(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (11من 28)
د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

(قراءة نقدية)

كنا في القسم الأول من هذا البحث قد تناولنا الخطاب السلفي كما قدمه لنا أئمة هذا الفكر من حيث مفهومهم للسلفية, ومصادر التشريع عندهم, وكذلك تياراتهم, والأصول الفكرية لخطابهم السلفي, والموقف من الجهاد والعلمانية والديمقراطية, وأخيرا أهداف السلفية.
أما في هذا القسم فسوف نسلط ضوء النقد على هذا الخطاب كما قُدم لنا, محاولين تبيان أهم القضايا التي ساهمت ولم تزل تساهم في تحطيم عقل المسلم واستقالته, وبالتالي تغريب الإنسان عن واقعه المعيوش, والمساهمة في استدامة تخلف هذه الأمة وانحطاطها. وما نشاهده اليوم من مظاهر الانحطاط التي تمارس فكراً وممارسة على الساحة العربية إلا دليلاً قاطعاً على صحة وجهة نظرنا.
السلفية في التحليل السوسيولوجي:
إذا كانت السلفية في منظور أهل “السنة والجماعة” تعني كما بينا في القسم الأول من هذا البحث, الرجوع إلى الكتاب والسنة, وما أقره إجماع السلف حتى القرن الثالث الهجري, من أجل فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إضافة لكونها ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة, وإنما هي الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. فالسلفية في المفهوم السوسيولوجي (علم الاجتماع) هي مسألة فكرية تعبر عن مضامين اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وسيكولوجية, يسعى دعاتها دائماً إلى امتلاك الماضي وتمثله نزوعاً وجدانياً أقرب إلى الطبع. وللسلفية جذورها المعرفية والعملية التي تمتد إلى ما قبل الإسلام, (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون.). ومع قدوم الإسلام, ومع مسألة تداول الخلافة تحديداً, عندما سأل ” عبد الرحمن بن عوف” علي بن أبي طالب, يعد مقتل عمر ابن الخطاب الذي حدد ستة رجالات من كبار الصحابة ومن لهم حضورهم الفاعل اجتماعياً وإسلاميا لاختيار خليفة من بعده وهم: (علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) : ( هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه, وفعل أبي بكر وعمر ؟. قال علي: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. ). فالتفت إلى عثمان فقال: ( هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟. قال: اللهم نعم. ). (39) .
ففي هذا النص نجد أول مرة ما يعبر عنه بنص تاريخي أهمية وجوب الأخذ بما أخذ به السلف مرجعاً مقدساً وهو (عمل أبي بكر وعمر) كعمل بشري لتثبيت حالة مستجدة آنذاك, وهي حالة تعيين أو اختيار خليفة للمسلمين, إضافة للقرآن والسنة, حيث أصبح ملزماً ومصدراً للتشريع, وهذا الأمر ذاته انتهى على يد الشافعي في نهاية القرن الثاني للهجرة إلى إلزام, عندما حدد مصادر التشريع بأربعة كما بينا سابقاً وهي (القرآن والحديث والإجماع والقياس). وهو بذلك وضعنا في إشكالية لم تنته آثارها السلبية حتى اليوم, وهي المقابلة بين التاريخ والنص, من خلال تنصيص أو قوننة التاريخ عند الشافعي في اعتبار أقوال وأفعال السلف مصدراً للتشريع والحكم.
إن هذه العقلية تفهم اليوم كإشكالية بين عقلية الماضي- الخبر , وعقلية الاجتهاد – الحرية . أو بين مدرسة الرواية ومدرسة الحديث.
نعم …إن سطوة التاريخ اشتدّت حتى تحولت على يد الشافعي إلى مصدر إلزامي رسمي ومقنن (مقدس). حيث يقول الشافعي في الرسالة : ( لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله. ). (40). فهنا يصبح الماضي عند الشافعي بصريح لفظه, جهة العلم الوحيدة في الإسلام, فلا يحل لجيل أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه, إلا أن يكون مستنداً إلى حكم فتوى أو فكر الأجيال السابقة عليه الذين حددوا بالقرون الثلاثة الأولى.
إنها سلطة الماضي إذاً التي عاد الشافعي ليؤكدها بقوله في كتاب الأم : ( لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتياً أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم.). أي الماضي. أي ( الإجماع والآثار والقياس). (41. فالماضي عند الشافعي هو جوهر الفكر السلفي, وما عداه هو محدثات من الأمور. يقول الشافعي : المحدثات من الأمور ضربان. أحدهما : ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً. أو أثراً, فهذه هي البدعة الضلالة .). (42).
هذا ويعتبر كل من ابن حنبل المتوفى عام 248هـ, وأبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ, وأبو حامد الغزالي المتوفى 505, بعد الشافعي المتوفى سنة 205هـ. هم من جذر الفكر السلفي الأصولي. فإذا كان الشافعي قد أسس المنهج الفقهي السلفي بوضعه الأصول الأربعة كمرجعية قانونية وشرعية للتشريع وهي : القرآن والسنة والإجماع والقياس. فإن ابن حنبل , مثل الأنموذج المثالي لمنهجية الخبر السلفية, وأبو حسن الأشعري, هو من اصل السلفية من حيث العقيدة. عندما حاول إقحام العقل بشكل خجول في التشريع وتفسير بعض قضايا العقيدة. وأبو حامد الغزالي من فتح الحدود ما بين الفلسفة والتصوف والمنهج السلفي بشكل تلفيقي عند تبنيه للتأويل والمعرفة أللدنية, وأخيراً جاء محمد بن عبد الوهاب وأئمة آل سعود الوهابية في تاريخنا الحديث والمعاصر, ليحولوا هذا الخطاب السلفي إلى وسيلة للممارسة العنف وفي مقدمته (شهوة الدم) لكل من يحاول أن يخرج عن أجندت آل سعود ويهدد مصالحهم الشخصية وأسيادهم في الغرب وأمريكا.

*****************
كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر 9 يوليوز 2014