصحراوية” عضوا فيه، علما أنّ هذه الجمهورية، لا تزال، ولا يمكن أن تكون سوى كيان وهمي. وقد سمّاها الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في حينه بأنّها “جمهورية فضائية”.

لا يشبه وهم ما يسمّى “الجمهورية الصحراوية” سوى وهم الدور الإقليمي للجزائر التي تعتبر أنّ عليها الإهتمام بكل شيء في المنطقة باستثناء رفاه الجزائريين وكيفية حماية البلد من التطرّف.

أظهرت الأحداث أنّ الحسن الثاني كان محقّا في تقويمه وفي كلّ ما قاله، خصوصا أن “الجمهورية الصحراوية” التي اعلنتها جبهة “بوليساريو” هي مجرّد مخيّم بائس للاجئين الموجودين في تندوف، أي في الأراضي الجزائرية.

مع الوقت تحوّل هذا المخيّم إلى معسكر اعتقال كبير يديره الأمن الجزائري ويشرف عليه “رئيس للجمهورية” يقيم في فيلا مريحة في ضواحي مدينة الجزائر.

ما لا يعرفه الإتحاد الإفريقي، هذا في حال كان يريد بالفعل اخراج الصحراويين الموجودين في تندوف من السجن الكبير المقيمين فيه، أنّ لا وجود لشيء اسمه مشكلة صحراوية مرتبطة بشعب يريد تقرير مصيره. هناك مشكلة مفتعلة من جانب واحد بين الجزائر والمغرب. الأصحّ أنّ هناك مشكلة لدى الجزائر مع نفسها. ولأنّ لدى الجزائر مشكلة مع نفسها، توظّف هذه الدولة، التي تحاول في استمرار الهروب من مشاكلها الداخلية إلى الخارج، جبهة “بوليساريو” في عملية لا أفق لها نظرا إلى أنّ هدفها الوحيد ابتزاز المغرب واستنزاف اقتصاده.

هناك بالطبع ما يمكن زيادته على ذلك وهو يتمثّل بوجود مجموعة معيّنة في الجزائر تستفيد من ايواء “بوليساريو” وتسليحها غير آبهة بالخطر الأمني الذي باتت تشكّله على منطقة الساحل الصحراوي.

استثمرت الجزائر في الماضي في عملية ضمّ “بوليساريو” إلى منظمة الوحدة الإفريقية. لم تكن “بوليساريو” في يوم من الأيّام سوى وسيلة لتحقيق مآرب معيّنة راوحت بين الحصول على جزء من أرض الصحراء وايجاد ممرّ يربط بين الجزائر والمحيط الأطلسي وذلك تحت شعار “حقّ تقرير المصير للشعوب”.

مثلما فشلت الجزائر في اطار منظمة الوحدة الإفريقية، ستفشل في اطار الإتحاد الإفريقي الذي لم يكن في يوم من الأيّام سوى خشبة لمسرح أنشأه معمّر القذافي كي يقدّم آخر عروضه المضحكة ـ المبكية.

في السنة 2014، وبعد أقلّ من ثلاث سنوات على رحيل القذّافي، تلعب الجزائر الدور الذي كان يلعبه الديكتاتور الليبي على خشبة المسرح ذاته، علما أنّه يفترض بالجزائر أن تكون دولة جدّية.

يفترض بالجزائر، من الناحية النظرية، أن تعي قبل كلّ شيء أنّ اللعبة تغيّرت وأنّ خشبة المسرح، التي انشئت أصلا إرضاء لطموحات القذّافي، لا تليق بها ولا بسياسييها ولا ببعض رجالها الذين يعتبرون من بين أفضل الديبلوماسيين العرب. وهذا أمر لا مفرّ من الإعتراف به في حال كان على المرء أن يكون منصفا.

في النهاية، ما ينقص اللعبة الجزائرية على خشبة مسرح الإتحاد الإفريقي هو السيناريو المحبوك. وهذا يعني في طبيعة الحال الحاجة إلى اساس قانوني يستطيع من خلاله “الممثل الخاص” للإتحاد التحرّك في الصحراء المغربية. في غياب هذا الأساس القانوني، يمكن القول أن هناك حسنة وحيدة من دفع الجزائر الإتحاد الإفريقي إلى اتخاذ قراره في شأن الصحراء. تتمثّل هذه الحسنة في كشف كم الإتحاد الإفريقي هزيل وكم بلغت به درجة الإفلاس.

ساهمت الجزائر في تعرية الإتحاد الإفريقي لا أكثر ولا أقلّ. فهذا الإتحاد، الذي لم يستطع يوما تقديم أي مساهمة إيجابية في أي بقعة إفريقية، يريد التلهي حاليا بالبحث عن دور في مسألة لا شأن له فيها. يبحث الإتحاد عن رعاية جزائرية في غياب الرعاية الليبية بدل الإنصراف إلى عمل ما مفيد له وللقارة ولشعوبها. ماذا فعل الإتحاد الإفريقي للسودان؟ هل فعل يوما شيئا ما للصومال؟

في الإمكان الإتيان بمئة مثال على عجز الإتحاد الإفريقي، وقبله منظمة الوحدة الإفريقية، بدءا بالإكتفاء بالتفرّج على مجازر رواندا وصولا إلى مالي والإرهاب الذي تعاني منه منطقة الساحل الإفريقي. هل الهرب إلى ملفّ الصحراء المغربية كفيل بإعادة الحياة إلى جسد ميّت اسمه الإتحاد الإفريقي؟

شكرا للجزائر على تعرية الإتحاد الإفريقي الذي كان يستطيع تقديم خدمة للصحراويين… لكنّه فضل في ما يبدو لعب دور من نوع آخر، دور الدخول في لعبة تصفية حسابات مع المغرب، وهي لعبة لا طائل منها. الدليل على ذلك أنّ الحرب التي شنتها الجزائر مستخدمة أدواتها انتهت منذ فترة طويلة، أي في العام 1991.

كان في استطاعة الإتحاد الإفريقي المساعدة في اخراج آلاف الصحراويين من سجن اسمه تندوف ومن اسر الجزائر. كان في استطاعته اعادة هؤلاء إلى أهلهم في الصحراء حيث يعيشون بأمان وكمواطنين محترمين. هل كثير على الإتحاد الإفريقي الخروج يوما بعمل ايجابي ما؟

 

الجزائر تايمز  خيرالله خيرالله