يقول تعالى .. ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان “

مصطفى المتوكل / تارودانت

الخميس 10 يوليوز 2014

 

 قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)﴾…،سورة المجادلة

  قال عليه الصلاة والسلام :((إن أحدكم مرآة أخيه، فإن رأى به أذىً فليمط عنه..))

ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلال كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)) رواه مسلم

 
البِرُّ لغة : الصِّدق والطَّاعة والخير والفضل

و اصطلاحًا: قال المناوي: (البِرُّ بالكسر أي: التوسُّع في فعل الخير، والفعل المرضِي، الذي هو في تزكية النَّفس.)

  اما التقوى فهي .. أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية، تقيه منه… قال ابن كثير .. واصل التقوى التوقي مما يكره لان اصلها وقوى من الوقاية

… فالتقوى  جوهر الارادة ..وصفاء النية ..وقوة  نفسية يتحكم بها الانسان في  اهوائه ونزواته وميولاته المتطرفة سلبا ويتجنب بها انزلاقاته وغروره وتعصبه وماديته.. ويطوع بها اقواله وممارساته لتكون من النضج والتعقل بمكان في امور الدين والدنيا والعلاقات العامة والخاصة ويتجنب بها الانحراف والمعاصي  التي تفسد الامور كلها الروحية منها والعقلية والانسانية   …

يقول الإمام علي عليه السلام: “اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز، والفجورُ دارُ حصنٍ ذليل، لا يمنع أهله، ولا يُحْرِزُ من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حُمَةُ الخطايا

 إن البر و التقوى اي الصدق والنزاهة  سببان  لتيسير  أمور الناس ..ويحفزان القدرة على التمييز بين الحق والباطل ومستويات التماس بينهما وحتى التداخل احيانا …مما يمكن الانسان من تجنب الوقوع في المازق والمعضلات والاكراهات ..في مختلف مجالات الفعل البشري  الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية …انهما من المفاتيح الرئيسية  لصلاح ما نقدم عليه من  اعمال  تكون وتحظى  بالقبول من الناس ومن الله …

كما ان التقوى والبر سبب قوي تجعل المعتصم بهما محصنا من التهور و الغرور والانحراف والضلال …

لهذا يامرنا الله سبحانه وتعالى بالمعاونة على فعل كل ما فيه خير ويحقق المصلحة  العامة الراجحة  بترك ما يستنكره الدين والذوق الانساني السليم من مناكر ومظالم وممارسات تسيئ للشخص والناس والمجتمع …مع ما يتطلبه   ذلك من عدم الميل نحو الباطل لتحقيق مصلحة زائلة وانية وارضاء لهوى ومزاج …قال ابن جرير..” الاثم ترك ما امر الله بفعله ..والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في انفسكم وفي غيركم..”

..ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى (( وتعاونوا على البر والتقوى …))  .. يامر الله تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم  عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم…

وقال ابن القيم رحمه الله مفسرا قوله تعالى ” وتعاونوا على البر والتقوى …” “…يقول اشتملت الاية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضا وفيما بينهم وبين ربهم .فان كل عبد لاينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين ..واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق . فاما الذي بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصحبة فالواجب عليه فيها ان يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه ولا سعادة له الا بها وهيي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله ..” كتاب زاد المهاج

….. ومن هنا لابد ان نميز  بين  تعاون يرضي الله عز وجل ويرضي الناس.. وتعاون قد  يرضي الناس ولا يرضي الله ..كما يجب ان نميز بين التعاون الذي ظاهره الصلاح وباطنه البطلان …ذلك ان التعاون كسلوك وعمل لابد له من قواعد وضوابط ومرجعيات واهداف نبيلة للوصول الى المبتغى الذي يحقق مصلحة عامة خاصة بجماعة ما وغير ضارة بالمصلحة العامة ولايفسد بها وضعنا الدنيوي  المادي ولا حالنا الفكري والنفسي والروحي …

…فقيمة التعاون  مرتهنة  بالبر والتقوى في كل النواحي وعلى كل المستويات …. فهناك التعاون الفكري، وهناك التعاون  المادي .. باعتبار ان طبيعة المعتقد والفكر هي تحدد وتتحكم في مسارات الفعل ايجابا وسلبا ..

..فتدبير امور الشان العام عندما يتعلق الموضوع بامور الدولة كلها ..او عندما يتعلق بامور الهيئات المنظمة للمجتمع والناس من احزاب سياسية ونقابات وهيئات المجتمع المدني … تتطلب ان يفترض في الجميع  القدرة على التمييز بين متى يتعدى التعاون والبر الحدود الخاصة  بكل مكون على حدة  ليشمل الجميع.. ومتى يؤدي انعدام تحققهما الى فساد امر كل الناس ان كلا او جزءا …ويفترض المعرفة  اليقينية بان لا احد يمكنه منفردا ان يبني امة كما ان الامة لاتبقى متماسكة الا بكل اهلها وناسها ..كما لا احد يمتلك الحقيقة وحده  …ومن هنا فاخطاء العلماء الخبراء منذ بداية تطور العلوم  والتي اعتقد واضعوها انها عين الصواب خطاها علماء اخرون بالحجج والبراهين ليس نكاية او لتصفية حساب مع عالم سابق بل لان الحقيقة  لا تتعايش مع وجود ” حقائق ” زائفة ..ولا تتوقف الا عندما تنقي نفسها من كل الشوائب مع الاحتفاظ بكل ما هو جميل مكمل لها من اجتهادات العلماء …

