بقلم /لحسن العسبي

كنت موزعا، هذا الأسبوع، بين الكتابة عن الذكرى 80 لرحيل الماريشال ليوطي (أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب بين سنتي 1912 و 1926)، الذي لنا معه علاقة عشق وتوتر في الآن نفسه، يغلب فيها، بمنطق التاريخ، الإعجاب النفور. وبين رحيل الروائية الجنوب إفريقية نادين غوردمير، التي كانت من أشجع الكتاب البيض بجوهانسبورغ، المناهضة للأبارتايد، ورفيقة طريق نضالية طويلة للزعيم نيلسون مانديلا والقس ديسموند توتو.. لكن دم الأطفال المراق في غزة من جديد، يكاد يجعل الجلد يفر من صاحبه. وأمام طائرات نتانياهو التي تقصف الرضع والأطفال والعزل (تماما مثلما تفعل براميل طائرات الأسد بأطفال سورية)، فإنه تعلو الصرخة الصاعدة من بئر الألم لشرطنا الإنساني، في القرن 21، منادية:

أيها الشرق، يا مهد الديانات، يا أرض الأنبياء، رحماك بنا وبنفسك وببنيك وأطفالك من أبناء الحياة.

لأنه ها قد عادت عدادات الموت للاشتغال هناك، بالشكل الذي يقدم الدليل على أن قيم الإنسان نازلة في الحضيض، حين يكون الدم فلسطينيا. لكن، ألا يحق لنا السؤال، حول مدى استعداد الكنعاني أن يمارس نقدا ذاتيا على نفسه، ويجيب أمام صدقية وعدالة قضيته الوطنية، في بعدها الإنساني والحقوقي، إن لم يكن يتحمل هو جزءا من الخطأ في ما يقع لطفولة الحياة هناك، التي تهتز لها السماء؟. لأنه على الضحية، أحيانا، أن تحاسب نفسها بصرامة أكثر من الآخرين، خاصة حين تكون تلك الضحية صاحبة حق ثابت، وأنها ترزح تحت نظام احتلال عنصري لا أشباه له في العالم مثل إسرائيل. ولأنه من حق عيون الأطفال الشهداء الذين دخلوا الأرض إلى الأبد، أن تظل مفتوحة على الحقيقة، فإنه لابد من امتلاك جرأة الاعتراف أن بعض العطب آت من الفلسطيني نفسه، حين ارتهنت بعض فصائله الى الخارج على حساب السقف الوطني الذي كان دوما السماء العالية التي لا تمزقها حسابات السياسة الفئوية والحزبية.

وهنا يكمن الخطأ التاريخي لحماس، حين راهنت على منطق حسابات فوق وطنية، خارجية، من أجل وهم مشروع حكم، وخونت أخاها في الدم وفي خندق الاحتلال، إرضاء لقطر أو طهران أو دمشق الأسد أو أنقرة. ولم تتعلم قط من حكمة الزعيم ياسر عرفات، التي كم أدى عليها ثمنا غاليا، أن قوة الفلسطيني كامنة في استقلال قراره السياسي وفي استقلال قراره النضالي عن أي حسابات خارجية. كونه يدرك بحنكة السنين والتجارب والمحن، حكمة قصيدة الطيور للشاعر المصري أمل دنقل، التي تعلمنا: «إن اليد واهبة القمح، تعرف أيضا كيف تسن السكين».

إن الجريمة في غزة، هي لحظة واجبة لنقد ذاتي على الفلسطيني أن يمارسه بشجاعة الجريح، كي يتعلم أن لا يعول سوى على دمه. لأنه كما قال الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي من زمان: «ليس من يتلقى السياط على ظهره، مثل من يجلس يعدها من بعيد». ولعل أكبر تحد يواجه الكنعاني اليوم، من جيل انتفاضة 1987، هو أن يبتكر عناوين جديدة لمشروعه النضالي والسياسي الوطني لأن مشروع جيل فاتح يناير 1965، كما لو أنه قد استنفد دوره التاريخي، بعد أن نجح، بفاتورة نضالية رهيبة، في أن يحول قضية الفلسطيني إلى قضية عدالة دولية، وأنه أكثر من ذلك أعاد المعركة إلى داخل فلسطين وأخرجها من بلاد الشتات بمخيمات العرب.

وإذا كانت لجيل 1965 زعامته التاريخية، كما تجسدت في جيل ياسر عرفات ورفاقه الكبار، فإن لجيل الداخل اليوم، جيل انتفاضة 1987، زعامته الوازنة، التي تلتف عليها الكثير من أماني المستقبل، ممثلة في الأسير مروان البرغوثي الذي له قوته التنظيمية ضمن كل الفصائل هناك، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي، وله شرعيته السياسية وقبل ذلك كله، له شرعيته الوطنية. إذ علينا الانتباه الى أنه مع مرور سنوات سجنه الطويلة، في سجون إسرائيل، فإنه قد بدأ يتحول إلى مانديلا الفلسطينيين، الذي كلمته مؤثرة ضمن كل التنظيمات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى وهو وراء القضبان في زنزانة باردة. وقوته آتية من أنه مثل ياسر عرفات، رجل ميدان استراتيجي، دارس جيد للذهنية الصهيونية في لغتها العبرية، وأنه دكتور في علم التاريخ والعلوم السياسية من جامعة بيرزيت، وأن له رؤية واضحة المعالم حول المشروع الوطني الفلسطيني بحسابات القرن 21. وحين قال عنه إرييل شارون لحظة اعتقاله: «يؤسفني القبض عليه حيا، كنت أفضل أن يكون رمادا في جرة»، فإنه لم يدرك بدون غضاضة، أنه بتصريحه ذاك إنما عمّد إلى الأبد سيرة القائد النضالية بعناوين الوطنية العالية.

وكما احتاج العالم، محاورين عقلاء، بناة حياة، في جنوب إفريقيا، ووجدهم في مانديلا ورفاقه، فإن المحتل الإسرائيلي وكل حلفائه في العالم، وفي مقدمتهم واشنطن، سيحتاجون، طال الزمن أو قصر، لمحاورين عقلاء في بلاد الرسالات فلسطين. ولن يجدوا أمامهم غير جيل مروان البرغوثي الذي قوته أنه مستقل القرار في الداخل، ومستقل القرار عن الخارج المحيط بقضية شعب بلده، سواء في طهران أو القاهرة أو الدوحة أو ما تبقى من دمشق أو أنقرة. وبذلك المعنى وحده، أي معنى بلورة مشروع وطني فلسطيني جديد، لن يذهب دم أطفال غزة سدى. أليست تقول «جدارية» محمود درويش، التي كما لو أنها تخاطب البرغوثي وجيله في زنزانة الاحتلال:

 

« سأصير يوما ما أريد
أنا الرسالة والرسول
أنا العناوين الصغيرة والبريد.(..)
لا تعبأ برايات القبائل
كن صديقا لاسمك الأفقي
جربه مع الأحياء والموتى
ودربه على النطق الصحيح برفقة الغرباء
واكتبه على صخور الكهف. (..)
يا اسمي: سوف تكبر حين أكبر»
مروان البرغوثي، سيصير جديا يوما ما يريد.. اسما أفقيا لفلسطين.

*******

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

21 يوليوز 2014