بقلم / عبد الحميد جماهري

 مقالات كسر الخاطر

هل سيكون المغرب، وقضيته الوطنية، الهدف الثاني من فاتورة الفشل، بعد الدول المهددة في وحدتها الوطنية من دول الربيع العربي؟
يفرض السؤال مشروعيته من تلازم العديد من القرائن التي تفرض قراءة أخرى، غير القراءة التي اعتدناها، والتي تجعل منا دولة محظوظة من شروط الربيع وما تلاه.
مصر أولا: لم يكن الموقف المغربي، للدولة أساسا ولرئيسها، يحتاج إلى رسومات توضيحية، في الوقوف إلى جانب التغيير الذي طالب به شعب مصر، والمتمثل في مساندة ثورة 30 يونيو، التي أطاحت بحكم الإخوان. ولم يتردد المغرب، لاحقا في توطيد الدعم، من خلال الوقوف إلى جانب خارطة الطريق التي أعلنها قادة الثورة بدعم من الجيش والقوى السياسية المركزية، باستثناء الإخوان. كما أن المستند الرئيس، الذي حللت به القوى المغربية المتتبعة للشأن المصري موقف الإخوان، كان، ولا شك، دفاعهم عن «خلافة» قادمة في مقابل التفريط في الحدود الوطنية لمصر، ولا سيما سيناء من أجل توحيد دولة غزة ودولة سيناء وخلق القاعدة الجغرافية لقيام دولة فلسطين، كمقدمة للخلافة وعاصمتها القدس!
وكان خامس عنصر في تركيبة بناء الموقف المغربي، المساندة غير المشروطة لاختيارات صناديق الاقتراع وما أفرزته من فوز لفائدة المرشح المحظوظ عبد الفتاح السيسي، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية ووجوده في حفل تنصيب الرئيس المصري المنتخب، في الظروف الإقليمية والدولية التي نعرفها جميعا.
بماذا قابلتنا مصر، ما بعد الثورة؟
آخر الهدايا هي التي وجهتها «روز اليوسف»، الأسبوعية القومية المرتبطة بدواليب الدولة المصرية، إذ قامت، في سياق المشاركة المصرية للسيسي في قمة الاتحاد الأفريقي باستجواب الزعيم الانفصالي، محمد عبد العزيز المراكشي، الذي قدمته كاكتشاف فرعوني جديد أو كأهرامات عثرت عليها البعثة الديبلوماسية، بعد أن تحولت إلى حفريات الأركيولوجيا المغاربية.
لقد كان جزء من سوء الفهم، في قضية المغرب مع الإخوان هو إصرارهم على بتر الصحراء من خارطة ترشحهم إلى الرئاسة، في العهد الأول للثورة، وربما كان جزء من حسن الفهم مع قيادة الثورة، في 30 يونيو، هو حرصها على معاقبة الإخوان الذين وعدوا حماس والتنظيم الإخواني بقيام الخلافة على جزء من سيناء، بعد إلحاقها بغزة .. وهذا مايجعل المغاربة لا يفهمون: كيف تجد القيادة السياسية لمصر مبررا لكي تستقبل أطروحة من يريد قيام دولة في جنوب المغرب.. وتحارب، باسم محاربة الإرهاب، من يريد قيام دولة في جنوب سيناء !
هناك منطق لا يمكن أن نفهمه، إلا إذا سلمنا بأن ما يخطط في الشرق العربي، يراد له أن يكون في الغرب الاسلامي، أي دويلات تنبع من سايس بيكو جديدة.. وانخراط مصر في مثل هذه الأطروحة، باحتشام إلى حد هذه الساعة.
الذين ساندوا الثورة، والدولة والتيارات التي لها صدى، مطروح عليها أن تنبه وتجتهد وتتحرك لوضع الأمور في نصابها..
تونس ثانيا:
عند تشييع جنازة الشهيد توفيق بلعيد، كان الرفيق عبد الواحد بنشريفة، الذي حضر باسم الفدرالية إلى المقام المهيب، قد نبهني، ومعي بعض السياسيين الآخرين (هكذا أعتقد بأني سياسي أيضا، اغفروا لي هذا التواضع القليل!!)، إلى أن هناك حركة غير مسبوقة لمساندي الانفصال، وطمأننا في الوقت نفسه إلى وجود مقاومة، من طرف التونسيين أنفسهم لهذا النزوع.
ومع مرور الوقت ظهر أن هناك حضورا جزائريا متزايدا، لا في تدبير الدولة الوليدة الجديدة، بل في الاختراق الداخلي لفائدة .. البوليزاريو، تبين أن تيارات، على محدوديتها وقوتها، طرأت مع الربيع الفايسبوكي، انطلت عليها مقولة الشعب الصحراوي، الذي اكتشفته مع اكتشاف مفاهيم حقوق الإنسان ورحيل دولة البوليس مع بنعلي. وأخرى حين مسحت الغبار عن أطروحات «البؤر الثورية» ومغرب الشعوب.. عادت من جديد إلى إحياء الحرب الباردة وتقسيماتها الاستراتيجية.
والواضح أن القوى المهيمنة في الساحة، ولا سيما التيار الذي تقوده النهضة، لم يتحرك لردع هذا الاختراق، ومطروح، كما كان الأمر دوما مع القوى اليسارية أو التقدمية أو حتى بين الدولتين، أن يقوم حزب بنكيران بدوره في هذا الباب بأن ينبه ويجتهد ويتحرك من أجل وضع الأمور في نصابها.
والدولة، أيضا، عليها أن تطرح السؤال المركزي: إلى أي حد لا يمكن أن يصل الربيع العربي في وضع القضية الوطنية على الأجندة العدائية للمستقبل المغاربي والشمال الأفريقي.

……………

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

14 يوليوز 2014