لهذا يصدق القول الماثور انك …اذا لم تكن جزءا من الحل فانت جزء من المشكلة   …فكل واحد تشبع  تعاونه بالبر والتقوى  الا ويسعى دائما ليكون جزءا ولو يسيرا من حل لمسالة او قضية ما …وكلما   نقصت موازين التقوى والتعاون  عند  الانسان  الا ويكون في غالب الاحيان جزءا في مشكلة تحدث او ستحدث …

…ان من معاني التعاون  الايجابية  ان نجتهد  لفعل المعروف ونحث انفسنا والناس على فعله وان نسعى الى عدم ارتكاب المنكرات المعرفة شرعا والمتوافق عليها وضعا  في كل الامور الدينية والدنيوية وان نحث غيرنا على ذلك …بان يكمل بعضنا بعضا وبان نحمي كل المشترك الذي بيننا  كبشرية والذي يوحد بين الجميع ويبقي على التلاحم والتماسك ويحقق النضج والتقدم المطرد …

.. ان معاني “التعاون” السلبية.. والتي وردت في الاية القرانية ” ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ” هي التي تسعى الى خلق الفتن الظاهرة والخفية بهدف الاساءة للافراد والجماعات وبالتشكيك في كل شيئ.. وجر الناس الى متاهات الغيبة والنميمة والكراهية والحقد والتعصب المذهبي والولائي والعنصري …الذي تسبب ويتسبب في انهيار حضارات ودول وشعوب …ومن المؤكد بقراءة التاريخ الماضي والمعاصر سنجد ان هناك اصناف من البشر متخصصون في التعاون من اجل التضليل والضلال والهدم  “بعملهم “و” واقوالهم او كتاباتهم ” يفرقون بين المراة وزوجها وبين الابناء واسرهم وبين مكونات القبيلة او المجتمع وبين الدول وبين التنظيمات واحيانا داخل نفس الهيئة …قد يكونون في غالب الاحيان مندسين يتصنعون الايمان كما فعل المنافقون زمن النبوة ومازالوا يفعلون وقد يكونون  اما جواسيس  مندسين  او  اشخاص  مكلفين بمهام في تنظيمات لزعزعتها وتمزيقها وتسريب اخبارها الخاصة الى خصومهم بهدف الكيد لهم وافشالهم واضعاف قوتهم …وفي مثل هذا …قال تعالى (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون  ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون تفسيرها  ) ) … وهنا قدم الله شياطين الانس على شياطين الجن لانهم اقرب واخطر ….ولان ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ))النساء

… ان التعاون سمة أساسية من سمات المؤمنين والفضلاء الديموقراطيين  مقيد بالبر والتقوى، ومرتبط  بصلاح الدنيا وصلاح الآخرة…و يكون  بالجماعةِ، وهذا ما يُستوعبه  العقلاءُ لان الجماعةَ خير من الفُرقة التي تؤدي  الى الضياع والفشل ؛ لذا  اكد  الإسلام  على جعلِ المسلمين أمةً يتكافل أفرادُها فيما بينهم، ويتعاون بعضُهم مع بعض، القوي يستخدم قوته لنصر الضعيف، والغني يجعل غناه في قضاء حاجة الفقير…

إن الذي يفرق فيما بين المسلمين  والناس ليس الدين  في غالب الاحيان  فالدين ما جاء الا ليجمع   بمعايير التراحم والتضامن واحترام الاخر وتكريم الانسان وتوقيره ايا كانت ديانته او عقيدته.. وجاء بالتيسير والتخيير ولم يشجع على الاكراه في كل الامور …….كما ان الذي يفرق بين الناس ليس تعددهم الثقافي والمذهبي واللغوي  بل سوء النية وحب التملك والسيطرة والميل نحو الاستغلال والتسلط والانحراف في القيم والفهم والممارسات…لهذا نحن في  حاجة إلى أن نتمسك بروح الدين  السمح وروح الفكر المتنور الحداثي المتخلق  الذي يقوم على التعاون والصلاح والتكامل  بعدم التكبر على الحق ولو كان مصدره من ملة غير ملتنا او من مذهب غير مذهبنا ولنا في سياسة وفلسفة تدبير سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم احسن مثال حيث انه يكون في رمضان كالريح المرسلة بالخير والفضل والتسامح والنعم والتفضل بل وفي كل ايام السنة .. وهو كلما نصح او امر الا ويختار للناس ايسر الامور ولهذا فهو رحمة مهداة اطمان له المسلمون وغيرهم ممن جنحوا للسلم والتعاون … وما اساء الى مجتمعاتنا وامتنا الا الذين لايقبلون بالاخر ولا بحق الاختلاف وحرية الاختيار واعتمدوا منهج التكفير او التشكيك او التحقير او الاقصاء

قال تعالى …﴿وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ    إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )﴾  سورة العصر