الخطاب السلفي وتحطيم العقل- قراءة وقراءة نقدية في الفكر السلفي
(القسم الثاني- قراءة نقدية في الفكر لسلفي (12من 28)

 بقلم /د.عدنان عويّد

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” (البقرة 134).

الصراع السياسي على السلطة ودوره في إنتاج وبلورة الفكر السلفي الجبري:

الجذر السياسي للجبر في العصر االأموي :

لقد كان لمسألة الصراع الدائر على السطة ما بين الشيعة والأمويين دور كبير في ظهور التيارات السياسية والفكرية على الساحة منذ معركة صفين, وخاصة بعد أن حول الأمويون الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض, واعتبروها أمرأ مقدرأ من قبل الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويأخذها ممن يشاء, فهم بهذا كانوا قد خالفوا مسألة “الاختيار- الشورى” لمنصب الخلافة من جهة, وواجهوا شيعة علي بن أبي طالب الذين قالوا إن الخلافة جاءت بالوصية بناءً على حديث (الغدير) من جهة ثانية. ولتمرير هذا التحول الأموي في مسألة الخلافة, اتكأ الخلفاء الأمويون على كل من وقف إلى جانبهم من الفقهاء ورجال الدين الذين برروا لهم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض, وراحوا يناصبون العداء لكل من وقف ضدهم في هذا الأمر.
ولكون النص الديني (القرآن) كان هو المرجع الأساس لكل القضايا الإشكالية التي كانت تتعرض لها الأمة آنذاك, فقد راح رجال الدين لكلا الطرفين الموالي للسطلة والمعارض لها يبحث عن الأدلة الشرعية في النص المقدس من أجل تبرير موقف أصحابه. ومن هذا المنطلق بدأت تظهر على الساحة الدينية قضية الصراع مابين تيارين فكريين أساسيين هما: التيار الجبري الذي وجد في النص المقدس ما يبرر لأصحابه القول بشرعية سلطة لأمويين وحتى العباسيين فيما بعد, كونها قدر إلهي خارج عن نطاق الرغبة الإنسانية. (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) التوبة:51، والتيار القدري (أهل الرأي) الذي وجد دعاته في النص المقدس أيضاً ما يبرر حرية الإرادة الإنسانية في اختيار الإنسان لأفعاله وعلى رأسها اختيار حاكمه. ( (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )، البلد:10، ففي الوقت الذي تجد في القرآن آيات تبرر الجبر. تجد أيضاً فيها ما يبرر القدر. وهذا ما جعل على بن أبي طالب يقول في صفين عندما رفعت المصاحف لتحكيم كتاب الله في خلافه مع معاوية: (إن القرآن حمال أوجه).
لقد طرحت قضية الحرية تحت مسمى القدر, على يد كل من معبد الجهني المقتول سنة 80هـ. وغيلان الدمشقي المقتول سنة 99هـ. والجعد بن درهم, المقتول سنة 120هـ. (كل هؤلاء قتلوا من قبل الأموين) حيث انتصر هؤلاء الثلاثة لمبدأ الحرية الإنسانية, ومواجهة السلطة الأموية التي كانت تقول بالجبر, فقالوا : ( إن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية. وهو المجازى على فعله, والله تعالى هو من أقدره على ذلك. ). وبالتالي أرادوا من هذا الطرح كما قلنا مواجهة الأمويين الذين برروا استلامهم للسلطة وما ينتج عنها من مفاسد بأنه أمر مقرر من عند الله ولا راد لقدره.0 فدفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم هذا. (43).
إذاُ لقد جاء هذا الطرح القدري رداً على السلطة الأموية التي كانت تطرح فكرة الجبر صريحة لتبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة, فضلاً عن تبرير شرعية وجودها أصلاً باعتبار ذلك وكأنه قضاء وقدر من عند الله. فهذا هو معاوية بن أبي سفيان قد بدأ الجبر السياسي عنده مبكراً منذ صفين حيث خاطب جيشه في تلك المعركة قائلاً : ( وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولقت بيننا وبين أهل العراق ونحن من الله بمنظر, وقد قال الله سبحانه وتعالى : ” ولو شاء الله ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يشاء”.). (44). وعند تولية يزيد الخلافة قال: ( الحمد لله الذي شاء صنع. من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع.). (45). وهذا الوليد بن يزيد يقول : ( وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيها حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة, فقام بما أراه الله له أصلاً ونهض مستقلاً بما حمل منها مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى خصه الله بها على خلقه. ). (46). أما عبد الملك بن مروان فيقوم بقتل منافسه عمرو بن سعيد ويأمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلي القصر, ثم يهتف عليهم الهاتف ينادي : (إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ.).(47).
إن هذا الموقف الجبري السلفي ظفر يموقف وموافقة الفقهاء من أهل الحديث في عهد الأمويين ضد من انتصر للعقل وقضية العدل وحرية الرأي والإرادة. حيث نجده عند (عبد الله بن عمر . وجابر بن عبد الله. وأبي هريرة. وابن عباس. وانس بن مالك. وعبد الله بن أبي أوفى. وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم. وقد وصوا أخلافهم بأن لا يصلوا على القدرية ولا يصلوا جنائزهم, ولا يعودوا مرضاهم. ) (48). كما نجد هذا الموقف السلفي الجبري وضرورة القول به عند كل من :
1- ابن عباس, وكان يقول: (عليكم بالاستقامة والأثر, وإياكم والبدع. ).
2- و الشعيبي, كان يقول: ( عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس, وإياك وآراء الرجال وإن زغرفوها لك بالقول, وما حدثوك به عن أصحاب رسول الله فخذه, وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحس.).
3- الوازعي, كان يقول : ( قف حيث وقف القوم واسلك سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم, وقل بما قالوا, وكف عما كفوا, ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم . ). (49).
من خلال العودة إلى التاريخ تبين أن مسألة الصراع السياسي على السلطة في العصرين الأموي والعباسي, ومحاولة كل من المعارضة والمولاة (الجبرية والقدرية) من أئمة ورجال الدين البحث عن الأدلة الشرعية لدعم وشرعنة مواقفهم, إن كان في القرآن أو الحديث أيضاً, وخاصة بعد أن بدأ الحديث يأخذ دوره في الحياة التشريعية, إذ أخذت مسألة الصرع تلك إبعاداً أيديولوجية وراحت مع مرور الأيام تتبلور أكثر فأكثر على يد أصحاب المذاهب الدينية, وتجد لها قاعدة اجتماعية موالية أو معارضة لهذه الأيديولوجية (المذهب الديني) أو تلك, وأن حالة الصراع لم تعد تقتصر على رجال الدين والطبقة الحاكمة فحسب, بل راحت تمتد إلى الساحة الاجتماعية أيضاً. حيث نجد عند ابن الأثير في تاريخه عن أحداث عام /554/ هـ في الجزء الحادي عشر, كيف جرى صراع دامٍ بين الشافعية والشيعة في مدينة استراباد عندما عين قاضيا من الشافعية على المدينة فثارت ثائرة الشيعة ودخل الطرفان في صراع داخل المدينة حرقت جراءه الأسواق وكثر القتل في الشافعية. هذا ولا ننسى أيضاً كيف راحت السلفية بكل مذاهبها ومعها السلطة الحاكمة, ولاسيما الحنابلة منهم بعد محنة ابن حنبل ووصول الواثق إلى الحلافة, كيف شكلت محاكم التفتيش لملاحقة القدرية والشيعة وغيرهم ممن رفض الأخذ بمقولة النقل قبل العقل.

كاتب وباحث من سورية

لنشرة المحرر

17 يوليوز 2014