كنت أنتظر حلول نهاية الشهر لأحصل على الأجر الزهيد الذي أتقاضاه من وزارة التربية الوطنية لقاء ممارستي لمهمة التدريس. الأمر بالنسبة لي يكون دائما محيرا، فطوال خمس سنوات من العمل، تنتهي الحوالة الشهرية في الأيام الأخيرة من كل شهر،

وأنتظر الحوالة الجديدة، لتتحول حياتي في آخر المطاف إلى مسلسل ناري من الانتظار، لا يخفف لهيبه سوى الاستعانة المادية بين الحين والآخر بأصدقائي من خارج مجال التعليم، لأن أصدقائي الأساتذة لا شك يعانون كما أعاني.

ومع نهاية الشهر المنصرم، فوجئنا أن وزارة التربية الوطنية المغربية التي يرأسها رشيد بلمختار حرمتنا من مورد عيشنا بعد إقدامها على إيقاف أجرة الأساتذة المضربين عن العمل، والذين كانوا قد اعتصموا في الرباط مدة طويلة، وقاموا فيما بمسيرات “شمعية”، وأخرى “كفنية”، وأخرى “حافية القدمين”، وغيرها. وأثناء ذلك كله نالوا قسطا من عنف المخزن وبطشه، وهناك تعلموا درسا واحدا، وهو أن الأستاذية التي اعتقدوها تحفظ ماء الوجه، وتقي من كثير من الأمراض الاجتماعية التي أصابت كافة المهن في هذا الوطن، هي أيضا لا تختلف في شيء عن المهن الأخرى، فممتهنها يمكن أن لا يرقى حتى إلى الدرجات الدنيا من القيمة الإنسانية.

ولابد أن الأستاذ قد يتحمل بعضا من الظلم الاجتماعي، لأنه لم يتذوق طعم الكرامة من قبل لكي يستصعب ما يحدث له في شوارع العاصمة. لكن الأمر الصعب هو إيقاف مورده المعيشي وتحويله إلى شحاذ يتوسل أيدي الأقربين والأبعدين. ولعل الشروط الاجتماعية التي جعلت الكثيرين يقبلون على التعليم ترتبط أساسا بضعف مواردهم المادية، أي أنهم ينتمون في الأغلب الأعم إلى الطبقات الفقيرة. وهذا يعني ببساطة أنهم لا يعولون أنفسهم فقط، بل تجد وراء كل واحد منهم عددا من أفراد أسرته، ولهذا تتحول الحوالة الشهرية التي تبلغ 4000 درهم إلى سراب.

وقد سبق لوزارة التربية الوطنية أن شرعت في الاقتطاع من أجور الأساتذة المضربين، انخراطا منها في ما سمته ﺑ”مسلسل الإصلاح”، أي “الأجر مقابل أيام العمل”، مما يجعل الإضراب حقا غير مشروع حينما يتم استنزاف جيوب الخلق والعباد، كما أن حكومة “العدالة والتنمية” فاتها أن تدرك أن الإصلاح يتم من فوق إلى أسفل، وليس العكس؛ أي البدء برئيس الوزراء وإجباره على القيام بالخطوات الإيجابية التي قام بها نظراؤه من وزراء العالم، عندما خفضوا رواتبهم ورواتب الموظفين الكبار تخفيفا منهم من الاحتقان الاقتصادي الذي تعرفه بلدانهم مثل فرنسا والجارة الإسبانية، فقد بلغنا أن الحكومة الإسبانية خفضت أجرة الملك، وأن الرئيس الفرنسي “فرانسوا أولاند” خفض أجرته وأجرة وزرائه بنسبة ثلاثين في المائة.

وأمام هذه الحال، نخشى أن يخرج إلى الشوارع عدد من “البوعزيزيين”، وهو أمر غير مستبعد، فيبدؤون بحرق أنفسهم، وتستيقظ مشاعر الشفقة النائمة في صفوف المواطنين، ويتحول هذا الوطن إلى مشهد درامي لن يختلف عما رأيناه في بلدان المغرب الكبير، وبلدان الشرق الأوسط، لأن استبعاد حصول هذا الأمر في المغرب لن يختلف عما كان يعتقده الناس بخصوص تلك البلدان. والأجدر بالحكومة الحالية أن تتوخى الحذر في مثل هذه الأمور، لكي لا تكون حكومة “العدالة والتنمية” سببا في حدوث ما نخشاه أن يحدث.